التغويز.. تقنية مرنة لإمدادات الطاقة ودعوة للاستعداد التقني المبكر

زمن القراءة: 4 دقائق

في ظل التحولات المتسارعة في قطاع الطاقة عالمياً، يبرز اعتماد تقنيات التغويز كخيار استراتيجي مرن لتحويل الغاز المسال المنقول بحراً إلى طاقة قابلة للاستخدام في توليد الكهرباء وتشغيل الصناعات. ومع تزايد الحاجة إلى مصادر طاقة أكثر استقراراً ومرونة في سوريا مستقبلاً، يؤكد خبراء النفط والغاز أهمية الاستعداد المبكر لهذه التقنيات، ليس فقط عبر تطوير البنية التحتية، بل أيضاً من خلال تأهيل كوادر وطنية قادرة على تشغيلها بكفاءة وأمان.

ويرى الخبير في قطاع النفط والغاز، المهندس موفق فتال، أنه في عالم الطاقة الحديث لم يعد توفر الغاز الطبيعي داخل حدود الدولة شرطاً أساسياً للحصول عليه أو الاستفادة منه، إذ سمحت تقنيات إسالة الغاز الطبيعي (LNG) ونقله بحراً، ثم إعادة تغويزه عند الوصول، بظهور منظومة عالمية تجعل الغاز ينتقل بين القارات كما تنتقل البضائع.

كيف تتم هذه العملية؟

يبين فتال أن المرحلة الأولى لاستخراج الغاز الطبيعي ومعالجته تبدأ من حقول الغاز، إذ يُنتج الغاز الطبيعي غالباً ممزوجاً بالماء أو الشوائب أو مكونات أخرى، وعليه يخضع أولاً لعمليات معالجة وتنقية لإزالة المياه والكبريت وثاني أكسيد الكربون وغيرها.

في حين أن المرحلة الثانية، وهي إسالة الغاز (Liquefaction). ويقول فتال: بعد المعالجة، يُبرَّد الغاز تدريجياً حتى نحو 162 درجة مئوية تحت الصفر، فيتحول من الحالة الغازية إلى الحالة السائلة، وهنا تحدث النقلة الكبيرة، إذ ينخفض حجم الغاز إلى نحو 1/600 من حجمه الأصلي، ما يتيح نقل كميات كبيرة منه في سفينة واحدة، ولهذا أصبحت تجارة الغاز المسال واحدة من أهم أسواق الطاقة العالمية.

أما المرحلة الثالثة، النقل البحري، فيتطرق إليها فتال بالقول: يُنقل الغاز المسال بواسطة سفن خاصة مزودة بخزانات معزولة حرارياً للحفاظ على درجات الحرارة المنخفضة جداً، وهذه السفن تتحرك بين الدول المنتجة والدول المستوردة، مثل انتقال الغاز من الخليج أو الولايات المتحدة أو قطر إلى أوروبا وآسيا وغيرها.

وأخيراً، المرحلة الرابعة تتعلق بإعادة التغويز (Regasification)، أي عند وصول الغاز المسال إلى بلد الاستهلاك تبدأ عملية معاكسة تُسمى إعادة التغويز، وفي هذه المرحلة يتم تسخين الغاز المسال تدريجياً ليعود إلى حالته الغازية الطبيعية، ثم يُضخ عبر الأنابيب إلى محطات توليد الكهرباء والمصانع والمنشآت الصناعية وشبكات الغاز المنزلية والصناعات البتروكيميائية.

ما منشآت إعادة التغويز؟

يقول خبير النفط والغاز فتال: قد تكون محطات برية ثابتة على الساحل أو وحدات عائمة لإعادة التغويز والتخزين (FSRU)، موضحاً أن الأخيرة أصبحت خياراً سريعاً ومفضلاً للعديد من الدول لأنها أقل تكلفة وأسرع تنفيذاً مقارنة بالمحطات البرية التقليدية.

والسؤال المهم: لماذا أصبح الغاز المسال مهماً عالمياً؟

ويجيب فتال بأنه يمنح الدول مرونة في مصادر الطاقة ويقلل الاعتماد على خطوط الأنابيب الطويلة، كما يتيح سرعة في تأمين احتياجات الكهرباء وقدرة أكبر على مواجهة الأزمات الجيوسياسية، وقد ظهر ذلك بوضوح، كما يشير فتال، بعد أزمة الطاقة العالمية الأخيرة، إذ اتجهت عدة دول إلى إنشاء محطات استقبال وإعادة تغويز خلال فترات قصيرة.

أما لجهة ما يعنيه ذلك لسوريا، فيقول فتال: في حال التوجه مستقبلاً نحو استيراد الغاز الطبيعي المسال لتشغيل محطات الكهرباء أو دعم الصناعة، فإن الحاجة لن تقتصر على البنية التحتية فقط، بل ستشمل أيضاً كوادر تشغيل لمحطات الاستقبال وإعادة التغويز، واختصاصيي سلامة وصحة مهنية (HSE)، وفنيي صيانة ميكانيكية وكهربائية وأجهزة تحكم، ومشغلي عمليات (Operations)، ومختصي مراقبة وتحكم وأنظمة تشغيل.

وهنا يؤكد أن أهمية بناء كوادر وطنية جاهزة عملياً تبرز قبل دخول هذه التقنيات إلى مرحلة التشغيل، فـالاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في المعدات والمنشآت، بل أيضاً في الإنسان القادر على تشغيلها بأمان وكفاءة.

ويختم فتال حديثه قائلاً: “قد تبدو رحلة الغاز من الحقل إلى محطة الكهرباء طويلة ومعقدة، لكنها في الحقيقة سلسلة مترابطة تبدأ بالإنتاج، تمر بالإسالة والنقل البحري، ثم تنتهي بإعادة التغويز لتتحول إلى كهرباء وإنارة وصناعة وحياة يومية”، ويضيف: “في عالم اليوم، أصبحت القدرة على إدارة هذه السلسلة بكفاءة جزءاً من أمن الطاقة الوطني لأي دولة”.

عبد الحميد غانم

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار