حراك استثماري إماراتي في دمشق.. التطوير العقاري يتصدر الاهتمام

زمن القراءة: 9 دقائق

تشهد دمشق حراكاً استثمارياً متجدداً مع تزايد الاهتمام الإماراتي بفرص المشاركة في مشروعات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، في سياق مساعٍ لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا الإطار، عُقدت لقاءات رفيعة المستوى جمعت مسؤولين وممثلين عن القطاع الخاص من الجانبين، لبحث آفاق تعاون اقتصادي يتركز في قطاعات العقار والطاقة والخدمات المالية، بما يعكس توجهاً نحو توسيع مجالات الشراكة الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة.

واستقبل السيد الرئيس أحمد الشرع، وفداً اقتصادياً إماراتياً برئاسة رجل الأعمال محمد علي راشد العبار، في قصر الشعب بدمشق، حيث جرى استعراض الفرص الاستثمارية والتطويرية المتاحة في سوريا، وفي مقدمتها قطاع التطوير العقاري، بما يسهم في دعم مسار التنمية الاقتصادية.

كما التقى الشرع، رجل الأعمال الإماراتي محمد إبراهيم الشيباني، مدير عام ديوان حاكم دبي، لبحث الفرص المتاحة أمام المستثمرين الإماراتيين للمساهمة في مشروعات إعادة الإعمار، لا سيما في قطاعات التطوير العقاري والخدمات المالية والبنية التحتية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء “سانا”.

وبحسب رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، تأتي هذه الزيارة في إطار المشاركة في الملتقى السوري – الإماراتي الأول واستكشاف الفرص الاستثمارية.

ونشر الهلالي على منصة “إكس” مقطعاً مصوراً من لقاءٍ جمعه برجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة شركة “إيغل هيلز” محمد العبار، والوفد المرافق له في دمشق.

تحول نوعي

رأى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن هذه الزيارة تمثل تحولاً نوعياً في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتأتي ضمن إعادة تموضع خليجية تجاه الملف السوري بعد التحولات التي شهدتها سوريا منذ التحرير، مضيفاً أن الرهان على عودة شركات التطوير الخليجية إلى سوق إعادة الإعمار يستند إلى معطيات واقعية، فالأمم المتحدة والبنك الدولي يُقدّران تكلفة إعادة الإعمار بين 250 و400 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز قدرة أي دولة منفردة، ما يجعل الشراكات الإقليمية ضرورة لا خياراً.

وأوضح عبد الكريم لصحيفة “الثورة السورية” أن الإمارات تدخل هذا الملف بثلاث أوراق قوة؛ أولها سيولة سيادية ضخمة عبر صناديق تتجاوز أصولها مجتمعة 1.5 تريليون دولار، وثانيها ذراع تطوير عقارية وبنية تحتية ذات سجل تنفيذي مثبت في أسواق معقدة، وثالثها منظومة الموانئ والمناطق الحرة القادرة على إعادة ربط سوريا بسلاسل التوريد الإقليمية.

وأشار إلى أن هذه الميزات تتقاطع مع حاجة سوريا الحادة في الكهرباء والمياه والإسكان والنقل، وهي قطاعات تمتلك فيها الشركات الإماراتية خبرة تشغيلية تمتد لعقدين.

نقاشات أولية

تتركز النقاشات الحالية بين الجانبين على مشروعات عمرانية، لكنها لا تزال في مراحلها الأولية.

وفي هذا السياق، يعود الحديث مجدداً عن مشروعات شركة “إعمار العقارية” التي أسسها رجل الأعمال محمد العبار، وتُعد من أبرز شركات التطوير العقاري عالمياً، وارتبط اسمها بمشروعات كبرى مثل برج خليفة ودبي مول، إلى جانب استثمارات متنوعة في قطاعات التجارة والخدمات.

وكانت الشركة قد أعلنت عام 2005 عن خطط استثمارية واسعة في سوريا، من بينها مشروع “تلال دمشق” ومشروع “البوابة الثامنة”، قبل أن تتوقف هذه المشروعات عام 2011.

غير أن مشروع “البوابة الثامنة” عاد إلى الواجهة لاحقاً، عقب توقيع ملحق عقد جديد بين المؤسسة العامة للإسكان وشركة “إعمار”.

وأشار الخبير الاقتصادي عبد الكريم إلى ثلاث عقبات تحدّ من سرعة تنفيذ هذه المشروعات؛ تتمثل في أن تشريعات الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص لا تزال قيد إعادة البناء، وأن العقوبات لم تُرفع كلياً ما يرفع تكلفة التمويل ومخاطر الامتثال المصرفي، إضافة إلى أن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي تُربك حسابات الجدوى وتُضعف القدرة على تسعير المشروعات بالعملة المحلية.

فعلى صعيد سوق العمل، هناك حزمة استثمارية أولية بحجم 3 إلى 5 مليارات دولار موزعة على العقار والبنية التحتية والطاقة، قادرة على توليد ما بين 60 و100 ألف فرصة عمل مباشرة، وضعفين إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم بشكل غير مباشر عبر سلاسل التوريد من مواد بناء وخدمات هندسية ونقل، أي ما يقرب من 200 إلى 400 ألف فرصة عمل إجمالية.

ويُعد هذا الأثر مهماً في اقتصاد تجاوزت فيه البطالة 25 بالمئة وفق تقديرات منظمة العمل الدولية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، وتراجع ناتجه المحلي بأكثر من 50 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل 2011، بحسب عبد الكريم.

مشروعات عمرانية مرتقبة

في موازاة ذلك، تشير مصادر نقل عنها موقع “اقتصاد الشرق” إلى أن شركة “إيغل هيلز” الإماراتية تدرس تنفيذ مشروعين عمرانيين في سوريا، ضمن مخططين رئيسيين تتجاوز تكلفتهما التطويرية 50 مليار دولار.

يقع المشروع الأول في منطقة دمر بدمشق، على مساحة تقارب 33 مليون متر مربع، ويشمل مخططاً عمرانياً متكاملاً متعدد الاستخدامات، يتضمن نحو 73 ألف وحدة سكنية، وحوالي 3200 غرفة فندقية، إلى جانب مساحات خضراء تتجاوز 7 ملايين متر مربع، وشبكة طرق تمتد على مئات الكيلومترات. وتشير التقديرات إلى أن الأثر الاقتصادي للمشروع قد يمتد على مدى 20 عاماً، مع توقع توفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل خلال مرحلة الإنشاء، إضافة إلى عشرات آلاف الوظائف الدائمة لاحقاً، فضلاً عن مساهمة محتملة في الناتج المحلي وتدفقات الاستثمار الأجنبي.

أما المشروع الثاني، فيقع في محافظة اللاذقية على الساحل السوري، على مساحة تقارب 15 مليون متر مربع، ويتضمن تطويراً سكنياً وسياحياً متكاملاً، يشمل أكثر من 29 ألف وحدة سكنية و2800 غرفة فندقية، إضافة إلى مساحات واسعة من الحدائق والمرافق العامة. ومن المتوقع أن يسهم المشروع في توفير عشرات آلاف فرص العمل أيضاً، إلى جانب دعم القطاع السياحي وزيادة الإيرادات السنوية، فضلاً عن انعكاساته على قطاعات مرتبطة مثل النقل والخدمات.

وفي هذا الإطار، رأى عبد الكريم أن الحديث عن استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار، في حال تأكده، يُعد رقماً ضخماً جداً يضع الإمارات في موقع المطوّر الأكبر في سوق إعادة الإعمار السوري، ويتجاوز بكثير ما كان متوقعاً ضمن حزمة أولية واقعية تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار.

ووفقاً لعبد الكريم، فإن رقم 50 مليار دولار يعادل تقريباً ضعف الناتج المحلي الإجمالي السوري الحالي، المُقدّر بين 23 و25 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، ويمثل نسبة تصل إلى 20 بالمئة من إجمالي تكلفة إعادة الإعمار. وبذلك، فإن مطوراً واحداً قد يتولى ما يقارب خُمس فاتورة إعادة الإعمار، وهو ما يُعد سابقة في تجارب إعادة الإعمار الإقليمية، سواء في العراق أم لبنان، وكذلك في تجربة “سوليدير” التي لم تتجاوز تكلفتها التطويرية الإجمالية 10 مليارات دولار على مدى ثلاثة عقود.

وأوضح أن أثر التشغيل لمشروع بهذا الحجم، إذا نُفّذ على مدى 10 إلى 15 عاماً، قد يوفر ما بين 300 و500 ألف فرصة عمل مباشرة في الإنشاءات والهندسة والإدارة، إضافة إلى مليون إلى مليون ونصف فرصة غير مباشرة عبر سلاسل التوريد من إسمنت وحديد ومواد بناء وخدمات نقل وضيافة وتجارة، وهو رقم قادر على امتصاص جزء كبير من البطالة السورية المُقدّرة بأكثر من 25 بالمئة.

في المقابل، نبّه عبد الكريم إلى ضرورة التعامل مع هذه الأرقام بحذر، مشيراً إلى أنه لا توجد حتى الآن وثيقة رسمية صادرة عن الدولة السورية أو عن شركة “إيغل هيلز” تؤكد هذه المشروعات أو تفاصيلها. كما أوضح أن التكلفة التطويرية لا تعني التزاماً نقدياً فورياً، بل تُوزّع عادة على مراحل تشمل تقييم الأراضي، والشراكات، وتطوير البنية التحتية.

ولفت أيضاً إلى أن تنفيذ مشروعات بهذا الحجم يتطلب بنية تشريعية متكاملة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وقانون استثمار حديث، وضمانات قانونية واضحة للملكية وتسجيل الأراضي، إضافة إلى نظام تحكيم دولي لحل النزاعات، مشيراً إلى أن هذه الملفات لا تزال قيد إعادة البناء في سوريا.

وبالعودة إلى التجربة السابقة لشركة “إيغل هيلز”، فإن الشركة نفذت مشروعات كبرى في البحرين والمغرب والأردن وصربيا، غير أن أحجامها لم تتجاوز عادة نطاق 3 إلى 8 مليارات دولار للمشروع الواحد. لذلك، يرى عبد الكريم أن الحديث عن 50 مليار دولار يُرجّح أنه يشمل قيمة عقارية تطويرية شاملة تمتد على مدى عقد أو أكثر، وتُموَّل تدريجياً عبر مزيج من رأس مال الشركة، وشركاء ماليين، وتمويلات مصرفية، إضافة إلى البيع المسبق للوحدات.

وبحسب تقديره، حتى في حال خُفِّض الرقم إلى الثلث أو النصف بعد التحقق الرسمي، فإن حجم هذه المشروعات يظل مؤشراً على تحول استراتيجي يضع سوريا أمام واحدة من أكبر موجات الاستثمار الخليجي منذ عام 2010، فيما يبقى تحقيق أثره الفعلي مرتبطاً بسرعة استكمال البنية التشريعية والمصرفية، وتطويرها بما يتيح تحويل الاستثمارات إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد السوري.

نور جوخدار

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار