في ظل التوجه نحو مرحلة إعادة الإعمار وإعادة تشكيل ملامح “اقتصاد سوري جديد ومعافى”، يبرز الاقتصاد النقدي كأحد الأدوات الأساسية المطروحة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فعالية السياسات المالية والنقدية. وفي هذا السياق، يسلط خبراء الاقتصاد الضوء على أهمية هذا الفرع من الاقتصاد الكلي، ودوره في ضبط العلاقة بين النقود والنمو والتضخم والاستثمار، بما ينعكس على الواقع المعيشي ومستوى الدخل.
وتأتي هذه النقاشات في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مدى جاهزية البنية النقدية والمصرفية في سوريا لتطبيق أدوات حديثة قادرة على دعم التعافي الاقتصادي، في ظل الحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات القطاع النقدي وتطوير السياسات بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية.
يدرس الاقتصاد النقدي دور النقود في الاقتصاد وتأثيرها على المتغيرات الاقتصادية مثل التضخم وسعر الفائدة وسعر الصرف والنمو والبطالة، كما يهتم بكيفية إدارة المعروض النقدي والسياسات النقدية التي ينفذها البنك المركزي بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي ودعم النمو.
ويرى الخبير الاقتصادي ومدير عام غرفة تجارة دمشق الدكتور عامر خربوطلي، أحد المتخصصين في هذا المجال، أن الاقتصاد والنقد أصبحا “أمرين متلازمين” يشكلان معاً اختصاصاً شديد الأهمية للحياة والمعيشة والدخل والاستثمار.
ويؤكد خربوطلي لصحيفة “الثورة السورية” أن هذا الفرع من الاقتصاد الكلي يُعنى بدراسة النقود ووظائفها وأنظمتها، وتأثيرها على المتغيرات الحقيقية والنقدية، ويشمل ذلك محاور أساسية مثل:
- خلق النقود عبر البنوك التجارية ونظام الاحتياطي الجزئي.
- أدوات السياسة النقدية: أسعار الفائدة، الاحتياطي الإلزامي، وعمليات السوق المفتوحة.
- نظريات الطلب على النقود (فيشر، كامبريدج، بومول – توبين).
- انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاستثمار والاستهلاك والصادرات.
- العلاقة بين التضخم والبطالة عبر منحنى فيليبس.
- استراتيجيات السياسة النقدية كاستهداف التضخم وسعر الصرف وقاعدة تايلور.
- استقلالية البنك المركزي وأهميتها للتحكم بالتوقعات التضخمية.
- تطور النظم النقدية من معيار الذهب إلى بريتون وودز والنقود الرقمية.
لكن المفارقة التي يشير إليها خربوطلي تكمن في واقع الاقتصاد السوري، حيث “لم تنل تطبيقات الاقتصاد النقدي حظها بالشكل الكافي أبداً”، وكانت جل السياسات “خارجة عن السياق العام”، وفشلت في تحقيق أهداف الاقتصاد الكلي: كبح التضخم، استقرار سعر الصرف، تشجيع الادخار المحلي، وتوجيهه نحو الاستثمارات التي تُعتبر “محرك النمو الاقتصادي السوري”.
أسس علمية
يُعد الاقتصاد النقدي مديناً بالكثير لرواده الكبار: إيرفينغ فيشر، جون مينارد كينز، ميلتون فريدمان، وإدموند فيلبس، الذين أسسوا لنظريات غيرت مفهوم السياسات النقدية عالمياً.
أما اليوم، ومع الحديث عن “حركة جديدة لاقتصاد سوري جديد ومعافى”، يطرح خربوطلي سؤالاً محورياً: كيف يمكن تفعيل أدوات السياسة النقدية لتحقيق الأهداف الاقتصادية المتوخاة؟
ويرى أن الإجابة تتطلب أولاً إعادة بناء مؤسسات القطاع النقدي (البنك المركزي والجهاز المصرفي) على أسس علمية، مع استقلالية حقيقية للبنك المركزي، واعتماد استراتيجية واضحة لاستهداف التضخم، وإحياء دور الائتمان في تمويل الإنتاج بدلاً من الاستهلاك، والانخراط في التحولات العالمية النقدية الرقمية بحذر ووعي.
عبد الحميد غانم
المصدر: صحيفة الثورة
