استكشاف النفط والغاز بين البر والبحر.. اختلافات تقنية وفرص واعدة

زمن القراءة: 7 دقائق

في ظل الاهتمام المتزايد عالمياً بأحواض شرق البحر المتوسط، تتجه الأنظار نحو مستقبل استكشافات النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، وما إذا كانت ستفتح مساراً جديداً في قطاع الطاقة.

ووقعت الشركة السورية للبترول مؤخراً مذكرات تفاهم مع شركات طاقة عالمية، بينها “شيفرون” و”توتال إنرجيز” و”قطر للطاقة” و”كونوكو فيليبس”، بهدف إطلاق مرحلة الاستكشاف البحري في المياه الإقليمية السورية، وتعزيز الاستثمار في قطاع النفط والغاز، وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي في مجال الطاقة.

وبينما تتقدم الخطوات تدريجياً نحو مشروعات الاستكشاف البحري، تبرز الحاجة إلى فهم الفروقات الجوهرية بينه وبين الاستكشاف البري، من حيث التكلفة والتقنيات ومستوى المخاطر والنتائج المتوقعة.

الاستكشاف البري

بحسب الشركة السورية للبترول، يُقصد بالاستكشاف البري عمليات البحث والتنقيب عن النفط والغاز في اليابسة، عبر الاعتماد على الدراسات الجيولوجية والمسوحات الزلزالية وحفر الآبار الاستكشافية.

وتُنفذ هذه العمليات في الحقول والمناطق البرية باستخدام الحفارات البرية وشبكات الطرق والبنى اللوجستية، ويُعد هذا النوع الأكثر انتشاراً عالمياً في صناعة النفط والغاز.

وتختلف مدة الاستكشاف والتنقيب البري بحسب طبيعة المنطقة وحجم المشروع، وتتراوح عادة بين سنة وخمس سنوات، تشمل الدراسات الجيولوجية والمسوحات الزلزالية وحفر الآبار وتقييم الجدوى والإنتاج.

وتشمل ميزات الاستكشاف البري سهولة الوصول إلى مواقع العمل، وانخفاض التكلفة التشغيلية مقارنة بالاستكشاف البحري، وسرعة أكبر في أعمال الحفر والصيانة، إضافة إلى مرونة أعلى في تنفيذ الأعمال اللوجستية والفنية.

في المقابل، يواجه الاستكشاف البري عدداً من التحديات، من بينها الظروف المناخية والبيئية القاسية في بعض المناطق، والحاجة إلى بنية تحتية وخطوط نقل متكاملة، وتأثير التضاريس الصعبة أو التوسع العمراني على عمليات التشغيل، إلى جانب ضرورة تطبيق معايير دقيقة للسلامة وحماية البيئة.

الاستكشاف البحري

يُعرف الاستكشاف البحري بأنه عمليات البحث عن النفط والغاز في قاع البحار والمياه الإقليمية، باستخدام تقنيات متطورة وسفن ومنصات متخصصة تعتمد على مسوحات زلزالية دقيقة للوصول إلى المكامن العميقة تحت سطح البحر.

وتُعد مشروعات الاستكشاف البحري أكثر تعقيداً من نظيرتها البرية، وقد تستغرق بين ثلاث وست سنوات أو أكثر، نتيجة الحاجة إلى دراسات بحرية متخصصة وتجهيزات تقنية متقدمة واختبارات فنية وبيئية معقدة.

ومن بين ميزات الاستكشاف البحري أنه يفتح آفاقاً جديدة لإنتاج الطاقة، كما يوفر احتياطيات ضخمة في بعض المناطق البحرية، ويعتمد على تقنيات حديثة ومتطورة في الحفر والإنتاج، فضلاً عن أنه يشهد توسعاً متزايداً عالمياً في ظل ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي.

أما تحديات الاستكشاف البحري فتشمل ارتفاع التكلفة التشغيلية والفنية، وتعقيد الأعمال في المياه العميقة، والحاجة إلى تجهيزات وتقنيات متطورة وكوادر عالية التأهيل، إضافة إلى ضرورة الالتزام بأعلى معايير السلامة والجاهزية الفنية والبيئية.

بيئتان مختلفتان

يوضح الخبير في قطاع الطاقة ونائب رئيس اللجنة المركزية لهندسة النفط والغاز في نقابة المهندسين السوريين، موفق فتال، أن الفرق بين الاستكشاف البري والبحري يتجاوز الموقع الجغرافي، ليشمل تقنيات التشغيل، وحجم الاستثمارات، ومستوى التعقيد الفني.

