الخليج يعيد رسم جغرافيته الاقتصادية: خريطة جديدة للموانئ والممرات البرية

زمن القراءة: 7 دقائق

سبّبت الحرب الأميركية الإسرائيلية ـ الإيرانية وما رافقها من توتر غير مسبوق في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والتجارة في العالم، في إرباك واسع لحركة الشحن والطاقة في الخليج.

ومع تعطل جزء كبير من الملاحة عبر المضيق، وجدت دول الخليج نفسها أمام تحدٍّ استراتيجي يتعلق بضمان استمرار تدفق التجارة والصادرات النفطية، الأمر الذي دفعها إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة وممرات برية وبحرية جديدة تقلل الاعتماد على هرمز وتحدّ من تداعيات أي إغلاق محتمل مستقبلاً.
وفي خضم هذه التحولات، بدأت خريطة الموانئ والنقل الإقليمي تتغير بصورة متسارعة، مع صعود موانئ جديدة وتراجع أدوار مراكز بحرية تقليدية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع سكك حديدية وممرات لوجستية عابرة للحدود.

كما أعادت الأزمة إحياء مشاريع قديمة كانت تواجه تباطؤاً، خصوصاً في السعودية والإمارات وعُمان، في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى تحويل شبكات النقل والتجارة إلى أدوات نفوذ اقتصادي وجيوسياسي طويل الأمد.
ويأتي هذا بينما تشهد الخريطة اللوجستية في الخليج تحولاً جذرياً نحو تعزيز مرونة سلاسل الإمداد بعيداً عن مضائق الملاحة التقليدية المهددة بالتوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، ركز الاجتماع الاستثنائي الأخير لوزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون الخليجي يوم 26 آذار على تفعيل “بروتوكول الممرات الخضراء” والاستفادة القصوى من الموانئ البديلة، ولا سيما تلك المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر لتكون منصات انطلاق عالمية، ترافق ذلك مع قرارات رسمية استثنائية لتقييم جاهزية المنافذ البرية وتسهيل حركة الشحن البري العابر لمنع أي اختناقات في تدفق السلع الاستراتيجية.
وتضمنت توصيات اجتماع وزراء النقل والمواصلات تخصيص مسارات لوجستية ذات أولوية للبضائع والسلع الأساسية القادمة عبر الموانئ البديلة، مع تقليل إجراءات التفتيش العيني والتوسع في تطبيق حلول التدقيق المسبق باستخدام التقنيات الحديثة.

كما تم الاتفاق على تشكيل فريق عمل دائم يضم ممثلين من سلطات الموانئ والنقل البري والجمارك والأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، لمتابعة سير العمل في الخطة البديلة ومعالجة أي معوقات تشغيلية بشكل فوري.

وفي هذا السياق، ذكر المنسق العلمي لمرصد البحر المتوسط التابع لمعهد القديس بيوس الخامس للدراسات السياسية في روما، الأكاديمي فرنشيسكو أنغيلوني، أن الحرب تمثل، من بعض الجوانب، عاملاً مُسرِّعاً لعملياتٍ جاريةٍ بالفعل، جعلتها الأزمة الحالية ملحة.

وتابع أنغيلوني أن “دول الخليج تُعيد رسم جغرافيتها اللوجستية انطلاقاً من إدراك جديد، فمضيق هرمز ليس فقط ممراً بحرياً، بل هو نقطة ضعفٍ منهجية”، مضيفاً أنه “طالما بقيت المفاوضات الأميركية الإيرانية مُتعثرة، والخلافات حول الطاقة النووية والعقوبات وحرية الملاحة عميقة، فإن الحكومات الإقليمية ستتصرف كما لو كان هذا الضعف بنيوياً، لا اقتصادياً”.

وأوضح أن “ثمة محورين يتحولان، في هذا السياق، ليصبحا ذوي أهمية حيوية: الأول هو الفجيرة: الميناء الإماراتي الوحيد المُطل مباشرةً على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز، والذي يُعدّ مركزًا مُعتمدًا للتزود بالوقود وتخزين النفط”، مشيراً إلى أن “هذا الميناء يكتسب اليوم قيمة أكبر من المنظور السياسي، كونه ضماناً لمخرجٍ بديل، لكن هذا يجعله أيضًا هدفاً حساساً مُحتملاً، فالخطر لا يتلاشى، بل يتزحزح”.

ولفت أنغيلوني إلى أن “المحور الثاني يتمثل في البحر الأحمر: إذ يصبح ميناءا جدة وينبع السعوديان، إلى جانب خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل الذهب الأسود إلى الغرب من دون المرور بمضيق هرمز، ركائز أساسية لاستراتيجية تنويع اقتصادي تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا”.

