في شوارع بكين، حين يشرق الفجر وتتنهد المدينة لحظة أخيرة قبل الصخب، ثمة من لا يعرف للنوم معنى، رجل يقود دراجة كهربائية، يرتدي سترة عاكسة للضوء كأنه يعلن: أنا هنا، لا تصطدم بي، خوذته تهمس في أذنيه بصوت آلي بارد، تخطره بطلب جديد، بمهلة محسوبة بالدقائق، بعقوبة تنتظره إن تأخر.
يحمل هذا الرجل على عاتقه كل شيء: طعاماً ساخناً، ملابس أنيقة، أدوية لمرضى ينتظرون، صعوداً على الأقدام عبر أدراج البنايات الشاهقة عند تعطل المصاعد، ليحمل في النهاية آمالاً صغيرة في كسب لقمة عيش مغموسة بالخطر.
حين تضيق أبواب المصانع
لفهم طبيعة هذه الوظيفة، لا بد من قراءة المشهد الاقتصادي الأشمل، فمع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني وتراجع قدرة الشركات على خلق وظائف مكتبية كافية، تحول العمل الحر إلى ملاذ لكل من يبحث عن مصدر دخل.
لم تعد وظيفة سائق التوصيل حكراً على العمال القادمين من المناطق الريفية، بل باتت تجذب أيضاً أعداداً متزايدة من خريجي الجامعات الذين يواجهون سوق عمل قاسية، لا سيما مع وصول معدل بطالة الشباب إلى نحو 17%.
يوم في حياة سائق توصيل
حين يستيقظ أحدهم في مدينة بعيدة ويطلب وجبة بضغطة إبهام، يبدأ على الطرف الآخر من الشاشة فصل آخر من رواية قاسية، في نموذج واقعي يتلقى “رين فاي” الأربعيني الذي هجر وظيفته كمفتش سكك حديدية في مقاطعة شانشي، إشارة من التطبيق.
ينطلق مسرعاً فكل دقيقة محسوبة عليه، يركض في الممرات، يصعد الأدراج، يدق الأبواب، إن وصل في الوقت المحدد فله أجره كاملاً، وإن لم يصل؟ تنخفض نقاطه، وتسند إليه طلبات أبعد بأجر أقل وفقاً للخوارزميات التي لا تتوقف عن العمل، لكن “رين” يتحمل تلك المشقة لأن أجره الحالي أعلى مما كان يكسبه في قطاع السكك الحديدية.

فخ المرونة
تبدو الصورة في ظاهرها مغرية: حرية اختيار ساعات العمل، ودخل قد يفوق ما توفره كثير من الوظائف التقليدية، وبوابة مفتوحة لا تشترط شهادة ولا خبرة، فقط دراجة كهربائية وجوال.
غير أن هذا التدفق الهائل للعمال ولد مشكلة جديدة وشرسة: المنافسة على الأجور، فالسائق الذي كان يحصل قبل سنوات على نحو 1.25 دولار مقابل كل طلب بات يجني اليوم أقل من دولار في بعض الحالات، والنتيجة أن كثيرين يضطرون إلى العمل لساعات أطول فقط للحفاظ على مستوى الدخل ذاته.
“وو”، سائق لدى “تاوباو فلاش”، يجسد هذه المعادلة بجلاء: كان يتقاضى سبعة يوانات عن كل طلب في السنوات الماضية، ثم انخفض الرقم إلى أربعة فحسب، رغم أن ساعات عمله لم تقل، والتحديات لم تتراجع، لكن شيئاً واحداً تغير: ملايين آخرون انضموا إلى نفس الطابور، فانهارت قيمة وقته.

ضغوط لا تنتهي
أصبح عمال التوصيل يواجهون جداول عمل مرهقة تصل إلى 14 ساعة يومياً، مع ندرة الإجازات، والتأخير في تسليم الطلبيات يؤدي إلى انخفاض الأجر (حتى لو بصورة غير مباشرة)، لكنهم يتحملون تلك الضغوط والمخاطر مقابل كسب ما يكفي من المال لتلبية احتياجات أسرهم الأساسية.
وتنعكس هذه الضغوط على السلامة، ففي عام 2023 وحده، تعرض عمال التوصيل لـ 12 ألف حادث سير، أي ما يعادل 33 حادثاً يومياً، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو ثلث السائقين تعرضوا لإصابات أثناء العمل، بينما لا يتمتع سوى خمسهم تقريباً بتأمين ضد إصابات العمل.
“ماذا يريدون مني؟ هل يريدون موتي؟” صرخة أطلقها سائق في بكين قبل أن يحطم جواله، لتردد صداها ملايين الشاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي زاوية أخرى من المدينة، يجثو سائق آخر على ركبتيه في الشارع مستعطفاً أحد رجال المرور بعد أن تجاوز الإشارة الحمراء، لأنه لم يكن مستهتراً بالقانون، بل كان يحاول تلبية أهداف الخوارزميات التي لا تقبل الأعذار.

التحول من النموذج العقابي إلى نهج قائم على التحفيز
وفي الخلفية، تدور حرب أسعار شرسة بين منصات التوصيل، التي تتنافس على جذب العملاء عبر القسائم والخصومات ووعود بتوصيل أسرع، في سوق تجاوزت قيمته 229 مليار دولار.
تحت ضغط السلطات الصينية، بدأت بعض المنصات التخلي عن أنظمة الغرامات المباشرة واستبدالها بآليات تعتمد على خصم النقاط والحوافز، كما أطلقت مبادرات لتوفير محطات استراحة وتأمينات اجتماعية محدودة.
لكن كثيرين يشككون في قدرة هذه الإجراءات على تغيير واقع القطاع جذرياً، فالمشكلة الحقيقية ليست في الغرامة أو في النقطة المخصومة، بل في البنية ذاتها لسوق يضخ عمالة أكثر مما يستطيع استيعابها بأجور عادلة.
تعتبر قصة سائقي التوصيل في الصين مرآة لتحولات أعمق يعيشها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الذي يمنح ملايين الأشخاص فرصة لكسب الرزق، لكنه يضعهم في الوقت نفسه داخل سباق لا يتوقف.
وبينما يستمتع الملايين بوجباتهم التي تصل إلى أبواب منازلهم خلال دقائق، يواصل سائقو الدراجات الكهربائية الركض في شوارع الصين، تلبية لأوامر خوارزميات لا ترحم.
المصادر: أرقام – الإيكونومست – ساوث تشاينا مورنينج بوست – صحيفة “ذا إيدج” – تشاينا دايلي – وول ستريت جورنال
