سبّبت الحرب الأميركية الإسرائيلية ـ الإيرانية وما رافقها من توتر غير مسبوق في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والتجارة في العالم، في إرباك واسع لحركة الشحن والطاقة في الخليج.
ومع تعطل جزء كبير من الملاحة عبر المضيق، وجدت دول الخليج نفسها أمام تحدٍّ استراتيجي يتعلق بضمان استمرار تدفق التجارة والصادرات النفطية، الأمر الذي دفعها إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة وممرات برية وبحرية جديدة تقلل الاعتماد على هرمز وتحدّ من تداعيات أي إغلاق محتمل مستقبلاً.
وفي خضم هذه التحولات، بدأت خريطة الموانئ والنقل الإقليمي تتغير بصورة متسارعة، مع صعود موانئ جديدة وتراجع أدوار مراكز بحرية تقليدية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع سكك حديدية وممرات لوجستية عابرة للحدود.
كما أعادت الأزمة إحياء مشاريع قديمة كانت تواجه تباطؤاً، خصوصاً في السعودية والإمارات وعُمان، في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى تحويل شبكات النقل والتجارة إلى أدوات نفوذ اقتصادي وجيوسياسي طويل الأمد.
ويأتي هذا بينما تشهد الخريطة اللوجستية في الخليج تحولاً جذرياً نحو تعزيز مرونة سلاسل الإمداد بعيداً عن مضائق الملاحة التقليدية المهددة بالتوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، ركز الاجتماع الاستثنائي الأخير لوزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون الخليجي يوم 26 آذار على تفعيل “بروتوكول الممرات الخضراء” والاستفادة القصوى من الموانئ البديلة، ولا سيما تلك المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر لتكون منصات انطلاق عالمية، ترافق ذلك مع قرارات رسمية استثنائية لتقييم جاهزية المنافذ البرية وتسهيل حركة الشحن البري العابر لمنع أي اختناقات في تدفق السلع الاستراتيجية.
وتضمنت توصيات اجتماع وزراء النقل والمواصلات تخصيص مسارات لوجستية ذات أولوية للبضائع والسلع الأساسية القادمة عبر الموانئ البديلة، مع تقليل إجراءات التفتيش العيني والتوسع في تطبيق حلول التدقيق المسبق باستخدام التقنيات الحديثة.
كما تم الاتفاق على تشكيل فريق عمل دائم يضم ممثلين من سلطات الموانئ والنقل البري والجمارك والأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، لمتابعة سير العمل في الخطة البديلة ومعالجة أي معوقات تشغيلية بشكل فوري.
من جانبها، ذكرت كبيرة الباحثين في معهد دراسات السياسة الدولية بميلانو (ISPI) والخبيرة بشؤون الخليج واليمن، إليونورا أرديمانيي، في تحليل حديث نشره المعهد بعنوان “موانئ وممرات برية: الأزمة تعيد رسم منطقة الخليج”، أن الحرب بين “إسرائيل” وإيران والهجمات الأميركية على طهران غيّرت بصورة جذرية خريطة التجارة والطاقة في الخليج، مشيرة إلى أن حركة الحاويات عبر مضيق هرمز انهارت بنسبة 93% منذ بداية الحرب، وفق بيانات شركة PwC العالمية.
وأضافت أرديمانيي أن الموانئ الواقعة قبل المضيق، مثل موانئ الكويت والبحرين وقطر والساحل الشرقي السعودي، كانت الأكثر تضرراً، بينما برزت ستة موانئ مراكز بديلة للتجارة الإقليمية، هي صلالة وصحار في سلطنة عمان، والفجيرة وخورفكان في الإمارات، وجدة في السعودية، إلى جانب التحول الوظيفي لميناء جبل علي في دبي من مركز بحري عالمي إلى محور لإعادة توزيع البضائع براً.
وأشارت أرديمانيي إلى أن 40% من مشروع سكة “حفيت للقطارات” بين عمان والإمارات أُنجز بالفعل، وهو يربط ميناء صحار العماني بأبوظبي مروراً بالبريمي والعين، ضمن شراكة تجمع Etihad Rail وOman Rail وصندوق مبادلة الإماراتي.
وختمت بقولها: إن “هذه المشاريع لم تعد مجرد حلول طارئة لتجاوز إغلاق هرمز، بل تحولت إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأمد تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والسياسية داخل الخليج”.
