هل سوريا دولة فقيرة؟… أم اقتصاد مُعطّل بين الإمكانات والفرص التاريخية؟- بقلم: د. رانيا عقيل

زمن القراءة: 17 دقائق

بقلم: د. رانيا عقيل

 قد يبدو السؤال مباشراً، لكنه في الواقع يختزل إشكالية اقتصادية معقدة تتجاوز فكرة “امتلاك الموارد” إلى سؤال أكثر جوهرية: هل المشكلة في قلة الإمكانات، أم في طريقة إدارتها؟

في الحالة السورية، لا يمكن تفسير التدهور الاقتصادي بالفقر البنيوي، فقبل عام 2011، لم تكن سوريا دولة غنية، لكنها لم تكن أيضاً دولة فقيرة؛ بل كانت ضمن الدول متوسطة الدخل، تمتلك اقتصاداً متنوعاً وقابلاً للنمو، ومع ذلك لم تتحول هذه الإمكانات إلى تنمية حقيقية، بل بقيت معطلة أو أُسيء استخدامها، حتى جاءت الحرب لتدفع الاقتصاد إلى مرحلة الانهيار.

ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس: هل سوريا فقيرة؟ بل: كيف تحوّل اقتصاد متوسط الإمكانات إلى اقتصاد مأزوم؟ وهل يمكن أن يستعيد قدرته على الانطلاق؟

سوريا قبل الحرب… اقتصاد متوسط بإمكانات واعدة

قبل الحرب كان الاقتصاد السوري يمتلك مقومات واضحة للاستقرار وربما النمو، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 60–67 مليار دولار، وبلغ نصيب الفرد حوالي 3000 دولار سنوياً، مع معدلات نمو تراوحت بين 3% و5% سنوياً، وهي معدلات تعكس اقتصاداً مستقراً نسبياً، وإن لم يكن سريع النمو، كما تميز الاقتصاد السوري بتنوع نسبي في مصادر الدخل والإنتاج، وهو عامل مهم في تقليل المخاطر الاقتصادية، حيث لم يكن يعتمد على قطاع واحد بشكل كامل، فالزراعة ساهمت بنحو 20% من الناتج المحلي والتوظيف، وشكلت ركيزة للأمن الغذائي، وشكل النفط حوالي 40% من الصادرات، رغم محدودية الإنتاج مقارنة بالدول النفطية، إلى جانب وجود قاعدة صناعية خفيفة ومتوسطة، خاصة في النسيج والصناعات الغذائية، إضافة إلى وجود قطاع خدمات نشط نسبياً يدعم التجارة والنقل، إ      ضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي يربط بين آسيا وأوروبا، مع إمكانات ليكون مركز عبور تجاري، وقاعدة سكانية شابة، توفر طاقة إنتاجية كبيرة وسوقاً محلية واسعة.

هذا التنوع كان يمنح الاقتصاد السوري درجة من المرونة، ويضعه ضمن فئة الاقتصادات القابلة للتطور، لا الاقتصادات الهشة أو الفقيرة، كما أن هذه المؤشرات، عند قراءتها بشكل متكامل، تشير إلى أن سوريا لم تكن تعاني من نقص في المقومات الاقتصادية الأساسية؛ بل كانت تمتلك “حداً أدنى من التوازن” يسمح لها بالحفاظ على الاستقرار، وربما تحقيق انطلاقة تدريجية لو توفرت إدارة أكثر كفاءة، وبالتالي فإن توصيف الاقتصاد السوري في تلك المرحلة لا يمكن أن يكون “اقتصاداً فقيراً”، بل هو “اقتصاد متوسط الإمكانات، يمتلك عناصر نمو حقيقية، لكنه لم يستثمرها بالشكل الكافي”، وهذا ما يجعل فهم تلك المرحلة أساسياً، لأنها تمثل نقطة الانطلاق التي تفسر كيف انتقل الاقتصاد لاحقاً من حالة الاستقرار النسبي إلى التعثر، ثم إلى الانهيار.

الموارد الطبيعية… بين الإمكانات الواقعية وحدودها

تمتلك سوريا موارد طبيعية متنوعة تشمل النفط والغاز والفوسفات، إلى جانب موارد أخرى واعدة مثل السجيل الزيتي، والرمال السيليسية (السيليكا)، والمنغنيز، والمغنيسيوم، ما يشكّل قاعدة اقتصادية مهمة، لكنها تبقى ضمن حدود متوسطة من حيث الحجم.

وتُقدَّر احتياطيات النفط بنحو 2.5–2.7 مليار برميل، والغاز بنحو 300–400 مليار متر مكعب، والفوسفات نحو 1.8–2 مليار طن، كما يُقدَّر احتياطي السجيل الزيتي بنحو 40–50 مليار طن، وتبلغ احتياطيات الرمال السيليسية عالية النقاء نحو 500–700 مليون طن، في حين تُقدَّر احتياطيات المنغنيز بنحو 2–5 ملايين طن، إضافة إلى وجود احتياطيات من المغنيسيوم ومواد صناعية أخرى غير مستثمرة بالكامل.

وبالمقارنة، يمتلك العراق احتياطيات نفطية تتجاوز 145 مليار برميل، واحتياطيات غاز تُقدَّر بنحو 3.5–4 تريليون متر مكعب، إضافة إلى احتياطيات فوسفات تقارب 10 مليارات طن، ما يبرز الفارق الكبير في حجم الموارد وطبيعة النموذج الاقتصادي.

كما يمتلك القطاع الزراعي وزناً مهماً، إذ تُقدَّر نسبة الأراضي الصالحة للزراعة بنحو 30–32% من إجمالي المساحة، أي ما يعادل تقريباً بين 55 و60 ألف كم²، مع تنوع في الإنتاج يشمل الحبوب والمحاصيل النقدية والثروة الحيوانية، إضافة إلى ما يتيحه ذلك من فرص في السياحة والصناعة.

ومع ذلك، فإن هذه الموارد، رغم أهميتها، غير كافية بمفردها لتحقيق نهضة اقتصادية، ما يجعل العامل الحاسم هو كفاءة الإدارة، فالتجارب العالمية تُظهر أن التنمية ترتبط بحسن توظيف الموارد لا بحجمها، بينما يؤدي سوء الإدارة أو المبالغة في تقديرها إلى ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الوهم”.

كما أن استثمار هذه الموارد يتطلب استثمارات كبيرة لإعادة التأهيل والاستخراج، وبيئة مستقرة تضمن الاستمرارية، وشراكات تقنية وإدارية متقدمة، وهو ما يجعلها مساراً تدريجياً ومعقداً، وليست حلاً سريعاً للأزمة الاقتصادية، وعليه فإن الموارد في سوريا ليست كبيرة بما يكفي لخلق اقتصاد ريعي، لكنها كافية لتكون قاعدة داعمة للتنمية، إذا ما أُديرت بكفاءة ضمن سياسات اقتصادية رشيدة.

المفارقة السورية… اقتصاد يعمل بأقل من طاقته

رغم توفر موارد وإمكانات اقتصادية مقبولة وتنوع في القاعدة الإنتاجية، لم تتحول هذه المقومات إلى تنمية حقيقية أو نمو مستدام، وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الحالة السورية: اقتصاد يمتلك القدرة على العمل، لكنه لا يعمل بكامل طاقته.

فالقطاع الزراعي، رغم اتساعه تراجع أداؤه نتيجة سوء إدارة الموارد المائية وضعف التخطيط، ما انعكس سلباً على الإنتاجية، أما النفط والثروات المعدنية، فرغم أهميتها، فلم تُوظَّف كرافعة لبناء اقتصاد متنوع، بل بقي تأثيرها محدوداً، في حين أن الموقع الجغرافي، الذي كان يمكن أن يجعل سورية مركزاً تجارياً إقليمياً، لم يُستثمر بالشكل الفعلي المطلوب، وبالتالي لم يكن الاقتصاد السوري عاجزاً بالكامل، لكنه لم يكن فعالاً أيضاً، بل ظل في حالة وسطية؛ ليس منهاراً بالكامل، ولا قادراً على التقدم، وتُعد هذه الحالة من أخطر الحالات الاقتصادية، لأنها تخلق استقراراً ظاهرياً يخفي تعثراً بنيوياً عميقاً، ويؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الضرورية بدل معالجتها.