وبينما يُعد الاستكشاف البري أقل تكلفة وأكثر سهولة من حيث الوصول إلى مواقع الحفر ونقل المعدات، فإن نظيره البحري يتطلب سفن مسح زلزالي متطورة ومنصات حفر عملاقة تعمل في بيئة شديدة الحساسية للظروف الجوية والتيارات البحرية.

وأضاف فتال لصحيفة الثورة السورية أن سوريا اعتمدت تاريخياً على الحقول البرية، خصوصاً في مناطق الجزيرة، إلا أن الاهتمام العالمي المتزايد باكتشافات الغاز في شرق المتوسط يضع اليوم الاستكشاف البحري السوري على طاولة المفاوضات الاستراتيجية.

ويكشف فتال عن فجوة كبيرة في التكاليف بين النوعين، إذ يمكن أن تصل تكلفة حفر بئر بحرية واحدة إلى عشرات أو مئات الملايين من الدولارات، في مقابل تكاليف أقل بكثير للآبار البرية، ويتطلب العمل البحري تقنيات متقدمة، مثل المسح الزلزالي ثلاثي ورباعي الأبعاد، إضافة إلى كوادر مؤهلة في الجيولوجيا البحرية والهندسة البحرية وإدارة المخاطر البيئية.

لكن في المقابل، فإن العديد من أكبر اكتشافات الغاز الحديثة في العالم جاءت من المياه البحرية، ما يجعل المخاطرة المالية الكبيرة مقبولة في حال تحقق النجاح.

فرصة استكشافية لا ثروة مؤكدة

حول احتمالات وجود النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، يوضح فتال أن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا عبر المسوحات الزلزالية الحديثة وحفر آبار استكشافية فعلية، لكنه يبدي تفاؤلاً في الساحل السوري كونه يقع ضمن نطاق شرق المتوسط، وهو الحوض الذي شهد اكتشافات كبرى في الدول المجاورة، مثل حقل “أفروديت” القبرصي وحقل “ظهر” المصري.

ويشير الخبير إلى أن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية قدّرت في دراسة منشورة عام 2010 أن حوض المشرق يحتوي على موارد غير مكتشفة قابلة للاستخراج تقنياً بمتوسط 122 تريليون قدم مكعب من الغاز و1.7 مليار برميل من النفط، لكنه يحذر من أن هذه الأرقام تخص الحوض الإقليمي ككل ولا يمكن نسبتها إلى سوريا دون أدلة مؤكدة.

مؤشرات الاهتمام الدولي

يرى فتال أن اهتمام شركات كبرى، مثل “شيفرون” و”توتال إنرجيز” و “قطر للطاقة” و “كونوكو فيليبس” بالمياه السورية يمثل مؤشراً مهماً، إذ إن هذه الشركات لا تخوض مغامرات استكشافية في مناطق عالية التكلفة دون معطيات فنية أولية مشجعة.

وتنص مذكرة التفاهم التي وقعتها “السورية للبترول” مع هذه الشركات مؤخراً، على إجراء الدراسات الفنية اللازمة، ووضع برنامج العمل، وصياغة عقد الاستكشاف بما يمهد للانتقال إلى مراحل تنفيذية متقدمة في أعمال الاستكشاف البحري قبالة اللاذقية.

لكن فتال يؤكد أن نجاح أي توجه نحو الاستكشاف البحري يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وبيانات جيولوجية حديثة، وأطراً قانونية واضحة، وكوادر وطنية مؤهلة، ويشدّد على أهمية “الاستثمار المبكر في تأهيل وتطوير الكفاءات السورية في مجالات النفط والغاز البحرية، لأن بناء الإنسان والخبرة المحلية يجب أن يسير بالتوازي مع أي خطط لاستكشاف الثروات الطبيعية”.

ويضيف أن “البحر السوري قد يكون فرصة حقيقية وكبيرة، لكنه ما زال حتى الآن فرصة استكشافية وليس ثروة مؤكدة بالأرقام، التفاؤل مطلوب، لكن المبالغة بالأرقام قبل الحفر قد تضر أكثر مما تفيد”.

ويشير فتال إلى أن سوريا لن تستطيع تعويض خسائر السنوات الماضية خلال فترة محددة أو عبر رقم إنتاج محدد، فالطريق يحتاج إلى وقت واستثمار وخبرة وشركات كبرى وبيئة قانونية مستقرة، أي إن الاحتمال موجود، والفرصة واعدة، لكن الطريق ما زال طويلاً.

عبد الحميد غانم

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار