ثلاث ركائز استراتيجية لنهضة اقتصادية في الجزيرة السورية

زمن القراءة: 11 دقائق

تُعدّ الجزيرة السورية من أبرز المناطق الاقتصادية في البلاد، لما تمتلكه من قدرات بشرية وموارد طبيعية وثروات زراعية ومائية تجعلها ركيزة أساسية في مسار التعافي وإعادة الإعمار. فهي تضم أبرز حقول النفط والغاز، وتشكل خزاناً زراعياً وغذائياً مهماً بفضل إنتاجها الواسع من القمح والشعير والقطن، إلى جانب الثروة الحيوانية وموقعها الحيوي وإمكاناتها الاستثمارية المتنوعة. كما تكتسب أهمية إضافية بكونها الأغنى مائياً لاحتضانها نهري الفرات ودجلة وروافدهما، فضلاً عن ثروات معدنية أبرزها الملح الصخري عالي النقاوة، ما يعزز فرص الاستثمار فيها على المستويين الاقتصادي والتنموي.

وقبل عام 2011، كانت الجزيرة تنتج أكثر من نصف محصول القمح في سوريا، ونحو ثلثي إنتاج القطن، إلى جانب الشعير والذرة والبقوليات، وتمثل ما بين 36 بالمئة و41 بالمئة من الثروة الحيوانية السورية، لا سيما الأغنام، ما جعلها العمود الفقري للأمن الغذائي في البلاد، لكنها كانت تعاني من التهميش خلال فترة النظام المخلوع، قبل أن تتعرض لاحقاً لدمار واسع لاحقاً بفعل الحرب.

ومع توجه الدولة السورية بعد التحرير لإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية وتحفيز الاستثمار بعد التحرير، تبرز الجزيرة كإحدى أولويات المرحلة المقبلة في هذا الصدد.

وشهدت مناطق عدة على امتداد ضفاف نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة خلال الأيام الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب مياه النهر، ما تسبب بأضرار متفاوتة في الأراضي الزراعية والمناطق القريبة من مجراه، وعزز الحاجة إلى تسريع جهود إعادة التأهيل، وتعزيز البنية التحتية، وتوسيع الاستثمارات في مشاريع إدارة الموارد المائية وحماية الأراضي الزراعية.

وقبيل ذلك، أجرى نائب وزير الاقتصاد والصناعة باسل عبد الحنان، زيارة إلى محافظة الرقة، بحث خلالها مع محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة وعدد من الصناعيين وأصحاب المعامل في المحافظة التحديات التي تواجه عمل المنشآت الصناعية، ومشروع إنشاء مدينة صناعية جديدة شمال شرق مدينة الرقة.

وأكد الحنان أن العمل على مشروع المدينة الصناعية في الرقة سيبدأ خلال الفترة المقبلة، معتبراً أن المشروع يشكل خطوة مهمة لدعم الاستثمار وتحفيز النشاط الصناعي في المحافظة.

وأشار إلى أنه جرى الاستماع إلى مطالب الصناعيين ومقترحاتهم، وطرح حلول عملية سيتم العمل عليها قريباً، خاصة ما يتعلق بمنح تراخيص مؤقتة لبعض المنشآت القائمة سابقاً، ومنح مهل للمنشآت غير المستوفية لبعض الشروط بهدف استمرار العملية الإنتاجية في الرقة.

وأوضح نائب وزير الاقتصاد والصناعة أن زيارته للمحافظة شملت جولة ميدانية على الموقع المقترح للمدينة الصناعية، الذي يمتد على مساحة تقارب أربعة ملايين ونصف المليون متر مربع، إضافة إلى زيارة منطقة المحالج للاطلاع على إمكانية إعادة تأهيلها، لتكون نواة أساسية لحلج الأقطان والصناعات الزراعية المرتبطة بها داخل المحافظة.

وفي هذا السياق، رأى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن الاستثمار في سوريا عموماً والجزيرة خصوصاً يُعدّ شكلاً من أشكال التنمية الاقتصادية المهمة، لما له من دور في زيادة فرص العمل، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية واستغلال الثروات الكبيرة الموجودة في المنطقة.

وقال عايش لصحيفة “الثورة السورية” إن الاستثمار يشكل أيضاً مؤشراً على عودة الاستقرار والهدوء وسيطرة الدولة على المناطق السورية المختلفة، كما يحمل رسالة مباشرة لسكان المنطقة حول اهتمام الحكومة بتطوير وتحديث وزيادة النمو الاقتصادي، وتحسين مستويات المعيشة ورفع معدلات النمو في الجزيرة.

وأوضح أن نجاح أي عملية استثمارية يتطلب تحديد المشاريع ذات الأولوية القادرة على جذب المستثمرين، إلى جانب إعداد دراسات جدوى اقتصادية واضحة تضمن عائداً استثمارياً للمستثمرين سواء من قبل الحكومة أو من المشاريع ذاتها، مع إمكانية تقاسم المخاطر المرتبطة بالاستثمار وآليات تحقيق العوائد، بما يمنح المستثمرين مزيداً من الطمأنينة ويخفض مستوى المخاطر.

وأضاف أن ما يهم المستثمرين بشكل أساسي هو مؤشرات الجدوى والعائد الاستثماري والمعروف بـ”ROI”، والعائد الداخلي للمشاريع اختصاراً بـ”IRR”، إضافة إلى صافي القيمة الحالية للمشاريع كجزء من دراسات الجدوى واختصارها “NPV”، والتي تُعد من أهم المعايير التي تُبنى عليها القرارات الاستثمارية.

وأكد عايش أن الأولوية يجب أن تُمنح للمشاريع ذات الأثر المباشر على حياة الناس، مثل الاستثمارات الزراعية ومشاريع الأمن الغذائي، والتي تحقق نتائج سريعة على مستوى فرص العمل وزيادة الإنفاق وتحسين مستويات الدخل والمعيشة، مؤكداً أن الحكومة السورية مطالبة بالتحرك بسرعة فيما يتعلق بتحديد الفرص الاستثمارية والإعلان عنها والترويج لها، والعمل على استقطاب المستثمرين.

مركز اقتصادي

من جهته، رأى الباحث حسين العاصي، أن الزيارات الرسمية إلى محافظة الرقة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية مهمة، خاصة في ظل محاولات إعادة تنشيط الجزيرة بعد سنوات طويلة من الحرب والتراجع التنموي، فاللقاءات مع الصناعيين وأصحاب الشركات ومناقشة واقع الاستثمار والتحديات اليومية التي تواجه القطاع الاقتصادي تعكس توجهاً متزايداً نحو إعادة دمج الجزيرة السورية في الدورة الاقتصادية الوطنية، باعتبارها واحدة من أغنى المناطق السورية بالموارد الطبيعية والزراعية.

وقال العاصي لصحيفة “الثورة السورية”، إنه رغم ما شهدته المنطقة من دمار واستنزاف خلال السنوات الماضية، فإنها لا تزال تمتلك مقومات تؤهلها لتكون مركزاً اقتصادياً فاعلاً لسوريا عموماً، إذا ما توفرت بيئة مستقرة ورؤية تنموية حقيقية، فالجزيرة السورية تمتلك ثلاث ركائز استراتيجية أساسية: الزراعة والطاقة والمنافذ التجارية، وهذه القطاعات قادرة على خلق نهضة اقتصادية واسعة إذا جرى استثمارها بطريقة مدروسة ومستدامة.

وأضاف أن المنطقة الزراعية في الجزيرة السورية تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، إضافة إلى خبرة تاريخية في إنتاج القمح والقطن والشعير والثروة الحيوانية، ما يجعلها مؤهلة لاستعادة دورها كخزان غذائي لسوريا. إلا أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من الزراعة التقليدية إلى الاستثمار الزراعي الحديث القائم على التصنيع الغذائي، ومراكز التخزين والتبريد والتصدير، واستخدام التقنيات الزراعية الحديثة، لأن الاقتصادات القوية لا تعتمد فقط على بيع المواد الخام بل على تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

أما قطاع الطاقة، فأوضح العاصي أن المنطقة لا تزال تمثل الورقة الأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصاد، نظراً لما تحتويه من حقول نفط وغاز يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية أساسية، مشددًا على أن نجاح أي استثمار في هذا المجال يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وإدارة اقتصادية واضحة، وضمانات حقيقية للمستثمرين المحليين والخارجيين، خاصة في ظل حساسية هذا القطاع وتشابكاته السياسية والأمنية.

خطط ومشاريع

كشف محافظ الرقة في تصريحات سابقة عن وجود خطط ومشاريع متعددة تشمل قطاعات الترفيه والسياحة والتطوير العقاري، إلى جانب مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية بشكل كامل بما يتناسب مع متطلبات التنمية الحديثة.

وأشار المحافظ إلى أنه في طور إنشاء مدينة صناعية وحرفية متكاملة، بهدف نقل الصناعات الحرفية الصغيرة مثل الورش والمهن الصناعية إلى منطقة مُخدَّمة بشكل جيد، إضافة إلى العمل على تطوير سوق الهال والمسالخ وسوق المواشي ضمن رؤية تنموية شاملة حتى عام 2030.

وأوضح أن المحافظة تطمح إلى تطوير الصناعات التحويلية، بالتوازي مع دراسة مشاريع تتعلق بالطاقة البديلة وتقديم قروض مخصصة لدعم هذا القطاع، خاصة في المجال الزراعي، مؤكداً أن الرؤية العامة أصبحت واضحة، إلا أن تنفيذها يحتاج إلى وقت وإمكانات كبيرة.

وأضاف أن قطاع الكهرباء يشكل أحد أبرز التحديات الحالية، موضحاً أن الوصول إلى استقرار كامل في التغذية الكهربائية يتطلب سنوات من العمل بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية ومحطات التوليد، ولفت إلى أن بعض المحطات الرئيسية، مثل محطة حلب الحرارية التي تنتج 1400 ميغا واط، تعمل بعنفاتين من أصل خمس عنفات، ما يعني أن تحقيق الاستقرار الكامل في هذا القطاع يحتاج إلى فترة زمنية وجهود كبيرة.

وفي وقت سابق، قيّم وفد من وزارة السياحة عدداً من المواقع في مدينة الطبقة بريف الرقة، تمهيداً لاستثمارها وتنشيط حضورها السياحي.

ووفق معطيات صادرة عن وزارة الزراعة الأميركية (خدمة الزراعة الخارجية)، توزع إنتاج القمح السوري خلال موسم 2024/2025 بين محافظات المنطقة على النحو التالي: الرقة 23 بالمئة من الإنتاج الوطني، الحسكة 22 بالمئة، دير الزور 10 بالمئة.

الاستقرار واستثمار الموارد

أكد العاصي أن الصناعة تبقى الحلقة الأصعب حتى الآن، فبناء قاعدة صناعية متينة في الجزيرة ما يزال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية والكهرباء والنقل وضعف التمويل، كما أن طبيعة البيئة الاجتماعية والاقتصادية السائدة خلال سنوات الحرب خلقت حالة من الحذر لدى كثير من المستثمرين، إضافة إلى وجود عقليات تجارية تقليدية لا تزال مترددة في خوض مشاريع إنتاجية طويلة الأمد.

كما لا يمكن الحديث عن أي نهضة اقتصادية حقيقية دون التوقف عند التحدي الأمني الذي يبقى العامل الأكثر حساسية وتأثيراً في مستقبل الاستثمار، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على ثقة المستثمرين. إذ لا يمكن لرأس المال أن يتحرك في بيئة غير واضحة المعالم أو غير مستقرة أمنياً، كما أن أي عملية تنموية حقيقية يجب أن تترافق مع تشجيع عودة رؤوس الأموال السورية التي غادرت المنطقة خلال الحرب عبر تقديم تسهيلات استثمارية وإعفاءات ضريبية وضمانات قانونية حقيقية، لأن أبناء المنطقة أنفسهم يمكن أن يكونوا المحرك الأساسي لمرحلة التعافي الاقتصادي، وفقًا للباحث.

ولا تقل أهمية الاستثمار في الإنسان عن الاستثمار في الموارد، فالجزيرة السورية تحتاج اليوم إلى معاهد تقنية ومراكز تدريب مهني قادرة على تأهيل الشباب لسوق العمل الحديث، لأن التنمية لا تُبنى فقط على النفط والقمح، بل على وجود كوادر قادرة على إدارة المشاريع والصناعات الحديثة.

وشدد الباحث على أن الجزيرة تقف أمام فرصة تاريخية، فإما أن تبقى منطقة غنية بالموارد وفقيرة بالتنمية، أو أن تتحول إلى مركز اقتصادي جديد يعيد رسم الخريطة الاقتصادية السورية. فالجزيرة لا ينقصها المال ولا الثروات، لكنها تحتاج إلى رؤية دولة قادرة على تحويل الموارد إلى تنمية، والجغرافيا إلى فرصة، والاستقرار إلى مشروع اقتصادي حقيقي يعيد الحياة إلى واحدة من أهم مناطق سوريا الاستراتيجية.

نور جوحدار

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار