الليرة وحبس السيولة.. ألم يحن أوان مراجعة السياسة النقدية؟

زمن القراءة: 9 دقائق

على عتبة 14 ألف ليرة سورية قديمة للدولار الواحد، يتأرجح سعر صرف الدولار الأمريكي في السوق الموازية، في حين بقي السعر الوسطي المعتمد في نشرات مصرف سوريا المركزي عند قرابة 11,300 ليرة.

ويعود هذا التراجع في قيمة الليرة السورية إلى مجموعة من العوامل، بعضها يرتبط بسياسات داخلية، وبعضها الآخر مرتبط بالتصعيد الإقليمي الناجم عن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية.

ومن بين هذه العوامل تبرز سياسة “حبس السيولة”، القائمة على تقييد سحب العملة السورية من المصارف ضمن سقوف محددة، والتي اعتمدها مصرف سوريا المركزي، إلا أن التراجع الأخير في سعر صرف الليرة أعاد إلى الواجهة مطالبات من خبراء اقتصاديين بإعادة النظر بهذه السياسة أو التخلي عنها.

غلاء الدولار والأسعار.. ما الأسباب؟

مع كل ارتفاع في سعر الدولار بالسوق الموازية، تتجه أصابع الاتهام إلى بعض التجار برفع أسعار السلع الأساسية بشكل مباشر، فيما يشكل ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات والنقل عاملاً إضافياً يسهم في زيادة تكاليف السلع والخدمات.

وقدّرت أوساط اقتصادية وأكاديمية نسبة ارتفاع الأسعار بنحو 30 إلى 35 بالمئة نتيجة تداخل هذه العوامل مع ارتفاع سعر الصرف، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر السورية من تراجع القدرة الشرائية.

وفي 15 أيار الماضي، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع قراراً بتعيين محمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي.

وتعهد رسلان، في تصريح نشرته المعرفات الرسمية للمصرف، بأن تقوم المرحلة المقبلة على “العمل الهادئ والمسؤول لإعادة بناء الاستقرار النقدي والمالي بشكل تدريجي ومستدام، بعيداً عن الحلول المؤقتة أو الإجراءات الارتجالية”.

وأضاف: “أدرك تماماً حجم التحديات الاقتصادية والمعيشية التي نواجهها نحن السوريين يومياً، وأؤمن أن أي سياسة نقدية لا تكتسب قيمتها إلا عندما تنعكس بشكل حقيقي على حياة الناس واستقرارهم”.

حبس السيولة والركود الاقتصادي

يرى أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن سياسة “حبس السيولة” التي اتبعها مصرف سوريا المركزي خلال السنوات الماضية تمثل أحد أخطر التدخلات النقدية غير التقليدية في تاريخ السياسة النقدية السورية.

وأوضح محمد، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن هذه السياسة انطلقت في سياق أزمة مالية واقتصادية حادة، اتسمت بتراجع الاحتياطيات الأجنبية، وعجز مزمن في الموازنة العامة، وانكماش الناتج المحلي، والانخفاض المستمر في القوة الشرائية لليرة السورية.

وأضاف أن هذه السياسة، رغم المبررات التي رافقت تطبيقها، حملت في طياتها “تناقضات بنيوية حالت دون تحقيق أهدافها المعلنة”، مشيراً إلى أنها ساهمت في تعميق الاختلالات النقدية، وفي مقدمتها الارتفاع المتسارع لسعر الصرف في السوق الموازية.

وتقوم سياسة “حبس السيولة” على تقييد حركة النقود المتداولة خارج القطاع المصرفي، بهدف الحد من الضغوط التضخمية الناجمة عن زيادة الكتلة النقدية غير المغطاة بإنتاج حقيقي أو احتياطيات نقدية.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محيي الدين أن لجوء المصرف المركزي إلى هذه السياسة جاء في إطار محاولة احتواء الضغوط النقدية والحد من الطلب على القطع الأجنبي وضبط المضاربات المؤثرة في سعر الصرف، ولا سيما في ظل ضعف الأدوات النقدية التقليدية وتراجع الثقة بالقطاعين المالي والمصرفي.

وذكر محيي الدين أن هذه السياسة قد تحقق أثراً قصير الأجل يتمثل في تقليص الطلب على العملات الأجنبية وخفض الكتلة النقدية المتداولة، ما ينعكس أحياناً على استقرار نسبي أو تحسن مؤقت في سعر الصرف، لكنها تبقى أداة إسعافية أكثر منها حلاً اقتصادياً مستداماً.

وفي ختام زيارتها إلى سوريا في شباط الماضي، قالت بعثة صندوق النقد الدولي في بيان إن مصرف سوريا المركزي تمكن من الحفاظ على “موقف نقدي صارم” رغم القيود العديدة التي يواجهها.

وأضاف البيان أن ذلك، إلى جانب غياب تمويل الموازنة من قبل المصرف المركزي، ساهم في تباطؤ ملحوظ لمعدلات التضخم لتصل إلى “مستويات منخفضة من خانتين” بحلول نهاية عام 2025، فضلاً عن تحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن سياسة حبس السيولة في الظروف السورية أدت إلى نتائج عكسية، تمثلت في “خلق سوقين نقديين متباعدين”، إذ دفعت الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بالأموال نقداً، سواء بالليرة أو بالعملات الأجنبية، خارج المصارف، ما زاد الطلب على الدولار بوصفه وعاءً ادخارياً.

كما تراجعت قدرة المصرف المركزي على الدفاع عن الليرة، إذ إن كل تشديد إضافي على سياسة حبس السيولة كان يُفسَّر في السوق على أنه مؤشر إلى ضعف العملة الوطنية، ما دفع مزيداً من الأفراد إلى التحوط والاتجاه نحو الدولار، وفق ما أوضحه أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة.

وأردف محمد أن الأثر الثالث لهذه السياسة يتمثل في انكماش الائتمان الحقيقي، حيث قلّصت قدرة المصارف على تمويل التجارة والصناعة، ما دفع المستوردين إلى شراء الدولار من السوق الموازية بأسعار متزايدة، لينتقل أثر ارتفاع سعر الصرف إلى الأسعار المحلية على شكل تضخم مستورد، الأمر الذي عزز الطلب على الدولار مجدداً.

ولضبط سعر الصرف في السوق الموازية، اقترح محمد في حديثه لـ”الثورة السورية” مجموعة من الإجراءات، من أبرزها اعتماد سياسة نقدية استباقية عبر إعلان المصرف المركزي هدفاً واضحاً للتضخم، يتراوح بين 10 و15 بالمئة سنوياً، إلى جانب تنظيم مزادات دورية للدولار بكميات صغيرة ومتكررة.

كما دعا إلى تشديد الرقابة على المضاربين الكبار في سوق العملات بدلاً من التركيز على المواطنين العاديين، من خلال تتبع الصفقات الكبيرة التي تتجاوز 50 ألف دولار، دون التأثير في المعاملات الصغيرة.

وأشار إلى إمكانية فرض غرامات مالية صارمة بحق من يثبت تورطه في التلاعب المنظم بسعر الصرف، بالتوازي مع إنشاء نظام إلكتروني بين شركات الصرافة المرخصة يتيح إظهار العروض والطلبات بشكل فوري وشفاف.

آثار وحلول

يرى محيي الدين أن سياسة “حبس السيولة” قد تترك آثاراً سلبية على المدى المتوسط والطويل إذا استمرت لفترات طويلة، من أبرزها إضعاف النشاط الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية، والحد من التمويل والإنتاج.

وأفاد بأن استمرار هذه السياسة قد يدفع جزءاً من النشاط الاقتصادي نحو الأسواق غير المنظمة أو وسائل تبادل بديلة خارج النظام المصرفي، الأمر الذي قد يضعف فعالية السياسة النقدية ذاتها.

وأشار إلى أن استقرار سعر الصرف لا يتحقق فقط من خلال تقييد السيولة، بل يتطلب أيضاً بناء الثقة بالاقتصاد الوطني والعملة المحلية، إلى جانب تحفيز الإنتاج والاستثمار.

في المقابل، يرى عبد الرحمن محمد أن البديل الجوهري لسياسة حبس السيولة يتمثل في إدارة السيولة عبر أدوات السوق المفتوحة وإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي، وذلك من خلال حزمة من الإجراءات تبدأ بإنهاء سياسة تعدد أسعار الصرف وتوحيدها تدريجياً ضمن آلية مرنة ومدارة.

وأوضح أن هذه الآلية تقوم على إعلان المصرف المركزي سعراً استرشادياً يومياً، مع السماح للمصارف والمتعاملين بالتداول ضمن هامش محدد يتراوح بين 5 و10 بالمئة حول هذا السعر.

كما دعا إلى رفع القيود المفروضة على السحوبات والتحويلات الجارية بشكل تدريجي ومنضبط، بما يضمن حق المودعين في الوصول إلى أموالهم متى أرادوا، بما في ذلك الودائع بالعملات الأجنبية.

وأضاف أنه يمكن تحويل جزء من السيولة المحبوسة إلى سندات خزينة طويلة الأجل قابلة للتداول، بما يخفف الضغوط النقدية دون تعطيل النشاط الاقتصادي.

ولفت محمد إلى أهمية إعادة تفعيل اتفاقيات مبادلة العملات مع بنوك مركزية في دول صديقة، بهدف تعزيز الاحتياطيات من العملات الأجنبية، بدلاً من اللجوء إلى طباعة العملة المحلية لشراء الدولار من السوق.

وقال إن إنقاذ ما تبقى من قيمة الليرة السورية وإعادة بناء نظام نقدي فاعل لا يتحقق عبر حبس السيولة، وإنما من خلال تحرير تدريجي ومدروس يخضع لقواعد واضحة ويترافق مع إصلاحات هيكلية تعيد الثقة بالعملة الوطنية.

واعتبر أن سياسة حبس السيولة تمثل، في واقع الاقتصاد السوري، “علاجاً قاسياً لاقتصاد يعاني أساساً من ضعف الاحتياطيات وتراجع الإنتاج”.

من جهته، يرى محيي الدين أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية، في مقدمتها إعادة هيكلة القطاعين المصرفي والمالي وتعزيز الثقة بهما.

وأكد أهمية توفير أدوات ادخارية واستثمارية جاذبة بالليرة السورية، تشجع الأفراد والشركات على الادخار والاستثمار بالعملة المحلية، مثل شهادات الإيداع والمنتجات الادخارية التي تقدم عوائد حقيقية مناسبة.

وختم بالقول: “قد تكون السياسات التقييدية ضرورية في بعض المراحل، إلا أن نجاحها الحقيقي يرتبط بقدرتها على تمهيد الطريق نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وثقة، لا أن تتحول إلى حالة دائمة تعيق النشاط الاقتصادي والتنمية”.

عمر علاء الدين

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار