المجال الجوي السوري حلقة وصل بين شبكات الملاحة الإقليمية والدولية

زمن القراءة: 14 دقائق

لا تتوقف أهمية موقع سوريا الجغرافي على كونه ممرا حيويا للطاقة والتجارة الدولية فحسب، بل تمتد إلى قطاع استراتيجي آخر يتمثل في الملاحة الجوية، حيث تعد سوريا من أكثر المواقع حساسية في الشرق الأوسط، لأنها تقع عند نقطة وصل بين أوروبا وآسيا والخليج العربي وشمال إفريقيا، ما يمنحها موقعاً فريداً على خريطة النقل الجوي بين القارات والمناطق الاقتصادية الكبرى.

ويعد المجال الجوي السوري أحد المسارات الأقصر والأكثر كفاءة للرحلات بين دول الخليج العربي والدول الأوروبية، وبين أجزاء من آسيا وشمال إفريقيا، إذ تفضل شركات الطيران هذا المسار لتقليل زمن الرحلات وخفض استهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية، ناهيك عن قربه من ممرات جوية رئيسية.

وبرزت أهمية الملاحة في الأجواء السورية خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد العمليات العسكرية على إيران وتوقف مجالها الجوي، حيث ما يزال المسار الجوي التقليدي بين الدول الأوروبية وآسيا، الذي يمر فوق إيران، يشهد إغلاقات وتغييرات بسبب التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما يبقي استخدام هذا المسار محدوداً، بينما تعمل الهيئة العامة للطيران المدني السوري على تعزيز الربط الجوي وعبور الأجواء، إلى جانب تطوير أنظمة إدارة الحركة الجوية.

مزايا لوجستية

يوفر موقع سوريا مزايا لوجستية متعددة، إذ يشكل حلقة وصل بين شبكات الملاحة الجوية الإقليمية والدولية، نظرا لقربه من ممرات جوية رئيسية تجعله جزءاً مهماً من منظومة الحركة الجوية في الشرق الأوسط، التي تعد من أكثر مناطق العالم نشاطا في مجال الطيران المدني. وانعكس الموقع الاستراتيجي على حركة الطيران خلال العقود الماضية، وكان يشهد عبور أعداد كبيرة من الرحلات الدولية، قبل أن تتراجع تدريجيا خلال سنوات الثورة السورية.

من المنافذ البرية إلى البحرية. المجال الجوي السوري حلقة وصل بين شبكات الملاحة الإقليمية والدولية 2 المجال الجوي السوري حلقة وصل بين شبكات الملاحة الإقليمية والدولية

ويتيح الموقع الجغرافي مرور الرحلات الجوية في مسارات مباشرة نسبيا، في ظل وجود مسارات جوية متعددة عبر الأجواء السورية، ما يمنح شركات الطيران ومراكز المراقبة الجوية خيارات إضافية لتوزيع الحركة وتجنب الازدحام في بعض الممرات الجوية، كما تشكل الأجواء السورية عقدة وصل مهمة بين مطارات ومحاور جوية رئيسية في الخليج العربي وتركيا وأوروبا وشرق المتوسط، وهذا يعزز انسيابية الحركة الجوية بين الأسواق المختلفة.

كما أن استخدام المجال الجوي السوري يمكن أن يختصر مسافات الطيران بين عدد من الوجهات الإقليمية والدولية ويقلل زمن الرحلات، ما ينعكس إيجاباً على كفاءة التشغيل والجداول الزمنية لشركات الطيران، إضافة إلى خفض فاتورة الوقود وتكاليف الصيانة المرتبطة بساعات الطيران الطويلة، والتي تعد من أكبر بنود الإنفاق لدى الشركات، ناهيك عن دعم قطاعات السياحة والخدمات الجوية والتجارة العابرة، لكن تحقيق هذه المكاسب يظل مرتبطا بضمان الأمان الملاحي الكامل، وتوفير بنية تحتية متقدمة، وإدارة جوية احترافية، تتماشى مع المعايير التي تضعها منظمة الطيران المدني الدولي.

عودة الملاحة الجوية تدريجياً

بدأت حركة مرور الطائرات تعود إلى الأجواء السورية تدريجيا بعد الإطاحة بالنظام المخلوع وعودة الاستقرار إلى البلاد، الأمر الذي يحمل أهمية اقتصادية من خلال العوائد المالية من رسوم العبور والخدمات الملاحية، إضافة إلى الخدمات اللوجستية المرتبطة بالطيران.

سجلت سوريا نحو 12 ألف رحلة جوية عابرة عبر مجالها الجوي خلال شهر أيار الماضي، في زيادة لافتة مدفوعة بتحويل شركات الطيران مساراتها لتجنب أجواء مناطق متأثرة بالصراع في الشرق الأوسط.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للطيران المدني السوري، اليوم الثلاثاء 2 حزيران، عبور 11801 رحلة، أي أكثر من ضعفي العدد المسجل في شباط، والبالغ 4267 رحلة، وهو الشهر الأخير قبل أن تؤثر الحرب الإيرانية في حركة الطيران في المنطقة. كما ارتفعت حركة العبور بنسبة تقارب 375 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

ويأتي هذا التحول بعد إعادة فتح المجال الجوي السوري في نيسان عقب وقف إطلاق النار، بعدما ظل محظوراً طوال 14 عاماً من الحرب التي انتهت بالإطاحة بالرئيس المخلوع أواخر عام 2024.

وبحسب حسابات “رويترز”، فإن الرسوم الجديدة التي فرضتها الحكومة السورية مطلع العام الجاري، والبالغة 499 دولارا لكل رحلة، أسهمت في تحقيق عوائد تقدر بنحو 5.9 ملايين دولار خلال أيار.

ووفق بيانات الهيئة العامة للطيران المدني السوري، ارتفع عدد الطائرات العابرة للأجواء السورية خلال العام الحالي 2026، ووصل إلى 5244 رحلة في كانون الثاني، و4267 في شباط، في حين انخفض في آذار بسبب إغلاق المجال الجوي في ظل التوترات الإقليمية، ومع إعادة فتح المجال الجوي واستئناف العمليات الطبيعية نسبياً في نيسان، أعلنت الهيئة مرور 2523 طائرة، مشيرة إلى تحسن حركة العبور وعودة عدد متزايد من شركات الطيران لاستخدام المسارات السورية تدريجيا خلال أيار الماضي.

وخلال التوترات الإقليمية في آذار الماضي، أعلنت هيئة الطيران المدني إعادة فتح ممر جوي أعيد تفعيله حديثاً من مدينة حلب باتجاه البحر الأبيض المتوسط، لاستخدامه من قبل شركات الطيران الأجنبية وكذلك شركة الطيران السورية، ما ساهم في بقاء حركة الطيران فعالة بالحدود الدنيا، في حين كانت حركة الطيران التجاري غائبة إلى حد كبير في معظم أنحاء الشرق الأوسط، حيث أغلقت المحاور الرئيسية في الخليج العربي، بفعل استهداف إيران الدول الخليجية بطائرات من دون طيار.

وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري إعادة فتح جميع الممرات الجوية التي كانت مغلقة سابقاً، واستئناف الحركة الجوية عبر الأجواء السورية في الثامن من نيسان الماضي، بعد إغلاقها في 28 شباط الماضي على خلفية الحرب على إيران، حرصا على الالتزام بأعلى معايير السلامة وأمن الطيران المدني.

تزايد الاعتماد على المسارات السورية

قال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، عمر الحصري، في الأول من أيار الماضي، إن المطارات والأجواء السورية تشهد عودة تدريجية لعدد من شركات الطيران الإقليمية والدولية، في إطار تعافي قطاع الطيران المدني وتعزيز الربط الجوي وعبور الأجواء.

وأشار إلى أن عدد شركات الطيران التي استأنفت عملياتها من وإلى مطاري دمشق وحلب الدوليين بلغ 12 شركة، بالتوازي مع تحسن ملحوظ في حركة العبور عبر الأجواء السورية، ما يعكس تطور مستوى التشغيل وتزايد الاعتماد على المسارات الجوية السورية، موضحا أن استئناف الرحلات إلى مطار دمشق الدولي تم من قبل الخطوط الجوية السورية، وفلاي دبي، وفلاي شام، والملكية الأردنية، وطيران دان، والعربية للطيران، وفلاي ناس، والخطوط الجوية القطرية، والخطوط الجوية التركية، وطيران الجزيرة، و”AJet”.

وإلى مطار حلب الدولي، استؤنفت الرحلات من قبل الخطوط الجوية السورية، وفلاي شام، والملكية الأردنية، وطيران دان، والخطوط الجوية التركية، و”AJet”. وجاء ذلك، وفق الحصري، نتيجة العمل المستمر على رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز منظومة الملاحة الجوية، وتطبيق معايير السلامة المعتمدة، بما يدعم استقرار العمليات الجوية وتوسعها خلال المرحلة المقبلة.

وينصب التركيز حالياً على استئناف التشغيل من وإلى أوروبا، حيث تعمل الهيئة بشكل مباشر مع المنظمات الدولية المعنية بسلامة الطيران لإعادة تقييم المطارات السورية، تمهيدا لعودة هذا المسار الحيوي ضمن أعلى معايير السلامة والامتثال، بحسب رئيس هيئة الطيران المدني.

ففي شهر أيار الماضي، أجرى الحصري لقاء مع القائم بأعمال السفارة النمساوية في دمشق، السيد كريستوف ويدينغير، لبحث عدد من القضايا المتعلقة بقطاع الطيران المدني وسبل تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين. وناقش الطرفان آفاق تطوير العلاقات الثنائية في مجالات النقل الجوي، وبحث تحديث وتوقيع اتفاقية النقل الجوي الثنائية بين البلدين، بما يفتح المجال أمام إعادة تشغيل الرحلات الجوية بين الجمهورية العربية السورية وجمهورية النمسا.

ووفق بيان الهيئة العامة للطيران المدني، تناول الاجتماع سبل تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات بما يسهم في دعم وتطوير قطاع الطيران المدني، وذلك بحضور الأستاذ سامح عرابي، معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي.

ووقعت سوريا وألمانيا اتفاقية تعاون في مجال النقل الجوي في نيسان الماضي، في خطوة تهدف إلى تطوير قطاع الطيران المدني وتعزيز التعاون الثنائي بما يخدم المصالح المشتركة، إذ أكد الحصري أن هذه الاتفاقية تمثل تقدما مهما في مسار تحديث القطاع، مشددا على أن الطيران المدني يحظى بأولوية استراتيجية في المرحلة الحالية، لدوره الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز ارتباط سوريا بمحيطها الإقليمي والدولي.

وأضاف أن خطط التطوير تركز على تحديث البنية التحتية للمطارات، وتطوير الأسطول الجوي، ورفع جودة الخدمات بما يتوافق مع المعايير الدولية، مبينا أن تطوير القطاع يتطلب أيضا بناء شراكات مستدامة مع الدول والشركات الرائدة، ومؤكدا انفتاح سوريا على توسيع التعاون في مجالات الاستثمار ونقل التكنولوجيا والتدريب.

وفي شباط الماضي، وقعت اتفاقية ثنائية محدثة لتنظيم الخدمات الجوية بين سوريا والأردن بالأحرف الأولى، والتي تأتي بديلا للاتفاقية السابقة الموقعة في دمشق عام 1976. وتهدف الاتفاقية الجديدة إلى مواكبة التطورات العالمية في قطاع النقل الجوي عبر تأكيد اعتماد سياسة الأجواء المفتوحة لتعزيز التنافسية وتوفير خيارات أوسع للمسافرين، والسماح لعدد أكبر من مؤسسات النقل الجوي بالعمل بين البلدين، إلى جانب إضافة مادة قانونية تنظم ترتيبات الرمز المشترك لتوسيع شبكات الربط الجوي.

وتعمل هيئة الطيران على خطة تدريجية تشمل إعادة تموضع سوريا كمركز محوري في حركة الطيران الإقليمي والدولي، من خلال استثمار الموقع الجغرافي للبلاد، وفتح المجال أمام شركات طيران محلية جديدة، وتعزيز التعاون مع شركاء إقليميين ودوليين. ويجري العمل حاليا على تطوير مطاري القامشلي ودير الزور لإعادة تشغيلهما، وفقا لاحتياجات المناطق الشرقية وخصوصيات كل موقع، بينما تتواصل أعمال بناء صالة جديدة في مطار دمشق الدولي.

بنية سيادية منتجة

وفق المتخصص في إدارة وتخطيط وتأمين حركة الطائرات، إبراهيم الخليفي، فإن الجغرافيا السورية، منذ مطلع عام 2025، تستعيد دلالتها الوظيفية ضمن شبكة إقليمية مضطربة تعيد قراءة الحيز المكاني من منظور القدرة على تأمين العبور، وخفض التكاليف، وربط الأسواق العالمية، يتجاوز هذا التحول فكرة الحدود التقليدية ليشمل إعادة توزيع الحركة بين الممرات الآمنة وتلك المثقلة بالتعقيدات السياسية والعسكرية. تكتسب عودة الرحلات الجوية إلى مطاري دمشق وحلب أهمية تتخطى النطاق الملاحي الضيق، لتصبح مؤشراً جوهرياً على انتقال سوريا من وضعية الجغرافيا المعطلة إلى وضعية الجغرافيا المنتجة اقتصادياً وملاحياً، يأتي هذا التطور في توقيت تشهد فيه الطرق الجوية التقليدية بين أوروبا وآسيا تعثراً ملحوظاً تحت وطأة النزاع في أوكرانيا، والتصعيد المستمر في الشرق الأوسط، وإغلاق مجالات جوية كانت تمثل لمدد طويلة شرايين حيوية للطيران الدولي.

وبحسب تصريح الخليفي لصحيفة “الثورة السورية”، فإن التحول الجوهري يتمثل في تنامي عدد الشركات التي اتخذت قرار العودة إلى السوق السورية، فاستئناف شركات كبرى مثل الخطوط الجوية التركية، والقطرية، والملكية الأردنية، وفلاي دبي، والعربية للطيران، وفلاي ناس، وطيران الجزيرة لرحلاتها، يعني خروج دمشق وحلب تدريجياً من حالة العزلة التشغيلية نحو مساحة اختبار إقليمية مدروسة. 

إن إعادة تفعيل الممر الجوي بين حلب والبحر المتوسط، وفتح المسارات الشمالية باتجاه تركيا بعد إتمام المراجعات الفنية، حول المجال الجوي في هذا السياق إلى بنية سيادية منتجة، تبتعد عن كونها فراغاً فوق الدولة لتصبح مورداً مالياً وسياسياً يعتمد على القدرة على إدارة السماء وتقديم معلومات ملاحة موثوقة وضمان الفصل بين الأنشطة المدنية والعسكرية. تبرز أهمية هذه الخطوة في ظل البحث الإقليمي عن مسارات أقل ازدحاماً وتعرضاً للمخاطر، خاصة مع تقلص الخيارات المتاحة للرحلات الطويلة العابرة للقارات.

ركزت تحليلات الطيران المدني منذ كانون الثاني 2025 على التداعيات الناتجة عن إغلاق الأجواء الروسية والأوكرانية، وما ترتب عليها من إطالة أمد الرحلات وزيادة استهلاك الوقود وارتفاع التكاليف التشغيلية، وضمن هذه المعطيات، حققت سوريا مكاسب ناتجة عن اضطراب المسارات الإقليمية البديلة. 

تتخطى القيمة السياسية لهذا التحول حدود الرسوم والعوائد المادية المباشرة، إذ يمثل فتح الممرات الجوية وعودة الشركات الإقليمية اختباراً لثقة أطراف متعددة، تشمل شركات التأمين، وسلطات الطيران المدني، والمسافرين، والحكومات التي تسمح لناقليها بالعمل. تُبنى هذه الثقة عبر تراكم النتائج المتمثلة في انتظام الجداول، وسلامة التشغيل، ووضوح الإجراءات المتبعة، وقدرة المطارات على تقديم خدمات أرضية مستقرة تشمل الصيانة والمناولة والأمن. تساهم كل رحلة ناجحة في بناء صورة إيجابية مستقرة، بينما يؤدي أي خلل إلى إعادة إنتاج الشكوك حول القدرة على إدارة واحدة من أكثر البنى التحتية حساسية في العصر الحديث.

وتعد المطارات والمجال الجوي السوري جزءاً من رؤية أوسع لإعادة التموضع الإقليمي في مرحلة ما بعد التغيير السياسي. إن الدولة التي تربط شرق المتوسط بتركيا والخليج والعراق والأردن تستعيد دورها من خلال تحويل العبور إلى وظيفة اقتصادية منتظمة ومستدامة. يتطلب ذلك استثمارات جادة في أنظمة الرادارات والملاحة، وتدريب الكوادر البشرية، وتطوير التشريعات والاتفاقيات الفنية، وربط المطارات بمناطق الإنتاج والخدمات لضمان اندماج الحركة الجوية في صلب الاقتصاد الحقيقي.

إن جذب الخطوط الإقليمية في لحظة تعثر الممرات التقليدية بين أوروبا وآسيا يشير إلى بدء استعادة سوريا لوظيفة كانت معطلة لسنوات. وتحول الموقع من كونه عبئاً أمنياً إلى فرصة ملاحية واقتصادية مشروطة بتوفر معايير السلامة والثقة والإدارة الرشيدة، يمثل نجاح الدولة في تحويل هذه الحركة المتزايدة إلى منظومة مستقرة مؤشراً قوياً على عودة البلاد إلى خرائط التأثير الاقتصادي الإقليمي، بما يتجاوز مجرد عودة الطائرات إلى مدارج المطارات.

أغيد أبو زايد
المصدر: الثورة السورية
آخر الأخبار