وتابع أن “الممرات البرية والسكك الحديدية العابرة للدول العربية تتزايد، في الوقت ذاته، أهميتها، وهي شبكات تدمج المناطق الحرة ومطارات الشحن ومحطات الموانئ في منظومة متعددة الوسائط مصممة لتقليل الاعتماد على أي معبر أياً كان”.

وخلص إلى أن “تداعيات ذلك ستكون إعادة توزيع مركز الخدمات اللوجستية الإقليمي: حيث ستظل موانئ مثل جبل علي والدمام ومدينة الكويت أساسية للتوزيع والصناعة المحلية، إلا أنها قد تفقد أهميتها المحورية مراكزَ عالميةً معرضة للمخاطر الجيوسياسية”.

وختم المحلل الإيطالي بقوله إنه “من المنطقي أن نتوقع، في الأشهر المقبلة، تسارع الاستثمارات في البنى التحتية البديلة والاحتياطيات الاستراتيجية واتفاقيات التأمين البحري. الشاهد أن الأزمة الحالية لن تمحو ميناء هرمز من الخريطة، لكنها ستجعل دوره مركزاً فريداً لا غنى عنه لاقتصاد الخليج”.

من جانبها، ذكرت كبيرة الباحثين في معهد دراسات السياسة الدولية بميلانو (ISPI) والخبيرة بشؤون الخليج واليمن، إليونورا أرديمانيي، في تحليل حديث نشره المعهد بعنوان “موانئ وممرات برية: الأزمة تعيد رسم منطقة الخليج”، أن الحرب بين “إسرائيل” وإيران والهجمات الأميركية على طهران غيّرت بصورة جذرية خريطة التجارة والطاقة في الخليج، مشيرة إلى أن حركة الحاويات عبر مضيق هرمز انهارت بنسبة 93% منذ بداية الحرب، وفق بيانات شركة PwC العالمية.

وأضافت أرديمانيي أن الموانئ الواقعة قبل المضيق، مثل موانئ الكويت والبحرين وقطر والساحل الشرقي السعودي، كانت الأكثر تضرراً، بينما برزت ستة موانئ مراكز بديلة للتجارة الإقليمية، هي صلالة وصحار في سلطنة عمان، والفجيرة وخورفكان في الإمارات، وجدة في السعودية، إلى جانب التحول الوظيفي لميناء جبل علي في دبي من مركز بحري عالمي إلى محور لإعادة توزيع البضائع براً.

وأوضحت أن ميناء جدة السعودي استحوذ قبل الحرب على 64% من السفن الداخلة إلى المملكة، قبل أن ترتفع النسبة إلى 76% بعد شهر واحد فقط من اندلاع النزاع، ما دفع الرياض إلى تعزيز البنية التحتية للميناء عبر إضافة ثلاث رافعات جديدة.

وأشارت إلى أن الإمارات أعادت توجيه جزء من صادراتها النفطية عبر ميناء الفجيرة المرتبط بخط أنابيب حبشان–الفجيرة، رغم تراجع مخزوناته النفطية بمقدار الثلث نتيجة الهجمات الإيرانية.

ولفتت إلى أنه بالتوازي مع ذلك، أُطلقت مشاريع لوجستية جديدة، منها مشروع “K-Flow” الذي دشّنته شركة Gulftainer الإماراتية في خورفكان عام 2025 وربطه بشبكة “قطار الاتحاد”، إضافة إلى افتتاح الميناء الجاف الثاني في منطقة الصجعة بالشارقة لتعزيز الربط مع الإمارات الشمالية.

وأضافت الباحثة الإيطالية أن الأزمة دفعت دول الخليج إلى تسريع مشاريع الممرات البرية والسكك الحديدية، ومنها “مشروع الجسر البري السعودي” الذي يربط الدمام والجبيل على الخليج بجدة على البحر الأحمر، وقد أُسند عقد تصميمه أخيراً إلى الشركة الإسبانية Typsa.

وتابعت أن السعودية أعلنت في نيسان الماضي مشروع ممر متعدد الوسائط يربط أوروبا بمصر ونيوم ثم الخليج، عبر مسارات برية وبحرية قائمة جرى تطويرها بفعل الحرب.

وأشارت أرديمانيي إلى أن 40% من مشروع سكة “حفيت للقطارات” بين عمان والإمارات أُنجز بالفعل، وهو يربط ميناء صحار العماني بأبوظبي مروراً بالبريمي والعين، ضمن شراكة تجمع Etihad Rail وOman Rail وصندوق مبادلة الإماراتي.

وختمت بقولها: إن “هذه المشاريع لم تعد مجرد حلول طارئة لتجاوز إغلاق هرمز، بل تحولت إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأمد تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والسياسية داخل الخليج”.

إبراهيم عثمان
المصدر: العربي الجديد
آخر الأخبار