ذكاؤك لا يحدد مصيرك في سوق الأسهم

زمن القراءة: 8 دقائق

“العبقرية 1% للموهبة و99% للمجهود”، هكذا وصف “توماس أديسون” ضرورة بذل الجهد، وليس الاعتماد على الذكاء الفطري المرتفع لتحقيق النجاح.

ويتفق المستثمر الشهير “وارين بافيت” مع “أديسون” في تقديره، حيث قال في محاضرة جامعية: “لا أرى الآي كيو (IQ) الخاص بي مرتفعاً إلى هذا الحد”، وذلك رداً على سؤال عما إذا كان يرى نفسه عبقرياً فائق الذكاء.

فـ”بافيت” يرى أن “الذكاء المتوسط كافٍ تماماً للنجاح في السوق، لكن النجاح الكاسح والاستثنائي قد يتطلب درجة فوق 130”. كما لخص فلسفته بجملة شهيرة: “الاستثمار ليس علم صواريخ، ولا تحتاج فيه لأن تكون أذكى من الجميع”.

“فشل” العباقرة

هذا التصريح الصريح يفتح الباب أمام معضلة حقيقية في عالم المال: إذا كان الذكاء الفائق (الذي يمتلكه 2% فقط من البشر وفقاً لترتيب درجات الآي كيو) ليس شرطاً حتمياً للثراء، فلماذا نشهد مراراً وتكراراً سقوط عباقرة الرياضيات والأكاديميين في فخ الإفلاس في البورصة، بينما ينجح أشخاص بمعدلات ذكاء عادية في بناء ثروات كبيرة؟

فالافتراض الشائع بأن الأكثر ذكاءً هو الأكثر ربحاً في الاستثمار، هو افتراض تحطمه الأرقام والوقائع التاريخية؛ فـ”العبقرية” تمنح صاحبها قدرة هائلة على التحليل الرقمي وبناء النماذج المالية المعقدة، لكنها تمنحه أيضاً عدواً خفياً، وهو “الثقة المفرطة والعمى العاطفي”.

ولعل أحد أبرز الأمثلة التاريخية المذهلة على هذه المفارقة هو العالم الشهير “إسحاق نيوتن”، أحد أذكى العقول في تاريخ البشرية (بمعدل ذكاء تقديري يفوق 190).

ففي عام 1720، استثمر نيوتن في أسهم شركة “البحر الجنوبي “(South Sea Company)، وحقق أرباحاً جيدة في البداية، ولكنه بدافع الطمع ومراقبة الآخرين وهم يزدادون ثراءً، عاد وضخ كل ثروته تقريباً عند قمة المنحنى السعري.

وعندما انهارت الفقاعة، خسر نيوتن ما يعادل 20 ألف جنيه إسترليني، أي أكثر من 4-5 ملايين دولار بالقيمة الحالية للعملة، وأطلق مقولته التاريخية: “يمكنني حساب حركة الأجرام السماوية، لكنني لا أستطيع حساب جنون البشر”، أي أن ذكاء نيوتن الفلكي فشل تماماً أمام أبسط اختبار للذكاء العاطفي والانضباط النفسي.

وتكررت الأزمة نفسها مجدداً مع انهيار صندوق التحوط الشهير “لونج تيرم كابيتال مانجمنت” في نهاية التسعينيات.

فهذا الصندوق ضم في مجلس إدارته اثنين من علماء الاقتصاد الحاصلين على جائزة نوبل (ميرتون وشولز)، بجانب نخبة من أذكى العقول الاستثمارية في العالم (بمعدلات ذكاء تتجاوز 140).

وبنى هؤلاء العباقرة نماذج رياضية “مضادة للخطأ” للتنبؤ بحركة السندات، لكنهم أغفلوا تماماً السلوك البشري وعنصر المفاجأة غير المتوقعة (الذي تجسد لاحقاً في الأزمة المالية الروسية عام 1998).

وكانت النتيجة انهياراً بدد رأسمال الصندوق البالغ 4.6 مليار دولار في أشهر معدودة، مما يثبت مقولة المستثمر الشهير “تشارلي مونجر”: “الكثير من الأشخاص ذوي الذكاء المرتفع هم مستثمرون سيئون؛ لأنهم يعتقدون أنهم يعرفون أكثر مما يعرفونه بالفعل”.

الذكاء التقليدي أم نظيره العاطفي؟

الذكاء العاطفي في سوق الأسهم ليس رفاهية، بل هو الدرع الواقية ضد “الانحيازات السلوكية” التي تصيب العقل البشري أثناء الخوف والطمع، والشخص الذي يمتلك ذكاءً متوسطاً (بين 90 و109)، ولكنه يتمتع بانضباط عاطفي، سيتفوق دائماً على عبقري بمعدل ذكاء قياسي، لكنه ينهار نفسياً عند أول هبوط للسوق.

وتشير البيانات التاريخية إلى أن الأسواق لا تتحرك بالمنطق الرياضي بقدر ما تتحرك بـ”سيكولوجية الجماهير”، فوفقاً لتقرير مؤسسة “دالبار” للاستشارات المالية، فإن المستثمر العادي في صناديق الأسهم حقق عائداً سنوياً متوسطاً بلغ حوالي 6.4% على مدار ثلاثين عاماً، في حين أن مؤشر S&P 500 حقق عائداً متوسطاً قارب 10.1% خلال الفترة نفسها.

هذه الفجوة الضخمة (التي تقترب من 4%) لا تعود إلى نقص الذكاء في حساب الأرقام، بل إلى نقص “الذكاء العاطفي”؛ حيث يدفع الذعر المستثمرين إلى البيع عند القاع (تجنباً للخسارة)، والشراء عند القمة بفعل الطمع والخوف من فوات الفرصة  (FOMO)، وهو سلوك عاطفي بامتياز يعطل أي قدرة عقلية تحليلية.

وبالعودة إلى “بافيت”، نتذكر مقولته: “إن أهم مؤهل للمستثمر هو المنظور النفسي وليس الذكاء. أنت لا تحتاج إلى ذكاء خارق، أنت بحاجة إلى عقلية مستقرة لا تستمد متعتها من السير مع الحشود أو عكسها”.

مثالان متناقضان

وفي هذا الإطار، تبرز قصة “جون ميريويذر”، الذي كان يُعتبر متداول سندات استثنائياً في وول ستريت خلال الثمانينيات والتسعينيات، حيث حظي بعقلية تحليلية فائقة الذكاء، وقدرة رياضية فذة على رصد الفروقات السعرية الدقيقة والاستفادة منها وتحقيق أرباح خيالية لسنوات.

ولكن، على الجانب الآخر، كان “ميريويذر” يعاني من “عمى عاطفي” حاد، يتمثل في العناد الفكري المطلق والثقة الزائدة في نماذجه الحسابية، وعندما انقلبت الأسواق، لم يمتلك المرونة اللازمة للاعتراف بالخطأ والانسحاب مبكراً، بل استمر في مضاعفة مراهناته خاسراً، وهو ما أدى إلى تبخر مئات الملايين من ثروته وثروات عملائه.

في المقابل، نجد تجربة “والتر شلوس”، وهو مستثمر لم يذهب إلى الجامعة قط، ولم يمتلك أي مهارات رياضية متقدمة، وكان يُصنف نفسه دائماً بأنه شخص عادي الذكاء. وقد عمل “شلوس” بطريقة شديدة البساطة تعتمد على “أصول بنيامين جراهام” لاستثمار القيمة، واشترى أسهماً رخيصة و”مملة”، أي لا تشهد تقلبات كبيرة، والتزم بالصبر دون الالتفات إلى جنون السوق اليومي.

وكانت النتيجة أن حقق “شلوس” عائداً سنوياً مركباً بلغ حوالي 15.3% على مدار 47 عاماً، متفوقاً على السوق وعلى الكثير ممن يفوقونه ذكاءً، متسلحاً بذكائه العاطفي وقدرته على ضبط النفس.

وفي هذا السياق، يقول “بنيامين جراهام”: “إن العدو الرئيسي للمستثمر – وحتى ألد أعدائه – هو نفسه في الغالب”.

الذكاء والمتداولون

يمكننا تقسيم مستويات الذكاء البشري، وعلاقتها بنوعية المستثمرين داخل السوق، إلى أربع فئات رئيسية:

فئة الـ IQ

نمط السلوك الاستثماري في السوق

النتيجة المالية المتوقعة

أقل من 85

اندفاعي، يتبع التوصيات العشوائية و”التريندات” دون أدنى فهم مالي.

خسائر حادة ومتكررة بسبب غياب الرؤية.

85 إلى 115

(الذكاء المتوسط): ملتزم بالقواعد البسيطة، يميل للخطط طويلة الأجل إذا امتلك انضباطاً عاطفياً.

عوائد مستقرة تماثل متوسط السوق أو تفوقه قليلاً لكنها مستمرة مع الانضباط العاطفي وتحقق تراكمات كبيرة.

115 إلى 130

تحليل مكثف، محاولات مستمرة للتحايل على السوق وتوقع حركتها القادمة.

أداء متذبذب؛ الذكاء هنا قد يتحول إلى “فخ” بسبب الثقة الزائدة.

فوق 130

(العبقرية): قدرة على قنص الفرص النادرة وإعادة هيكلة الأصول  بشرط التحكم الكامل في الإحساس العالي بالذات والعناد.

نجاح كاسح واستثنائي (يمثله 2% فقط من محترفي السوق).

الشاهد من هذا التقسيم أن الفئة الثالثة (115-130) غالباً ما تكون الأكثر عرضة للخسائر الكبيرة مقارنة بالفئة الثانية (أصحاب الذكاء المتوسط)؛ لأن لديهم من الذكاء ما يكفي لبناء استراتيجية مستقلة، لكن ليس لديهم من التحكم النفسي ما يكفي للاعتراف بالخطأ عندما تتحرك الأسواق ضدهم.

وإذا كان الذكاء المتوسط كافياً، فماذا ينقص المستثمر العادي لينجح في الأسواق؟

والشاهد أن العباقرة يحاولون دوماً توسيع استثماراتهم في شتى المجالات، مثل التكنولوجيا الحيوية، والأسهم والسندات، والعملات المشفرة في آن واحد.

أما المستثمر الذكي عاطفياً، فلكي ينجح فلا بد أن ينتبه لمقولة عالم النفس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد “دانيال كانيمان”: “الأسواق المالية مصممة بطريقة تستغل كل نقاط الضعف السيكولوجية لدى البشر“.

ولذلك، فإن امتلاك قدرة كبيرة على السيطرة النفسية على الذات أهم بكثير من امتلاك “ذكاء أينشتاين“.

المصادر: أرقام- بيهيفريال سيكولوجي- نيويورك تايمز- ذا كونفرزيشن- فوربس- محاضرة لوارين بافيت.

آخر الأخبار