أعاد السوريون العاملون في قطاع المطاعم والحلويات في الأردن رسم معايير الجودة والخدمة خلال السنوات الماضية، محولين خبراتهم المتوارثة إلى قصص نجاح مهنية واقتصادية، وانتقلوا من البحث عن الأمان إلى المساهمة الفاعلة في تطوير أحد أبرز القطاعات الخدمية في المملكة.
ومنذ عام 2011، شهد قطاع المطاعم والحلويات في الأردن نمواً متسارعاً، برز خلاله السوريون في فنون الطهي وصناعة الحلويات الشرقية، مثل المبرومة والبلورية وغيرها من الأصناف التي تتطلب مهارات يدوية دقيقة، قبل أن تسهم التقنيات الحديثة في تطوير جزء من عمليات الإنتاج خلال السنوات الأخيرة.
إلا أن هذا المشهد بدأ يواجه تحديات اقتصادية وإدارية دفعت كثيراً من أصحاب الخبرات السورية إلى التفكير بالعودة إلى سوريا، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد المخلوع في 8 كانون الأول 2024، ما يضع أصحاب المنشآت أمام تحدي الحفاظ على مستوى الجودة والخبرة الذي اعتاد عليه الزبائن.
وقال أبو رائد، صاحب محل لبيع الحلويات في العاصمة الأردنية عمّان، إن “قطاع الحلويات تأثر بشكل مباشر أكثر من غيره نتيجة عودة عدد من الخبرات السورية إلى بلادها”، مشيراً إلى أن “المطاعم تأثرت بدرجة أقل، لأن المهنة أصبحت أكثر انتشاراً وتداولاً، بخلاف صناعة الحلويات الشرقية التي بقيت لفترة طويلة مرتبطة بالخبرات السورية”.
وأضاف لصحيفة “الثورة السورية” أن “أعداد العائدين كانت ستكون أكبر لو تحسنت الأوضاع الاقتصادية ومستويات الرواتب في سوريا، خاصة مع افتتاح مطاعم ومحال جديدة، إذ إن السوق السورية قادرة على استيعاب عدد جيد من العائدين”.
وافتتح أبو رائد، المنحدر من مدينة دمشق، محله في الأردن عام 2015، مؤكداً أن صناعة الحلويات الشرقية “مهنة مرتبطة بالتراث الدمشقي وتتطلب سنوات طويلة من الخبرة”، لذلك كان حريصاً دائماً على تشغيل معلم واحد على الأقل من أصحاب الخبرة الذين تعلموا المهنة ومارسوها في سوريا، معتبراً أنهم يشكلون “العمود الفقري لاستمرار النجاح والحفاظ على سر النكهة أو ما يعرف بالنَّفَس”.
وأشار إلى أن القوانين الأردنية تلزم أصحاب الشركات والمحال بتشغيل عدد من العمال الأردنيين مقابل الحصول على الموافقات اللازمة لاستصدار تصاريح العمل للموظفين السوريين.
وذكر أن هذا الواقع أسهم في نقل الخبرات بين السوريين والأردنيين، ما أتاح لكثير من العاملين تعلم تفاصيل المهنة واكتساب مهارات جعلتهم قادرين على المنافسة وإثبات كفاءتهم في السوق.
في المقابل، قلل مصعب الحلاق، المستثمر السوري وصاحب مطاعم دجاج وشاورما في العاصمة عمّان، من حجم التأثيرات السلبية المترتبة على عودة السوريين.
وقال: “لا أتوقع أن يكون لعودة الكفاءات والخبرات تأثير واضح في المستقبل القريب، لأن كثيراً من المطاعم اعتمدت خلال السنوات الأخيرة على تدريب العمال الأردنيين وتأهيلهم، كما أن أعداد العائدين لا تزال محدودة”.
وأضاف الحلاق لصحيفة “الثورة السورية”: “في مهنتنا لا يزال البديل متوافراً، كان لدي عاملان شقيقان من أصحاب الخبرة عملا معنا منذ افتتاح المطعم عام 2014، لكنهما عادا إلى دمشق للعمل في مطعم العائلة، ومع ذلك لم نتأثر نتيجة توفر كوادر بديلة”.
تصاريح العمل وتراكمات الضمان الاجتماعي
ظهرت خلال الفترة الأخيرة قضية جديدة تواجه العمال والمستثمرين السوريين في الأردن، تتمثل فيما يعرف بـ”تراكمات الضمان الاجتماعي”، وهي مبالغ مالية متأخرة مترتبة لصالح مؤسسة الضمان الاجتماعي الأردنية، أصبح سدادها شرطاً أساسياً لتجديد بعض تصاريح العمل.
ورغم التسهيلات التي قدمتها الحكومة الأردنية عبر نظام “العقود المرنة” في بعض القطاعات، فإن تكاليف استخراج وتجديد التصاريح ما زالت تشكل عبئاً مالياً على العامل وصاحب العمل، خاصة مع ارتباطها بمهن محددة ومنع العمالة الوافدة من العمل في المهن المغلقة.
وواجه رامي بكداش، العامل في مجال المعجنات، صعوبة في تجديد تصريح عمله بسبب التراكمات المالية المترتبة عليه لصالح مؤسسة الضمان الاجتماعي.
وأوضح أن موظفي اتحاد نقابات العمال في الأردن أبلغوه بأن تسديد المستحقات المتراكمة أصبح شرطاً لتجديد تصريح العمل الحر.
وقال بكداش لصحيفة “الثورة السورية”: “وصلت التراكمات المالية المترتبة عليّ إلى نحو 900 دينار أردني، أي ما يعادل 1200 دولار أمريكي تقريباً، ولا يمكنني تجديد التصريح قبل تسديدها”.
وأضاف أنه اضطر إلى الاتفاق مع صاحب العمل على تسديد هذه المبالغ، على أن تُقتطع لاحقاً من راتبه الشهري على شكل أقساط.
وأشار إلى أن صاحب العمل ملزم أيضاً بتسجيل موظف أردني مقابل العامل السوري ضمن قوائم الضمان الاجتماعي الخاصة بالمنشأة.
وتعد قضية سداد التراكمات من أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة لأصحاب العمل، إذ يجد بعضهم نفسه مطالباً بتسديد مبالغ كبيرة عن سنوات سابقة، إضافة إلى غرامات التأخير.
ويرى الحلاق أن توظيف العمال السوريين الذين تترتب عليهم مستحقات مالية متراكمة ليس أمراً سهلاً، موضحاً أن بعض أصحاب العمل يتجنبون تشغيل عمال انتهت تصاريحهم أو تترتب عليهم التزامات مالية سابقة، رغم امتلاكهم الخبرة المطلوبة.
وأضاف: “من غير المنطقي أن يتحمل صاحب العمل مستحقات مالية تراكمت خلال عمل العامل في منشآت أخرى أو بموجب تصاريح عمل حرة سابقة، كما أن تشغيل العامل بصورة مخالفة قد يعرض المنشأة لمخالفات وغرامات مالية كبيرة”.
مهن مغلقة
خلال السنوات الماضية، تحول قطاع المطاعم والحلويات إلى الحاضنة الأكبر للعمالة السورية في الأردن، ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة للأنظمة والقوانين المنظمة لسوق العمل.
ولجأ كثير من السوريين، بمن فيهم حملة الشهادات الجامعية، إلى العمل في قطاع المطاعم باعتباره من “المهن المفتوحة” التي تتيح للاجئين والعمالة الوافدة الحصول على تصاريح عمل بصورة أسهل مقارنة بقطاعات أخرى مصنفة ضمن المهن المغلقة.
وتندرج تحت مسمى “المهن المغلقة” العديد من الحرف والمهن، مثل الحلاقة والسواقة والمحاسبة وغيرها.
وفي هذا السياق، قال الحلاق: “العديد من أصحاب الحرف الأخرى والطلاب دخلوا إلى قطاع المطاعم بسبب ظروف الهجرة، وغالباً عبر المعارف والأقارب”، مشيراً إلى أن المطاعم بمختلف اختصاصاتها تعد من المهن المفتوحة المسموح للأجانب بالعمل ضمنها في الأردن.
وأردف: “الكثير من حملة الشهادات والمعلمين اضطروا للعمل كمساعدين أو بائعين في المطاعم، لأن تخصصاتهم الأصلية تندرج ضمن المهن المغلقة، مثل المحاماة والهندسة وغيرها”.
من جانبه، قال أبو رائد: “تعلم العديد من الشباب السوريين المهنة في محلنا بالتزامن مع دراستهم الجامعية، وبعضهم بدأ العمل في قسم المبيعات أو ما يعرف بعامل البسطة، ثم أحب المهنة وأتقنها، وأصبح قادراً على العودة إلى بلده حاملاً خبراته العلمية والمهنية معاً، وهذا ليس أمراً غريباً على السوريين”.
ولم يقتصر دور الحرفي السوري على تقديم المنتج أو الخدمة، بل أسهم أيضاً في نقل خبراته إلى زملائه الأردنيين، ما أوجد حالة من التبادل المهني والتقارب العملي بين الطرفين.
وباتت المطابخ الأردنية تضم اليوم كوادر محلية تتقن صناعة الحلويات الشامية والشاورما وغيرها من الأصناف التي اشتهرت بها المطابخ السورية، نتيجة سنوات من العمل المشترك وتبادل الخبرات.
وقال الحلاق: “تجاوزنا مرحلة الاندماج منذ سنوات، فالمطاعم ومحال الأغذية والمشروبات في الأردن تضم كوادر من جنسيات متعددة تعمل ضمن فريق واحد، لكن أكثر أشكال الاندماج وضوحاً وتأثيراً في هذا القطاع كان بين السوريين والأردنيين”.
وذكر أن الشراكات الاستثمارية بين السوريين والأردنيين أصبحت أمراً شائعاً، خاصة في المطاعم والشركات التي تمتلك عدة فروع في مختلف المحافظات.
كما أسهم قطاع المطاعم في تعزيز الروابط الاجتماعية والتخفيف من مشاعر الغربة، وجعل المستثمر والعامل السوري جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي المحلي، ضمن منظومة مهنية مشتركة تجمع الطرفين.
وختم الحلاق بالقول: “السنوات الطويلة التي قضاها السوريون في الأردن كانت كفيلة بتحقيق مستوى واسع من الاندماج بين الشعبين، ليس فقط داخل المطاعم والمحال التجارية، إنما أيضاً في المدارس والجامعات والأندية الرياضية ومختلف مناحي الحياة”.
إياد تنبكجي
المصدر: الثورة السورية
