العالم الاقتصادي- روعة غنم:
في مرحلةٍ تسعى فيها سوريا لإعادة بناء الإنسان قبل الحجر؛ يفرض ملف الصحة والسلامة المهنية، نفسه، كأحد أهم الملفات المرتبطة بمستقبل سوق (العمل والاستثمار والإنتاج)، فمع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً؛ تتزايد الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الوقاية، وتوفير بيئات عمل آمنة وصحية؛ ليس فقط من الناحية الجسدية، بل النفسية والاجتماعية أيضاً، ولاسيما بعد سنوات الحرب، وما خلّفته من آثار عميقة في المجتمع والعاملين في مختلف القطاعات.
وفي هذا الإطار، نظمت شركة “EMBS” للهندسة الإدارية والجودة، في المركز الثقافي العربي في المزة، محاضرة توعوية بعنوان “الصحة والسلامة المهنية: استثمار في الإنسان لبناء سوريا الجديدة”، تزامناً مع اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والمهتمين بالشأن المهني والإنساني.
وتُعد شركة “EMBS” أول شركة سورية متخصصة في هندسة الإجراءات، حيث تعمل على نشر ثقافة الجودة والحوكمة، وتعزيز مفاهيم الصحة والسلامة المهنية داخل المؤسسات وبيئات العمل السورية، ولاسيما في ظل متطلبات مرحلة إعادة الإعمار.

وفي تصريح لمجلة “العالم الاقتصادي”، أكدت المهندسة إسراء حمدان مؤسسة ورئيسة مجلس إدارة شركة “EMBS” أن الشركة تُنظم هذه الفعالية بشكل سنوي؛ بهدف نشر ثقافة السلامة المهنية في سوريا، موضحة أن شعار منظمة العمل الدولية لهذا العام ركّز على ضرورة “ضمان بيئة نفسية واجتماعية صحية للأشخاص”، وهو ما اعتبرته من أكثر القضايا التي تحتاجها سوريا اليوم، لا سيما في مرحلة ما بعد الحرب والتحرير، وفي ظل الحاجة المتزايدة للدعم النفسي للناجين من الحروب والمعتقلات.
وأشارت حمدان إلى أن الورشة ركزت- بشكل أساسي- على: البيئة النفسية داخل أماكن العمل، إلى جانب السلامة المهنية بمفهومها الشامل، مبينة أن الفعالية تضمنت محاضرات عن أهمية تطبيق معايير السلامة المهنية العالمية، وعلى رأسها معيار ISO 45001، إضافة إلى جلسات حوارية جمعت خبراء في الموارد البشرية، والسلامة المهنية؛ لمناقشة السياسات والإجراءات المطلوبة لتعزيز هذا القطاع، مؤكدة أن تطبيق السلامة المهنية يحتاج إلى تشريعات واضحة، آليات متابعة، وحوكمة فعلية لضمان التنفيذ.
ولفتت إلى أن قطاع الإنشاءات يُعد من أكثر القطاعات عرضة للحوادث المهنية، مشيرة إلى أن نحو 60% من الحوادث المهنية ترتبط بالأعمال الإنشائية والمعمارية، الأمر الذي يتطلب رفع مستوى الالتزام بمعايير السلامة، بالتزامن مع دخول البلاد مرحلة إعادة الإعمار، ولاسيما في ظل وجود بنى تحتية متهالكة تحتاج إلى إعادة تأهيل، وفق معايير حديثة تضمن سلامة العاملين.

من جهته، قال المهندس عادل دحدل، رئيس لجنة الصحة والسلامة المهنية وإدارة الكوارث في فرع نقابة المهندسين بدمشق، في تصريح لمجلة “العالم الاقتصادي”، إن الهدف الأساسي من هذه الفعاليات هو نشر وترسيخ ثقافة الصحة والسلامة والبيئة داخل المؤسسات والشركات، مشدداً على أن العنصر البشري يمثل رأس المال الحقيقي لأي منشأة، وتالياً فإن حمايته يجب أن تكون أولوية أساسية.
وأوضح دحدل أن جميع الشركات مطالبة بتطبيق أنظمة صحة وسلامة محدثة وقابلة للتنفيذ، إلى جانب ضمان امتلاك العاملين للمعرفة الكافية بثقافة السلامة المهنية والبيئية، ليس فقط امتثالاً للقوانين، لكن انطلاقاً من مسؤولية أخلاقية تجاه العاملين، مشيراً إلى أن الحوادث المهنية لا تنعكس فقط بخسائر إنسانية، بل تؤدي أيضاً إلى أضرار اقتصادية كبيرة، وتكاليف مباشرة وغير مباشرة؛ قد تطول استقرار المنشأة وسمعتها.
وأضاف أن بيئة العمل الآمنة تُعد من أبسط حقوق العمال، مؤكداً أن العامل يجب أن يعود إلى منزله سالماً من دون أن يتعرض لإصابة أو خطر نتيجة غياب إجراءات السلامة، معتبراً أن الصحة والسلامة المهنية ليستا خياراً إدارياً أو أمراً ثانوياً، وإنما ثقافة مؤسساتية يجب أن تتحول إلى أولوية حقيقية في مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.

بدوره، أوضح الدكتور محمد إياد الزعيم، ممثل المعهد العربي للعلوم والسلامة، ومستشار حوكمة الأعمال وبناء القدرات في شركة “EMBS”، في حديثه لمجلة “العالم الاقتصادي”، أن الفعالية تأتي في إطار اهتمام الشركة بترسيخ مفاهيم السلامة المهنية وتطبيقاتها في القطاعات الصناعية والتجارية، ولاسيما في ظل دخول سوريا مرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب اهتماماً أكبر بالإنسان وبيئة العمل.
وأشار الزعيم إلى أن مفهوم السلامة المهنية لم يعد يقتصر على إجراءات الحماية التقليدية أو معدات الوقاية فقط، بل تطور ليشمل البعد النفسي للعاملين، لافتاً إلى أن تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2025، شكّل نقلة نوعية في هذا المجال، عبر التركيز على “السلامة النفسية” داخل بيئات العمل.
وبيّن أن نسبة كبيرة من الاضطرابات النفسية مرتبطة بضغوط بيئة العمل، موضحاً أن الضغوط المهنية وسوء بيئات العمل قد ينعكسان على صحة العامل النفسية والجسدية وتمتد آثارهما إلى حياته الأسرية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل من الضروري توفير بيئات عمل متوازنة وآمنة؛ تراعي الجوانب النفسية إلى جانب الجوانب المهنية التقليدية.
وأكد الزعيم أن من أبرز التحديات التي تواجه نشر ثقافة السلامة المهنية في سوريا وجود أكواد وتشريعات قديمة؛ تحتاج إلى تحديث، إضافة إلى ضرورة ربط تراخيص المنشآت الصناعية والتجارية بمدى التزامها بإجراءات السلامة المهنية، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على عدم منح أي منشأة ترخيصاً ما لم تستوفِ متطلبات السلامة بشكل كامل.
كما شدد على أهمية تعزيز الاهتمام بالعامل من الناحية النفسية والتغذوية، وتهيئة بيئة عمل آمنة، ولاسيما مع ازدياد ضغوط العمل خلال مرحلة إعادة الإعمار، مشيراً إلى وجود جهود مشتركة مع وزارة الطوارئ ونقابة المهندسين، من أجل تطوير إجراءات السلامة المهنية، وتحديث آليات المتابعة والرقابة، معرباً عن أمله بأن تثمر هذه الجهود قريباً في تطوير منظومة السلامة المهنية في سوريا.
