العالم الاقتصادي- محمد النجم
أثار فيروس هانتا (من الفيروسات الخطيرة) اهتمام المؤسسات الصحية العالمية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تسجيل حالات متفرقة في عدد من دول العالم وظهور سلالات قادرة – في ظروف محدودة – على الانتقال بين البشر، وهو ينتمي إلى مجموعة من الفيروسات التي تنقلها القوارض، ويؤدي إلى أمراض خطيرة تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى، وقد تصل نسبة الوفيات في بعض الحالات إلى 50%، ما يجعله من الفيروسات ذات الخطورة العالية على الصحة العامة.
ويحمل الفيروس أنواع وسلالات عدة تختلف بحسب المنطقة الجغرافية، ففي الأمريكتين يسبب ما يُعرف بمتلازمة فيروس هانتا القلبية الرئوية، وهي حالة حادة تؤثر في الرئتين والقلب وتؤدي إلى صعوبة شديدة في التنفس وانخفاض ضغط الدم، أما في أوروبا وآسيا، فيرتبط الفيروس بالحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية، والتي تؤثر في الكلى والأوعية الدموية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن القوارض البرية -خصوصاً الفئران- تُعد الخزان الطبيعي للفيروس، حيث ينتقل إلى الإنسان من خلال استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو فضلات أو لعاب القوارض المصابة، كما يمكن أن ينتقل عبر ملامسة الأسطح الملوثة أو تناول طعام ملوث.
مناطق الانتشار
تنتشر إصابات فيروس هانتا في مناطق متعددة حول العالم، إلا أن العبء الأكبر يتركز في آسيا وأوروبا والأمريكيتين، وتسجل الصين وكوريا الجنوبية آلاف الحالات سنوياً، رغم تراجع معدلات الإصابة خلال العقود الأخيرة بفضل برامج المكافحة الصحية وتحسين أنظمة الرصد الوبائي، كما تم تسجيل حالات في الولايات المتحدة وكندا وعدد من دول أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين وتشيلي، حيث تنتشر سلالة “أنديز” المعروفة بإمكانية انتقالها المحدودة بين البشر عند وجود مخالطة وثيقة ومطولة. وتُقدّر التقارير الصحية عدد الإصابات السنوية عالمياً بعشرات الآلاف من الحالات.
خطورة على صحة الإنسان
تكمن خطورة فيروس هانتا في عدة عوامل، أبرزها ارتفاع معدل الوفيات وصعوبة التشخيص المبكر، إذ تتشابه أعراضه الأولية مع أعراض الإنفلونزا أو أمراض تنفسية أخرى، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات والغثيان، وبعد أيام قد تتطور الحالة بسرعة إلى فشل تنفسي حاد أو فشل كلوي، ما يتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً وعناية مركزة. كما لا يوجد حتى الآن علاج نوعي معتمد أو لقاح فعال ضد الفيروس، وتعتمد الرعاية الطبية بشكل أساسي على العلاج الداعم ومراقبة المضاعفات.
عوامل تساعد على انتشار الفيروس
يحذر الخبراء من أن التغيرات البيئية والمناخية تسهم في زيادة مخاطر انتشار فيروس هانتا، حيث تؤدي الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية إلى زيادة أعداد القوارض وانتقالها إلى المناطق السكنية، كما أن التوسع العمراني العشوائي وضعف أنظمة الصرف الصحي وتكدس النفايات في بعض المناطق يزيد من احتمالات انتقال العدوى، خصوصاً في المناطق الريفية والزراعية والمناطق الفقيرة التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية.
إجراءات عالمية
تبذل منظمة الصحة العالمية والمراكز الصحية الدولية جهوداً كبيرة للحد من انتشار فيروس هانتا، من خلال دعم أنظمة المراقبة الوبائية وتبادل المعلومات بين الدول وتعزيز قدرات المختبرات الطبية، وتشمل الإجراءات المتخذة أيضاً تتبع المخالطين، وعزل الحالات المشتبه بها، وتوفير معدات الحماية للعاملين الصحيين، إضافة إلى حملات التوعية العامة بشأن طرق الوقاية وأساليب التعامل الآمن مع القوارض والمناطق الملوثة.
كما تعمل العديد من الدول على تعزيز برامج مكافحة القوارض وتحسين البيئة الصحية، إلى جانب دعم الأبحاث العلمية لتطوير لقاحات وعلاجات فعالة ضد الفيروس.
تأثير اقتصادي
رغم أن فيروس هانتا لا يُعد واسع الانتشار مثل بعض الأوبئة العالمية الأخرى، فإن الخبراء يؤكدون أن أي تفشٍ واسع النطاق قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، خصوصاً في قطاعات الصحة والسياحة والسفر والتجارة، وتشمل الكلفة الاقتصادية نفقات الرعاية الصحية، وتكاليف الحجر الصحي، وتعطّل حركة النقل والسياحة، إضافة إلى خسائر الإنتاج في القطاعات الزراعية والصناعية، كما تدفع الحكومات مبالغ كبيرة لتعزيز أنظمة الطوارئ الصحية ومراقبة الأوبئة، وقد أثبتت التجارب العالمية مع الأوبئة أن الوقاية والاستعداد المبكر أقل تكلفة بكثير من مواجهة انتشار واسع للأمراض المعدية.
التوصيات للوقاية
يشدد الخبراء على ضرورة اتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية للحد من انتشار فيروس هانتا، ومن أبرزها:
- مكافحة القوارض ومنع دخولها إلى المنازل والمخازن.
- التخلص الآمن من النفايات وتنظيف البيئة المحيطة.
- تخزين الأغذية بطريقة صحية تمنع تلوثها.
- تهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها.
- ارتداء القفازات والكمامات عند التعامل مع أماكن قد تكون ملوثة بفضلات القوارض.
- غسل اليدين باستمرار بعد التنظيف أو التعامل مع الحيوانات.
- التوجه إلى المراكز الصحية فور ظهور أعراض تنفسية حادة بعد التعرض المحتمل للقوارض.
لاشك أن فيروس هانتا يمثل تحدياً صحياً عالمياً يتطلب تعاوناً دولياً مستمراً ويقظة دائمة من الحكومات والمؤسسات الصحية والمجتمعات، ورغم محدودية انتشاره مقارنة ببعض الفيروسات الأخرى، فإن خطورته العالية وارتفاع معدل الوفيات المرتبط به يجعلان من الضروري تعزيز أنظمة الرصد الصحي والاستثمار في البحث العلمي والتوعية المجتمعية، وتؤكد التجارب العالمية أن الاستعداد المبكر، والشفافية في تبادل المعلومات، والتعاون الدولي، تمثل عوامل أساسية للحيلولة دون تحول الفيروس إلى أزمة صحية عالمية تهدد الإنسان والاقتصاد على حد سواء.
