الاقتصاد الأزرق … فقاعة جديدة تقترب؟

زمن القراءة: 7 دقائق

في عالم المال، لا تأتي الأزمات دائماً على شكل انهيار مفاجئ، بل أحياناً تتسلل بصمت داخل أرقام تبدو مستقرة ونماذج نمو تبدو ناجحة. لكن تحت هذا الهدوء الظاهري قد تتشكل فقاعة جديدة—هذه المرة ليست في العقارات أو البنوك، بل في قلب المحيطات التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي نفسه.

ما يحدث اليوم في الاقتصاد الأزرق يشبه إلى حد مقلق ما سبق أزمة 2008، حين كان الخطر كامناً داخل نظام بدا مزدهراً حتى لحظة الانفجار.

فائدة مجانية

يشهد الاقتصاد المرتبط بالمحيطات – من صيد الأسماك والشحن البحري إلى تطوير السواحل – استنزافاً متسارعاً للموارد البحرية يفوق قدرتها على التعافي. وعلى مدى عقود، اعتُبرت هذه الموارد وكأنها “فائدة مجانية” غير مرئية في الحسابات المالية، بينما كانت الأصول الحقيقية مثل المصايد والشعاب المرجانية وأشجار المانغروف تتدهور بصمت.

واليوم، كما حدث في سوق الرهن العقاري قبل 2008، يتم تجاهل المخاطر الأساسية مقابل عوائد قصيرة الأجل.

في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية، انتشرت القروض العقارية ذات الفائدة المتغيرة منخفضة البداية، والتي أخفت خلف جاذبيتها مخاطرة هيكلية ضخمة.

حينها وصفها البعض بالابتكار، بينما اعتبرها آخرون مجرد نمو اقتصادي. لكن قلة من المحللين الذين قرأوا البيانات بعمق حذّروا من “قنبلة موقوتة”. وقد ثبت لاحقاً أنهم كانوا على حق.

أصول زرقاء

اليوم، يظهر نمط مشابه فيما يمكن تسميته “استثمارات بحرية عالية المخاطر” أو “أصول زرقاء شبه متعثرة”.

هذه الاستثمارات تعتمد على صحة النظم البيئية البحرية، لكنها لا تُسعّر المخاطر البيئية التي تتعرض لها. مطعم فاخر تعتمد قائمته على أسماك من مخزونات مستنزفة، أو سلسلة فنادق تفترض استمرار الشعاب المرجانية لجذب سياحة الغوص، كلها أمثلة على اقتصاد يربح من نظام بيئي يتدهور دون احتساب ذلك في ميزانياته.

تشير الأرقام إلى خلل كبير في توجيه رأس المال العالمي. ففي عام 2023 وحده، تم توجيه 7.3 تريليون دولار إلى أنشطة تضر بالطبيعة، مقابل 220 مليار دولار فقط لحلول تحميها.

هذا يعني أن كل دولار يُستثمر في حماية البيئة يقابله نحو 30 دولاراً في تدميرها. ومع اعتماد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي على خدمات الطبيعة، فإن هذا الاتجاه يشكل مخاطرة اقتصادية وجودية.

الأصل الأساسي

تشبه المحيطات في هذا السياق “الأصل الأساسي” في الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري. ففي أزمة 2008، عندما توقف المقترضون عن السداد، انهار النظام المالي المتسلسل.

وبالمثل، تمثل المحيطات أساساً غير مرئي للاقتصاد العالمي، تُقدّر قيمته بأكثر من 24 تريليون دولار وفق تقديرات الصندوق العالمي للطبيعة، تشمل الثروة السمكية، النقل البحري، السياحة الساحلية، امتصاص الكربون، والتقنيات الحيوية.

لكن هذا “الأصل” يتدهور بسرعة. منذ عام 1970، انخفض متوسط أعداد الكائنات البحرية التي تتم مراقبتها بنسبة 56%.

كما تتسارع حموضة المحيطات، وأصبحت موجات ابيضاض الشعاب المرجانية التي كانت تحدث مرة كل عقد تحدث سنوياً في العديد من المناطق. نصف أشجار المانغروف مهددة بالاختفاء بحلول عام 2050.

هذه ليست مجرد مؤشرات بيئية، بل إشارات انهيار في قاعدة اقتصادية عالمية غير مسجلة رسمياً في دفاتر الحسابات.

وكالات التصنيف

وكما حدث قبل الأزمة المالية، تفشل وكالات التصنيف مرة أخرى في عكس الواقع الحقيقي. فالتصنيفات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) تمنح أحياناً تقييمات مقبولة لشركات تعتمد على نظم بحرية منهكة، فقط لأنها تعترف بوجود “مخاطر محتملة” دون خطة واضحة لمعالجتها. وهكذا يتم التعامل مع المحيط كما لو أنه أصل ثابت لا يتناقص، رغم أنه يتآكل فعلياً.

ورغم ظهور أطر جديدة مثل “فرقة العمل للإفصاح عن المخاطر المرتبطة بالطبيعة ” (TNFD)، التي تهدف إلى تحسين شفافية الشركات بشأن تأثيرها البيئي، إلا أنها لا تزال أدوات طوعية تعتمد على الإفصاح الذاتي، ما يجعلها أقرب إلى أن تقوم البنوك بتقييم مخاطرها بنفسها في أزمة الرهن العقاري.

يرى خبراء أن البيانات المتعلقة بانهيار المخزون السمكي وارتفاع حرارة المحيطات متاحة بالفعل، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي في الأسواق المالية.

وكما حدث في أزمة 2008، حيث كانت البيانات موجودة لكن لم تُقرأ بجدية، فإن المشكلة اليوم ليست في غياب المعلومات بل في تجاهلها.

ورغم خطورة الوضع، لا يعني ذلك رفض الاقتصاد البحري، بل إعادة بنائه على أسس مختلفة.

الاقتصاد الأزرق المستدام

لا يقوم ما يُعرف بـ”الاقتصاد الأزرق المستدام” على الاستخراج الجائر، بل على الاستعادة والحماية. يشمل ذلك تربية أحياء مائية مستدامة تحسن النظم الساحلية بدلاً من استنزافها، وموانئ تدعم التحول إلى الطاقة المتجددة، ومناطق بحرية محمية تعيد التوازن البيئي وتدعم السياحة، وأسواق “الكربون الأزرق” التي تمول استعادة النظم البيئية.

لكن هذا التحول يتطلب ثلاثة تغييرات أساسية: أولاً، إصلاح أنظمة المحاسبة المالية لتضمين تدهور المحيطات كخطر مالي مباشر. ثانياً، إعادة توجيه تدفقات رأس المال من الأنشطة المدمرة للطبيعة إلى الأنشطة الداعمة لها. ثالثاً، وضع أطر تنظيمية تجعل الأسواق تعكس ما تقوله العلوم البيئية بدلاً من تجاهله.

التاريخ المالي الحديث يقدم درساً واضحاً. في 2008، كان الإنقاذ ممكناً لأن النظام المالي يمكن دعمه عبر السيولة والضمانات الحكومية. لكن في حالة المحيطات، لا يوجد “بنك مركزي للطبيعة”. لا يمكن طباعة الأسماك أو إعادة تمويل الشعاب المرجانية أو إنقاذ نظام بيئي منهار عبر سياسات نقدية.

فشل الأصل الأساسي

عندما يفشل الأصل الأساسي في النظام البيئي، فإن الخسائر لن تقتصر على الأسواق، بل ستطال المجتمعات الساحلية، والصيادين، والدول الجزرية الصغيرة، وفي النهاية كل الاقتصاد العالمي الذي يعتمد على مناخ مستقر ومحيط صحي.

لقد بُني الاقتصاد العالمي كما لو أن الطبيعة مورد لا ينضب، لكن الواقع يثبت العكس. الاقتصاد جزء من البيئة، وليس العكس. والسؤال اليوم ليس ما إذا كانت المخاطر موجودة، بل ما إذا كان العالم سيتحرك قبل أن تتحول هذه المخاطر إلى أزمة شاملة لا يمكن احتواؤها.

الرهان المفتوح على صحة المحيطات قد بدأ بالفعل، لكن لم يُحدد بعد موعد استحقاقه النهائي – إما إصلاح النظام قبل الانهيار، أو دفع الثمن بعد فوات الأوان.

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

آخر الأخبار