العالم الاقتصادي- خاص
تُعدّ الموازنة العامة للدولة أداة مركزية لتحليل التوجهات الاقتصادية والمالية؛ فهي تعكس من خلالها الحكومات أولوياتها في تخصيص الموارد، وتكشف عن طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تمر بها الدولة، سواء كانت مرحلة استقرار أو أزمة أو انتقال.
وفي سوريا تكتسب موازنة عام 2026 أهمية خاصة، كونها تأتي في سياق انتقالي معقد يسعى فيه الاقتصاد إلى الانتقال من مرحلة الانكماش الحاد إلى مرحلة التعافي التدريجي وإعادة البناء.
وتبرز أهمية هذه الموازنة أيضاً من خلال تقديمها ضمن إطار “نسخة المواطن”، وهي خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز الشفافية وتبسيط المعلومات الاقتصادية، بما يساهم في تحسين العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإن كان هذا التوجه لا يزال في مراحله الأولية ويحتاج إلى تعميق مؤسسي وربطه بآليات مساءلة واضحة.
السياق الاقتصادي.. تعافٍ رقمي ضمن قيود بنيوية
تشير التقديرات إلى تحقيق الاقتصاد السوري معدلات نمو تتراوح بين 8% و10% خلال عام 2026، وهو معدل مرتفع نسبياً، خاصة عند مقارنته بمعدلات النمو في الاقتصادات المستقرة، إلا أن هذا النمو يجب تفسيره ضمن سياق خاص يتمثل في تحسن نسبي في الاستقرار الاقتصادي، وعودة تدريجية لبعض الأنشطة الإنتاجية، وتأثير “قاعدة الانطلاق المنخفضة”، حيث يؤدي التعافي من مستويات منخفضة للغاية إلى تسجيل معدلات نمو مرتفعة نسبياً دون أن يعكس ذلك بالضرورة تحسناً بنيوياً عميقاً في الاقتصاد.
وتؤكد البيانات أن الاقتصاد السوري لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، أبرزها ضعف القاعدة الإنتاجية واتساع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يُقدّر بنحو 70% من النشاط الاقتصادي، ما يحد من قدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق أثر مستدام، وعليه يمكن توصيف النمو الحالي بأنه تعافٍ أولي يحمل مؤشرات إيجابية وقابل للتطور التدريجي، إلا أنه لا يزال مرتبطاً بجملة من القيود البنيوية، ويعتمد بدرجة كبيرة على استمرارية الاستقرار وتحسن البيئة الاقتصادية والمؤسسية، ومن ثم فإن استدامته تبقى مشروطة بقدرته على التحول من نمو مدفوع بعوامل ظرفية إلى نمو إنتاجي أكثر رسوخاً واستقلالاً على المدى المتوسط
هيكل الموازنة.. سياسة مالية توسعية محسوبة
تُقدّر موازنة عام 2026 بنحو:
* الإيرادات: 8.7 مليار دولار.
* النفقات: 10.5 مليار دولار.
* العجز: 1.8 مليار دولار (حوالي 5% من الناتج المحلي).
وتعكس هذه الأرقام تبنّي سياسة مالية توسعية تهدف إلى تحفيز الاقتصاد ودعم التعافي، من خلال زيادة الإنفاق العام، خاصة في مجالات الاستثمار والخدمات الاجتماعية.
من الناحية النظرية، يمكن تفسير هذا العجز ضمن إطارين:
1-عجز وظيفي: يهدف إلى تنشيط الطلب الكلي.
2-عجز تنموي: يُستخدم لتمويل مشاريع إعادة الإعمار.
وتالياً فإن العجز في هذه الحالة لا يُعد مؤشراً سلبياً بحد ذاته؛ بل يمثل أداة اقتصادية مشروعة، شريطة أن يُدار ضمن حدود الاستدامة المالية.
ويُموَّل هذا العجز من خلال أدوات مالية داخلية مثل السندات والصكوك، إضافة إلى موارد الصندوق السيادي، وهو ما يعكس محاولة لتنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على التمويل النقدي المباشر.
هيكل الإيرادات.. واقعية مرحلية مع تحديات توزيعية
تتوزع الإيرادات على النحو التالي:
* الضرائب والرسوم: 50%.
* النفط والغاز: 28%.
* إيرادات أخرى: 22%.
* تحليل الضرائب: بين الكفاءة والعدالة.
تشكل الضرائب المصدر الرئيسي للإيرادات، وهو مؤشر إيجابي على سعي الدولة لتعزيز التمويل الداخلي، إلا أن تحليل بنية الضرائب يكشف عن هيمنة الضرائب غير المباشرة، ويمكن التمييز بين نوعين رئيسيين من الضرائب:
* الضرائب المباشرة: تُفرض على الدخل والأرباح، وتُعد أكثر عدالة.
* الضرائب غير المباشرة: تُفرض على الاستهلاك، وتُعد أكثر سهولة في التحصيل.
في الحالة السورية، يمكن تفسير الاعتماد على الضرائب غير المباشرة في ضوء مجموعة من العوامل البنيوية، أبرزها ضعف القدرة المؤسسية على تتبع الدخول الحقيقية ما يحد من فعالية تطبيق الضرائب المباشرة، واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، الذي يخرج جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي عن المظلة الضريبية، إضافة إلى محدودية مستويات الامتثال الضريبي، نتيجة ضعف نظم الرقابة والتحفيز المؤسسي، وتالياً فإن هذا النمط الضريبي لا يعكس خياراً مالياً بحتاً، بقدر ما يعبر عن قيود هيكلية تفرضها طبيعة الاقتصاد في المرحلة الانتقالية، غير أن هذا النمط رغم واقعيته يؤدي إلى تحميل الفئات ذات الدخل المحدود عبئاً نسبياً أكبر، ما يطرح إشكالية العدالة الضريبية، ومع ذلك فإن السياسات الضريبية المعلنة، مثل إعفاء محدودي الدخل (أقل من 4500 دولار سنوياً) وتحديد سقف الضريبة عند 15%، تشير إلى محاولة لتحقيق توازن بين الكفاءة والعدالة، وإن كانت هذه المحاولات لا تزال بحاجة إلى تطوير تدريجي.
هيكل الإنفاق.. بين الاستقرار الاجتماعي ومتطلبات التنمية
يتوزع الإنفاق العام على النحو التالي:
| القطاع | نسبة الإنفاق العام |
| الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية | 41% |
| الدفاع والأمن | 33% |
| بقية الخدمات | 26% |
| الإنفاق الاستثماري | 27% مقارنة بـ7% سابقاً |
ويعكس هذا التوزيع ثلاث أولويات رئيسية:
أولاً- الاستقرار الاجتماعي: من خلال تخصيص حصة كبيرة للقطاعات المرتبطة بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، بما يعزز القدرة على احتواء الضغوط المعيشية
ثانياً- الاستقرار الأمني: عبر استمرار الإنفاق المرتفع على قطاع الدفاع والأمن، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الانتقالية.
ثالثاً- إعادة الإعمار والتنمية: من خلال زيادة مخصصات الإنفاق الاستثماري، بما يشير إلى توجه نحو دعم النشاط الاقتصادي مستقبلاً.
رغم استمرار هيمنة الإنفاق الجاري على بنية الموازنة، إلا أن الارتفاع الملحوظ في الإنفاق الاستثماري يعكس تحولاً تدريجياً في أولويات السياسة المالية، باتجاه تعزيز مقومات النمو طويل الأجل، وإن كان هذا التحول لا يزال في مراحله الأولية ويحتاج إلى تعميق واستمرارية.
السياسات الاجتماعية.. دعم الاستقرار في بيئة تضخمية
شهدت الرواتب والأجور زيادات ملحوظة، حيث بلغت في حدها الأدنى نحو 350%، ووصلت في بعض الحالات إلى مستويات أعلى وفقاً لطبيعة القطاع وآلية الاحتساب، وتعكس هذه الزيادات اتجاهاً واضحاً نحو تحسين القدرة الشرائية، إلا أن أثرها الفعلي يظل متفاوتاً، ويتأثر بعوامل مثل التضخم وتغيرات سعر الصرف، ما يجعل التحسن المعيشي نسبياً وليس متجانساً بين مختلف الفئات، وتعكس هذه الإجراءات محاولة تحسين القدرة الشرائية، وتخفيف آثار التضخم، ودعم الاستقرار الاجتماعي، إلا أن ارتفاع معدلات التضخم (40–60%) يحد من الأثر الحقيقي لهذه الزيادات، ما يجعل التحسن المعيشي نسبياً وليس كاملاً، لكن فرص التعافي وتحسن الدخل لا تزال متاحة في ظل عودة تدريجية لعجلة الإنتاج إلى مستوياتها الطبيعية، إلى جانب ازدياد إيرادات الدولة من تصدير النفط والثروات الباطنية والزراعية والصناعية، إضافة إلى التحويلات المالية من الخارج بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد واندماج سوريا بالنظام المالي العالمي مجدداً.
التحويلات.. ركيزة غير رسمية للاستقرار
تلعب التحويلات الخارجية دوراً مهماً في دعم الاقتصاد، من خلال تعزيز الاستهلاك، ودعم الأسر، وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل غير مباشر، غير أن الاعتماد عليها يظل محدوداً من حيث الاستدامة، ما يستدعي توظيفها في الاستثمار بدلاً من توجيهها نحو الاستهلاك فقط
الصناعة والزراعة.. إمكانات قيد التفعيل
لا تظهر قطاعات الصناعة والزراعة كمصدر مباشر للإيرادات في الموازنة، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تتركز فيها الجهود على إعادة التشغيل وبناء القدرات الإنتاجية، وتشمل هذه المرحلة إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة سلاسل التوريد، وتحفيز النشاط الاقتصادي تدريجياً.
وتُعد هذه القطاعات أساساً للنمو المستقبلي، نظراً لدورها في خلق فرص العمل وتعزيز الاكتفاء الذاتي ودعم الصادرات، وعليه فإن غيابها النسبي عن الإيرادات لا يعكس تراجع أهميتها؛ بل انتقالها إلى مرحلة الاستثمار وإعادة التفعيل.
الدين العام والاستدامة المالية.. توازن مشروط ضمن مرحلة انتقالية
لا تتضمن الموازنة بيانات تفصيلية حول الدين العام، ما يحد من القدرة على تقييم الاستدامة المالية بدقة، إلا أن ذلك يمكن تفسيره في سياق إعادة بناء الإدارة المالية وتنظيمها، من خلال تطوير أنظمة المحاسبة والتركيز على استقرار المؤشرات الأساسية، وفي المقابل، يشير ضبط العجز إلى وجود وعي مالي ضمني بأهمية إدارة الدين، رغم ما يطرحه غياب البيانات من تحديات تتعلق بمحدودية الشفافية وصعوبة تحليل المخاطر.
وفي هذا الإطار، تعكس الموازنة محاولة لتحقيق استدامة مالية ضمن بيئة انتقالية، تستند إلى عوامل داعمة تتمثل في نمو اقتصادي نسبي، وتنوع في مصادر الإيرادات، ومستوى عجز معتدل، مقابل تحديات بنيوية تشمل الاعتماد على الاستهلاك، وضعف القاعدة الإنتاجية، وغياب بيانات الدين، وعليه يمكن توصيف الوضع المالي بأنه توازن قابل للاستمرار، لكنه يظل مشروطاً بقدرة الاقتصاد على التحول نحو نمو إنتاجي أكثر رسوخاً.
الحوكمة.. تقدم تدريجي ضمن قيود مؤسسية
تشير المؤشرات إلى تحسن نسبي في إدارة المالية العامة واستمرارية المؤسسات، وهو ما يعكس نجاحاً في إدارة مرحلة الاستقرار، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في الجوانب المرتبطة بفعالية التنفيذ، وتسريع وتيرة الإصلاح، وتعزيز مستوى الشفافية، وهو ما يحد من كفاءة تحويل السياسات المعلنة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
في المحصلة، يمكن اعتبار الحوكمة المالية في المرحلة الحالية في طور التحسن التدريجي، حيث تم تحقيق قدر من الاستقرار المؤسسي، إلا أن الانتقال إلى مستويات أعلى من الكفاءة والفاعلية لا يزال يتطلب تعميق الإصلاحات وتعزيز القدرات التنفيذية.
