اقتصاد الشعر الفضي .. سباق عالمي لجذب مليارات كبار السن

زمن القراءة: 8 دقائق

شاب يجهز جواز سفر وشنطة ملابسه ليبدأ مرحلة جديدة من حياته عبر الهجرة إلى بلد يوفر له فرصاً أفضل، في المقابل يجلس رجل مسن تخطى الـ70 عامًا على كرسي هزّاز في حديقة منزله الصغير، يفكر كيف سيمضي ما تبقى من عمره في هدوء بعيدًا عن ضغوط الحياة.

صورة نمطية اعتاد الناس رؤيتها خلال الأجيال السابقة، لكن العالم يتغير على نحو أسرع مما نتوقع؛ ولم يعد التقاعد يحتفظ بشكله التقليدي حيث كان كبار السن يسعون لقضاء ما تبقى من أعمارهم بجوار عائلاتهم أو داخل مجتمعاتهم المعتادة.

وتحول الأمر إلى قرار اقتصادي وحياتي معقد، يعطي فيه المتقاعد أولوية لتكاليف المعيشة والضرائب والرعاية الصحية حتى لو اضطر إلى الهجرة إلى وطن جديد رغم كبر سنه ليقضي فيه سنواته الأخيرة براحة أكبر وتكلفة أقل.

ولم تعد الحكومات تتنافس اليوم فقط على جذب المصانع أو السياح أو الشركات متعددة الجنسيات، بل دخلت سباقًا جديدًا لاستقطاب المتقاعدين الأثرياء.

والدافع وراء هذا بسيط وواضح، وهو أن المتقاعدين يصلون حاملين ما تحتاجه اقتصادات كثيرة بشدة؛ دخلًا ثابتًا يأتي من الخارج، وإنفاقًا طويل الأجل، ولا يمثلون تهديدًا لسوق العمل المحلي.

فهم يستأجرون المنازل، ويشترون العقارات، وينفقون على الخدمات الصحية، ويضخون أموالًا في الاقتصاد بشكل دوري ومستمر.

 ومع تقدّم السكان في العمر داخل أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من آسيا، بدأ عدد متزايد منهم يطرح سؤالًا مختلفًا وهو أين أتقاعد بدلًا من متى أتقاعد؟

ليبدأ سباق عالمي هادئ يمتد من البرتغال إلى تايلاند، ومن المكسيك إلى ماليزيا، حيث أعادت دول كثيرة تصميم أنظمة الإقامة والضرائب والخدمات الصحية بهدف جذب المتقاعدين أصحاب الدخول المرتفعة.

صناعة بمليارات الدولارات

لعقود طويلة، كان التقاعد في الخارج يُنظر إليه باعتباره خيارًا فرديًا محدود الانتشار، يرتبط غالبًا بمدن ساحلية صغيرة في إسبانيا أو بمتقاعدين أمريكيين ينتقلون إلى المكسيك.

لكن هجرة المتقاعدين خلال السنوات الأخيرة، أصبحت أكثر تنظيمًا وربحية، فالدول باتت تروّج لنفسها من خلال برامج إقامة مصممة خصيصًا للمتقاعدين وأصحاب الدخل السلبي.

فبحسب تقرير التقاعد العالمي 2025، احتلت البرتغال المرتبة الأولى عالميًا كوجهة للتقاعد، بفضل برنامج تأشيرة “دي 7” المخصص لأصحاب الدخل الثابت، إضافة إلى انخفاض تكاليف المعيشة نسبيًا، والتمتع بجودة الرعاية الصحية، ومستويات الأمان المرتفعة.

كما عملت لشبونة على بناء منظومة جاذبة للمتقاعدين الباحثين عن إقامة طويلة الأجل داخل أوروبا حيث ساهمت برامج الإقامة والاستثمار المرتبطة بالهجرة في تحقيق أكثر من 7 مليارات دولار أمريكي للاقتصاد منذ عام 2012، بحسب تقارير اقتصادية.

وفي أمريكا اللاتينية، شهدت المكسيك تجربة مشابهة، خصوصًا مع المتقاعدين القادمين من الولايات المتحدة وكندا.

فمدن مثل سان ميجيل دي أليندي وليك تشابالا أصبحت تضم مجتمعات كبيرة من المتقاعدين الأجانب الباحثين عن تكاليف معيشة أقل ومناخ أكثر دفئًا وقرب جغرافي من الولايات المتحدة.

تلك العوامل دفعت مؤشر التقاعد العالمي لعام 2025 إلى تصنيف المكسيك كرابع أفضل وجهة للتقاعد عالميًا، بفضل انخفاض تكاليف المعيشة وجودة الرعاية الصحية بها.

أما في آسيا، فقد بدأت تايلاند وماليزيا بالتعامل مع التقاعد الدولي باعتباره قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا، وليس مجرد نشاط سياحي.

وتمكن برنامج الإقامة طويلة الأجل الذي أطلقته تايلاند عام 2022 من جذب آلاف المتقدمين خلال سنواته الأولى، بينهم نسبة كبيرة من المتقاعدين الأثرياء ليتحول برنامج “ماليزيا بيتي الثاني” إلى واحد من أشهر برامج الإقامة طويلة الأجل في جنوب شرق آسيا.

الرعاية الصحية أهم من الشواطئ

ورغم أن الطقس الدافئ وتكاليف المعيشة المنخفضة لا تزال عوامل مهمة، فإن المتقاعد الثري في العصر الحديث أصبح يبحث عن عوامل أكثر أهمية مثل الاستقرار وجودة الرعاية الصحية، والنظام الضريبي، والأمان.

ووفق دراسات دولية خاصة بالتقاعد، فإن الدول التي تصدرت تصنيفات التقاعد العالمي كانت غالبًا تلك التي نجحت في الجمع بين الرعاية الصحية الجيدة والاستقرار السياسي والقوانين الواضحة.

ولهذا لم تكن جاذبية البرتغال مرتبطة بالمناخ فقط، بل أيضًا بسهولة الوصول إلى الرعاية الصحية وإمكانية الحصول على إقامة دائمة أو حتى الجنسية لاحقًا.

كما استفادت دول مثل إسبانيا والنمسا واليونان من هذا الاتجاه، خصوصًا بين المتقاعدين الباحثين عن معايير صحية أوروبية واستقرار قانوني طويل الأجل.

وفي الوقت نفسه، دفعت تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة في الولايات المتحدة عددًا متزايدًا من الأمريكيين إلى التفكير في قضاء سنوات التقاعد خارج البلاد.

كما صنفت تقارير اقتصادية مدن مثل شيانج ماي وفوكيت في تايلاند ضمن أبرز وجهات التقاعد العالمية، ليس فقط بسبب انخفاض التكاليف، بل أيضًا بسبب جودة الخدمات الطبية.

في المقابل تسبب جذب المتقاعدين الأثرياء في عدة مشكلات على رأسها ارتفاع أسعار العقارات وتفاقم مشكلات القدرة على السكن بالنسبة للسكان المحليين.

وهو أمر عانت منه البرتغال، حيث تصاعدت الانتقادات المحلية بسبب تأثير المشترين الأجانب على أسعار العقارات في لشبونة وبورتو.

كما ظهرت نقاشات مشابهة في أجزاء من المكسيك وتايلاند، لذلك بدأت بعض الحكومات بتشديد شروط الإقامة أو التركيز بشكل أكبر على استقطاب المتقاعدين الأعلى دخلًا بدلًا من أصحاب الدخل المتوسط..

بمعنى آخر، لم تعد الدول تفتح أبوابها لكل المتقاعدين، بل أصبحت تختار نوعية المتقاعدين الذين ترغب باستقبالهم.

اتجاه آخذ في التصاعد.. وحكومات تتنافس

ربما يكون التحول الأهم أن التقاعد الدولي لم يعد مدفوعًا فقط بالرغبة في حياة أكثر راحة، بل أصبح بالنسبة لكثيرين وسيلة للحفاظ على المستوى المعيشي نفسه.

فبالنسبة لعدد متزايد من متقاعدي الطبقة المتوسطة في أوروبا وأمريكا الشمالية، لم يعد البقاء في بلدانهم الأصلية يضمن نمط الحياة الذي كانوا يتوقعونه قبل عقود.

فالأسعار المرتفعة، وتكاليف الرعاية الصحية، والتضخم، وارتفاع متوسط الأعمار، كلها أعادت تشكيل حسابات التقاعد.

ووفق دراسات خاصة بالانتقال والتقاعد نُشرت خلال 2025، فإن متقاعدًا ينفق نحو 4500 دولار أمريكي شهريًا في مدينة أمريكية متوسطة، قد يتمكن من العيش براحة أكبر بكثير في البرتغال أو تايلاند أو أجزاء من أمريكا اللاتينية بتكاليف أقل بكثير.

فالدول لم تعد تتنافس فقط على انخفاض تكاليف المعيشة، بل أيضًا على تسويق نمط الحياة.

فوجهات التقاعد باتت تسوق اليوم كما تسوق المنتجات الفاخرة، والترويج لها باعتبارها توفر شواطئ هادئة، ومدنًا مناسبة لنمط حياة أقل توترًا، إلى جانب المستشفيات الحديثة والخدمات المتميزة.

ومن المتوقع أن يتسارع هذا الاتجاه بصورة أكبر خلال العقد المقبل، خصوصًا مع استمرار شيخوخة السكان في أوروبا واليابان وكندا والولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، جعلت التكنولوجيا والعمل عن بُعد والتنقل العالمي فكرة الانتقال إلى دولة أخرى أقل تعقيدًا نفسيًا مما كانت عليه في الأجيال السابقة، بل إن معنى التقاعد نفسه بدأ يتغير.

وفي النهاية، قد لا تكون الدول الفائزة في هذا السباق هي الأرخص، بل ربما تكون ببساطة الدول القادرة على بيع شيء يهم المتقاعد وهو توفير إمكانية العيش في مستوى مناسب بلا قلق مالي.

المصادر: أرقام- رويترز- بلومبرج- صندوق النقد الدولي- البنك الدولي- تقرير التقاعد العالمي 2025- مؤشر التقاعد العالمي- يورو نيوز- سي إن بي سي- مجلس الاستثمار التايلاندي

آخر الأخبار