الشريحة المجنونة

زمن القراءة: 4 دقائق

لعقود طويلة، استكان سوق الحواسب الشخصية لروتين التطبيقات التقليدية، وبات ينتظر صدمة كهربائية تعيده للحياة، والآن، من قلب صناعة أشباه الموصلات، يطل علينا “جينسن هوانغ” بسترته الجلدية السوداء المميزة، ليُعلن بكلمات واثقة أن “إنفيديا” بصدد إعادة اختراع الحاسوب الشخصي للمرة الأولى منذ أربعين عاماً، في خطوة لا تقل أهمية عن تحول الجوالات إلى أجهزة ذكية.

عندما قررت “إنفيديا” إعادة اختراع الكمبيوتر

“إنفيديا” ليست شركة جديدة في السوق، بل كانت لاعبًا رئيسيًا في مجال أجهزة الكمبيوتر لعقود من الزمن من خلال رقائق الرسومات الخاصة بها، والتي تُنتج صورًا أكثر وضوحًا وسلاسة على شاشات الكمبيوتر، وهي ميزة يُقدّرها مُحبو ألعاب الفيديو.

ولكن قبل الكشف عن أحدث رقائقها، لم تكن “إنفيديا” لاعبًا رئيسيًا في سوق المعالجات المركزية المخصصة للحواسيب الشخصية.

لذا قررت الشركة تقديم الشريحة الجديدة “آر تي إكس سبارك” والمطورة بشراكة استراتيجية مع “ميديا تك” التايوانية، تدمج من خلالها المعالج الدقيق مع شريحة الرسومات في جسد تقني واحد، هذا الاندماج صُمم خصيصاً لتشغيل برامج الذكاء الاصطناعي، وتحويل الجهاز إلى كيان مستقل يقلص الاعتماد على الحوسبة السحابية.

معركة إنقاذ الحواسب الشخصية

هذا الدخول الجريء بمثابة إعلان حرب في ساحة تسيطر عليها كيانات ضخمة، فبينما تستحوذ “إنتل” على نحو 64% من سوق معالجات الحواسب العاملة بنظام التشغيل “ويندوز”، وتسيطر “لينوفو” و”إتش بي” و”ديل” ومعهم “آبل” على قرابة 75% من سوق الحواسب الشخصية العالمية، تلقي “إنفيديا” بثقلها في مواجهة هذه الهيمنة.

الاصطدام المباشر مع “إنتل”، و”إيه إم دي”، و”كوالكوم” ينذر بسباق تسلح تكنولوجي سيُشعل الابتكار،وحتى “آبل”، التي تربعت على عرش الأجهزة النحيفة بفضل رقائق “آرم”، تجد نفسها أمام منافس شرس.

لمسة “إنفيديا” السحرية

يقف اليوم سوق الحوسبة على أعتاب نقطة تحول تاريخية، تشبه تماماً لحظة إطلاق “آيفون” أو ثورة “شات جي بي تي” و”ديب سيك”، كما يصفها “نيل شاه” من “كاونتربوينت”.

الشريحة الجديدة تمثل انتقالاً من حاسوب “يعمل بالتطبيقات” إلى آخر “يعمل بوكلاء الذكاء الاصطناعي”، وبدعم استراتيجي من “مايكروسوفت”، كما أكد “ساتيا ناديلا”، ستوفر هذه المنصة ذكاءً غير محدود لكل منزل ومكتب.

 ومن المقرر أن تغزو هذه التكنولوجيا الأسواق في الخريف القادم عبر 30 موديلاً محمولاً وعشرة طرازات مكتبية بالتعاون مع كبرى الشركات المصنعة.

هل ستتمكن “إنفيديا” من إنقاذ السوق؟

تظهر النظرة على مسار شحنات السوق العالمية بوضوح الحاجة الماسة لهذه الصدمة الإيجابية، حيث لا تزال المبيعات تحاول التعافي، لكنها لم تقترب بعد من  ذروتها المسجلة في خضم الوباء، الذي أجبر سكان العالم على البقاء في منازلهم مما عزز الحاجة إلى نوافذ رقمية.

حجم شحنات الحواسب الشخصية حول العالم

العام

حجم الشحنات
(مليون وحدة)

2021

350.1

2022

301.5

2023

260.2

2024

263.3

2025

284.7

رغم الطفرة المنتظرة، يصطدم توقيت إطلاق الشريحة الجديدة والحواسب المزودة بها، بعقبات هيكلية في سلاسل الإمداد العالمية، أبرزها نقص رقائق الذاكرة وارتفاع تكاليفها، هذا الاختناق اللوجستي قد يؤدي إلى انخفاض مبيعات الحواسيب بنحو 20% في النصف الثاني من هذا العام.

ولتجاوز هذا الفخ، توجهت “إنفيديا” بذكاء نحو شريحة الحواسيب الراقية الموجهة للمطورين، وهي الفئة الأقل حساسية لتقلبات أسعار المكونات، بما يضمن استدامة الإيرادات بعيدًا عن تقلبات السوق الاستهلاكية الشاملة.

في النهاية، قد يكون التأثير المباشر لدخول “إنفيديا” على أدائها المالي الإجمالي محدوداً في الأمد القصير، مقارنة بحجم أعمالها الهائل في مراكز البيانات، إلا أن هذه الخطوة تُمكن الشركة من تعزيز سوق أجهزة الكمبيوتر المُزوّدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

 ليظل السؤال الأهم معلقاً: هل تنجح لمسة “إنفيديا” السحرية في إنقاذ سوق الحواسيب الشخصية؟

المصادر: أرقام – موقع “إنفيديا” – شركة الأبحاث “جارتنر” – الجارديان –  “بي سي ماج” – آي دي سي – وول ستريت جورنال

آخر الأخبار