الأجواء السورية تستعيد حضورها.. نمو متسارع في حركة العبور يعزز عوائد الطيران

زمن القراءة: 7 دقائق

تشهد الأجواء السورية ارتفاعاً ملحوظاً في حركة الطيران العابر خلال الأشهر الأخيرة، في تطور يعكس تحولات واسعة وإعادة تشكيل مسارات الملاحة الجوية، ما أسهم في تعزيز إيرادات قطاع الطيران المدني وفتح مسارات اقتصادية جديدة أمام الاستفادة من الموقع الجغرافي لسوريا كممر جوي استراتيجي بين القارات.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، أن عدد الرحلات الجوية التي عبرت المجال الجوي السوري خلال شهر أيار الماضي بلغ 11801 رحلة، مقارنة بـ4267 رحلة خلال شهر نيسان، ما يعكس نمواً استثنائياً في حركة العبور الجوي.

كما ارتفع عدد الرحلات بنسبة 375 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في واحدة من أعلى نسب النمو التي يسجلها القطاع منذ سنوات.

ويأتي هذا التحسن بالتزامن مع التوترات بالمنطقة التي دفعت عدداً من شركات الطيران إلى تعديل مسارات رحلاتها والبحث عن ممرات جوية أكثر ملاءمة، الأمر الذي أعاد للأجواء السورية جزءاً من أهميتها التقليدية ضمن شبكة الملاحة الجوية في الشرق الأوسط.

عوائد مالية متنامية

يُنظر إلى هذه الزيادة في حركة الطيران العابر باعتبارها فرصة اقتصادية مهمة لسوريا، خاصة بعد تحديث رسوم عبور الأجواء التي أقرتها الهيئة العامة للطيران المدني مطلع العام الجاري.

وتبلغ الرسوم المعتمدة حالياً 499 دولاراً للرحلة الواحدة، موزعة بين 430 دولاراً رسوماً أساسية و69 دولاراً بدل خدمات الاتصالات والمراقبة الجوية. وبناء على عدد الرحلات المسجلة خلال شهر أيار، فإن العائدات التقديرية لعبور الأجواء السورية بلغت نحو 5.9 ملايين دولار خلال شهر واحد فقط، وهو رقم يعكس الإمكانات الكامنة لهذا القطاع إذا ما استمرت وتيرة النمو الحالية، وفق “رويترز”.

وتتضمن منظومة الرسوم الجديدة حوافز إضافية، من بينها تخفيضات بنسبة 50 بالمئة للرحلات الداخلية والطائرات المسجلة في سوريا، إضافة إلى إعفاءات خاصة بالطائرات الرسمية وعمليات البحث والإنقاذ، بما ينسجم مع الأعراف الدولية الناظمة لحركة الطيران المدني.

وتشكل هذه الإيرادات مورداً مالياً مهماً لا يتطلب استثمارات تشغيلية كبيرة مقارنة بقطاعات أخرى، إذ تعتمد بصورة أساسية على استثمار الموقع الجغرافي والخدمات الملاحية المقدمة للطائرات العابرة.

تطوير البنية الملاحية

لعبت المتغيرات الإقليمية دوراً بالزيادة المسجلة في حركة الطيران، لكن ذلك لم يكن العامل الوحيد، في ظل جهود فنية وإدارية بذلتها الهيئة العامة للطيران المدني خلال الفترة الماضية لتطوير أنظمة الملاحة الجوية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة لشركات الطيران.

وكانت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي قد أعلنت في وقت سابق إعادة فتح جميع الممرات الجوية التي كانت مغلقة سابقاً واستئناف الحركة الجوية بشكل كامل عبر الأجواء السورية، بعد إجراء تقييمات فنية شاملة للواقع التشغيلي ومستوى السلامة الجوية.

كما شهدت الفترة الماضية تحديثاً لمسارات الطيران وإعادة تقييم أنماط الحركة الجوية، إلى جانب تطوير أنظمة الملاحة والمراقبة والتحكم الجوي وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي، بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الحركة الجوية وتحسين مستويات السلامة والخدمة.

وفي هذا السياق، قال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، إن ارتفاع حركة الطيران العابر يعكس بداية تحول حقيقي في نظرة شركات الطيران إلى المجال الجوي السوري، باعتباره ممراً حيوياً وموثوقاً ضمن شبكة الحركة الجوية الإقليمية، مؤكداً أن الهيئة تعمل على استكمال مشاريع التحديث والتطوير لتعزيز تنافسية الأجواء السورية خلال المرحلة المقبلة.

أهمية اقتصادية

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عابد فضلية، أن المكاسب الاقتصادية الناتجة عن زيادة حركة العبور الجوي تتجاوز الرسوم المباشرة التي تحصل عليها الدولة، إلى تعزيز صورة الاقتصاد السوري وقدرته على استعادة دوره في القطاعات الخدمية والإقليمية.

وأوضح فضلية لصحيفة “الثورة السورية” أن “استعادة الأجواء السورية حصتها من حركة الملاحة الجوية تمثل مؤشراً مهماً على تحسن البيئة التشغيلية وقدرة المؤسسات الوطنية على إدارة خدمات ذات طابع دولي وفق معايير مهنية وفنية معترف بها”.

وأضاف أن قطاع الطيران يعد من القطاعات القادرة على تحقيق إيرادات سريعة من القطع الأجنبي، الأمر الذي يكتسب أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز موارد الخزينة العامة ودعم الاحتياطي من العملات الأجنبية.

وأشار إلى أن استمرار هذا النمو سيفتح المجال أمام استثمارات إضافية في البنية التحتية للمطارات وخدمات المناولة الجوية والصيانة والتموين، بما يخلق فرص عمل جديدة ويعزز النشاط الاقتصادي المرتبط بقطاع النقل الجوي.

موقع جغرافي

بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور شفيق عربش، أن التطورات الحالية تؤكد أهمية الموقع الجغرافي لسوريا باعتباره أحد الأصول الاقتصادية غير المستثمرة بالشكل الأمثل خلال السنوات الماضية.

وقال عربش لصحيفة “الثورة السورية”: “تمتلك سوريا موقعاً استراتيجياً يتوسط خطوط النقل بين آسيا وأوروبا والخليج العربي وشمال إفريقيا، وعندما تتوفر الظروف الفنية والأمنية المناسبة فإن هذا الموقع يتحول تلقائياً إلى مصدر دخل مهم للدولة”.

وأضاف أن الإيرادات المحققة من رسوم التحليق تشكل جانباً واحداً فقط من الفوائد الاقتصادية المحتملة، موضحاً أن زيادة حركة الطيران تعزز ثقة الشركات العالمية بقطاع النقل السوري، وقد تشجع مستقبلاً على توسيع الرحلات المنتظمة إلى المطارات السورية وزيادة حجم النشاط التجاري والسياحي.

وأكد عربش أن نجاح سوريا في المحافظة على مستويات السلامة الجوية وتطوير أنظمة المراقبة والملاحة سيمنحها فرصة لاستعادة جزء أكبر من حركة الطيران الإقليمية، الأمر الذي قد يرفع الإيرادات السنوية لهذا القطاع إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية.

تحديات وفرص مستقبلية

رغم المؤشرات الإيجابية المسجلة، لا يزال قطاع الطيران السوري يواجه تحديات تتعلق باستكمال تحديث البنية التحتية وتعزيز الاعتماد الدولي الكامل على المجال الجوي السوري، إضافة إلى الحاجة لاستقطاب مزيد من شركات الطيران العالمية لاستخدام الممرات الجوية السورية بصورة دائمة.

ومع ذلك، فإن الخبراء يجمعون على أن التطورات الأخيرة تمثل نقطة تحول مهمة في مسار تعافي القطاع، خاصة أن حركة الطيران الحالية لا تزال دون المستويات التي كانت سائدة قبل سنوات طويلة، ما يعني وجود هامش واسع للنمو خلال المرحلة المقبلة.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الأجواء السورية بدأت تستعيد تدريجياً مكانتها ضمن شبكة النقل الجوي الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد ومن جهود التطوير التي يشهدها قطاع الطيران المدني.

وإذا ما استمرت عمليات التحديث وتحسنت البيئة التشغيلية بشكل أكبر، فإن رسوم عبور الأجواء قد تتحول إلى أحد الموارد الداعمة للاقتصاد الوطني، بما يعزز الإيرادات العامة ويكرس عودة سوريا لاعباً مهماً في حركة النقل الجوي في المنطقة.

هلال عون

المصدر: جريدة الثورة

آخر الأخبار