الفساد وسوء الإدارة… أصل الأزمة

لم يكن الفساد في سوريا- في فترة النظام المخلوع- مجرد انحرافات فردية أو حالات معزولة؛ بل تحول مع مرور السنين إلى جزء من البنية الاقتصادية، فيما يُعرف بـ“اقتصاد المحاسيب”، حيث تُمنح الفرص على أساس العلاقات لا الكفاءة، وقد انعكس ذلك في احتكار قطاعات اقتصادية من قبل فئات محددة، وإضعاف المنافسة بما خفّض الكفاءة والإنتاجية، إضافة إلى تركّز الثروة ضمن نطاق ضيق على حساب التوزيع العادل.

وفي تلك الفترة ساهمت البيروقراطية المعقدة وضعف التخطيط الاقتصادي في تعميق هذه الاختلالات، إذ تحولت الإجراءات إلى عائق أمام الاستثمار، وارتفعت كلفة ممارسة الأعمال، وتراجعت قدرة الاقتصاد على الابتكار والتوسع، ولم تكن النتيجة مجرد تباطؤ في النمو؛ بل تشكّل اقتصاد تحكمه الامتيازات بدلاً من الكفاءة، ويعمل وفق منطق غير إنتاجي، وهنا تتضح الحقيقة المحورية؛ لم تكن المشكلة في ندرة الموارد؛ بل في خلل إدارتها، وهو ما مهّد لاحقاً لتحول هذا التعثر البنيوي إلى أزمة أعمق مع اندلاع الحرب.

اختلالات ما قبل الحرب… أزمة كامنة

حتى قبل اندلاع الحرب، كانت هناك مؤشرات واضحة على وجود خلل بنيوي في الاقتصاد السوري، رغم ما كان يبدو من استقرار نسبي في بعض المؤشرات الكلية، فقد أظهرت البيانات أن نحو 30% من السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر، مع ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، إلى جانب تفاوت واضح في توزيع الثروة بين المناطق والفئات، ولا تعكس هذه المؤشرات مجرد مشكلات اجتماعية؛ بل تكشف عن خلل في طبيعة النمو الاقتصادي نفسه، إذ لم يكن شاملاً أو متوازناً، بل تركز في قطاعات ومناطق محددة، بينما بقيت شرائح واسعة خارج دائرة الاستفادة، كما اتسعت الفجوة تدريجياً بين ما تعكسه الأرقام الرسمية من نمو اقتصادي، وما يعيشه المواطن فعلياً من ضغوط معيشية متزايدة، ما يشير إلى أن هذا النمو لم يكن قائماً على قاعدة إنتاجية صلبة، بل على توازن هش قابل للاختلال، وعليه يمكن توصيف الاقتصاد في تلك المرحلة بأنه كان يعاني من أزمة كامنة؛ موجودة في البنية لكنها لم تنفجر بعد، أي أن الاستقرار الظاهري لم يكن سوى حالة مؤقتة، تخفي اختلالات عميقة، وتنتظر صدمة كبرى لتكشفها.

الحرب… لحظة الانهيار

جاءت الحرب لتشكّل تلك الصدمة الكبرى، التي نقلت الاقتصاد من حالة التعثر إلى الانهيار الشامل، فهي لم تُنشئ الأزمة، بل كشفتها وعمّقتها إلى مستويات غير مسبوقة، وتشير التقديرات إلى انكماش الاقتصاد بنسبة تصل إلى 80–84%، وتراجع الناتج المحلي إلى نحو 20–23 مليار دولار، إلى جانب انهيار حاد في قيمة العملة، وتراجع كبير في الصادرات، وتدمير واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية، ولم يقتصر الأثر على المؤشرات الكلية؛ بل امتد إلى البنية الاقتصادية نفسها، حيث تعطّلت القطاعات الإنتاجية الأساسية، وفُقدت ملايين فرص العمل، وهاجرت الكفاءات، ما أضعف رأس المال البشري بشكل كبير، وبذلك، لم يعد الاقتصاد يعاني من ضعف الأداء فحسب، بل فقد جزءاً مهماً من مقوماته الإنتاجية والبشرية، والحرب لم تبدأ الأزمة لكنها حوّلتها إلى انهيار شامل، وهذا التحول يمثل نقطة فاصلة، إذ لم يعد بالإمكان معالجة الاختلالات عبر إصلاحات جزئية؛ بل أصبح الاقتصاد بحاجة إلى إعادة بناء شاملة.

الاستثمار… بين الإمكانات المعطّلة والقيود الهيكلية

يمثّل الاستثمار الحلقة الحاسمة في أي مسار تعافٍ اقتصادي، إلا أن الواقع السوري يكشف فجوة عميقة بين الإمكانات النظرية والتنفيذ الفعلي، فالبرغم من توفر فرص مرتبطة بإعادة الإعمار والقطاعات الإنتاجية، لا تزال الاستثمارات محدودة الحجم، ومترددة، وغير قادرة على إحداث تحوّل اقتصادي ملموس، ولا يعود ذلك إلى عامل واحد، بل إلى منظومة قيود متداخلة، أبرزها: ارتفاع مستوى المخاطر السياسية والاقتصادية، وما يرافقها من عدم اليقين، ضعف البيئة القانونية والمؤسساتية في التطبيق، رغم وجود تعديلات تشريعية، ومحدودية أدوات التمويل، وصعوبات تحويل الأرباح، إضافة إلى غياب الاستقرار الكافي الذي يسمح بتخطيط استثماري طويل الأمد، وفي هذا السياق، لا يتجه المستثمر إلى تعظيم العائد؛ بل إلى تقليل المخاطر، ما يفسّر انتشار نماذج استثمارية حذرة تقوم على مشاريع صغيرة أو تدريجية، تركّز في قطاعات محدودة وقصيرة الأجل، واستراتيجيات لتقييد الانكشاف على المخاطر، وبذلك، يتحول الاستثمار من محرّك للنمو إلى نشاط دفاعي، يهدف إلى الحفاظ على رأس المال أكثر من توسيعه، وهو ما يحدّ من قدرته على دفع الاقتصاد نحو التعافي.

 مرحلة ما بعد التحرير… من التعافي إلى إعادة التأسيس

تشكّل مرحلة ما بعد التحرير لحظة مفصلية، ليس لأنها تمثل نهاية مرحلة الأزمة فقط، بل لأنها تفتح المجال لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي من جذوره، فالتمييز هنا ضروري بين إعادة الإعمار (إعادة ما كان قائماً)، وإعادة البناء (تصحيح المسار وإعادة تشكيل البنية الاقتصادية)، وفي سوريا لا يكفي استعادة الاقتصاد السابق، لأن ذلك النموذج كان يعاني من اختلالات بنيوية، أبرزها ضعف الإنتاجية، وسوء تخصيص الموارد، وهيمنة أنماط ريعية وغير منتجة، وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تكشف الهشاشة البنيوية التي كانت مخفية خلف استقرار ظاهري، وتتيح إعادة ترتيب الأولويات نحو القطاعات الإنتاجية، وتفتح المجال أمام استثمارات جديدة، وإن كانت مشروطة بالإصلاح، وتمكّن من توظيف رأس المال البشري السوري كرافعة أساسية للتعافي، وعليه فإن هذه المرحلة لا تمثل عودة إلى ما كان؛ بل فرصة لإعادة التأسيس على أسس أكثر صلابة.

  إعادة بناء الدولة الاقتصادية… من النصوص إلى الفاعلية

لا يمكن تحويل الفرص إلى نتائج دون وجود دولة اقتصادية فاعلة، قادرة على تنظيم النشاط الاقتصادي وتحفيزه، فالمشكلة في الحالة السورية ليست في غياب القوانين بقدر ما هي في ضعف فاعليتها، أي في الفجوة بين النص والتطبيق، ويتطلب بناء هذه الدولة نظاماً قانونياً مستقراً يضمن الحقوق ويحد من عدم اليقين، ومؤسسات رقابية فعالة تعزز الشفافية والمساءلة، وقطاعاً مالياً ومصرفياً قادراً على تمويل الاستثمار والإنتاج، وجهازاً إدارياً مرناً يقلل التعقيد ويُسرّع الإجراءات، فمن دون هذا الإطار المؤسسي، تبقى الاستثمارات معزولة، وغير قادرة على التحول إلى نمو اقتصادي شامل.

إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج… من الريع إلى القيمة

يتطلب التعافي الحقيقي تحولاً في طبيعة الاقتصاد نفسه، من نموذج يعتمد على الاستهلاك والأنشطة الريعية، إلى نموذج إنتاجي قائم على خلق القيمة، وهذا التحول يمر عبر تعزيز الزراعة ليس فقط كقطاع معيشي، بل كقاعدة للأمن الغذائي والصناعات المرتبطة، وتطوير الصناعة لرفع القيمة المضافة وتقليل الاعتماد على الواردات، إلى جانب الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية كشرط مسبق لأي نشاط اقتصادي، وكذلك تنشيط قطاعات الخدمات والتكنولوجيا لخلق فرص جديدة للنمو، وفي هذا السياق، لا يمكن التعويل على الموارد الطبيعية وحدها؛ بل يجب دمجها ضمن منظومة إنتاجية أوسع.

المخاطر… تحديات يمكن تجاوزها

رغم توفر فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد، إلا أن هناك تحديات بنيوية قد تعيق هذا المسار إذا لم تتم معالجتها بجدية، غير أن هذه التحديات -على أهميتها- ليست قدراً حتمياً، بل يمكن التعامل معها ضمن إطار إصلاحي واضح، وتتمثل أبرز هذه التحديات في:

– استمرار بعض أنماط الفساد، وإن بأشكال جديدة

– الاكتفاء بإصلاحات جزئية لا ترقى إلى تغيير مؤسسي شامل

– وجود فجوة بين التشريعات والتطبيق العملي

– بطء تحويل الخطط والمشاريع إلى نتائج ملموسة

مسار التعافي… بين المؤشرات الأولية وترسيخ التحسن

رغم التحديات القائمة، يمتلك الاقتصاد السوري فرصة واقعية للدخول في مسار تعافٍ تدريجي، خاصة مع بروز مؤشرات أولية تدل على تحسن نسبي في الأداء الاقتصادي؛ فقد بدأت ملامح هذا التعافي بالظهور، كما يتضح في ميزانية عام 2026 التي شهدت زيادة ملحوظة، بالتوازي مع تحسن في مستوى الدخل الوطني، ما يعكس بداية خروج تدريجي من حالة الانكماش، وعودة جزئية للنشاط الاقتصادي، إلا أن هذه المؤشرات، على أهميتها، تبقى في مرحلة أولية، ويعتمد ترسيخها وتحويلها إلى مسار مستدام على استمرار السياسات الحكومية الفاعلة، ولا سيما تحسين بيئة الاستثمار عبر تبسيط الإجراءات وتعزيز وضوح القوانين، وتقوية المؤسسات الاقتصادية والرقابية للحد من الفساد وتحسين الكفاءة، ودعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، وتطوير القطاع المالي لتسهيل التمويل وتحفيز النشاط الاقتصادي، وتوجيه الإنفاق العام نحو مشاريع ذات أثر إنتاجي مباشر، ومع التقدم في هذه المسارات، يمكن أن يتحول التعافي من مؤشرات أولية إلى اتجاه مستقر، يتجسد في زيادة الاستثمارات، وتحسن الإنتاج، وتوسّع فرص العمل، وبذلك فإن مسار التعافي في سوريا لا يرتبط فقط بتحسن الأرقام، بل بقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل هذا التحسن إلى نمو مستدام، قائم على إدارة أكثر كفاءة وتوظيف أفضل للموارد المتاحة، ومع ذلك فإن إدراك هذه التحديات يشكّل بحد ذاته خطوة أساسية نحو معالجتها، ويفتح المجال لتصحيح المسار تدريجياً.

 الإدارة الرشيدة هي من يحدد الاتجاه

سوريا ليست دولة فقيرة بطبيعتها، بل اقتصاد متوسط الإمكانات تعرّض لاستنزاف طويل نتيجة سوء الإدارة وتداعيات الحرب، ما أدى إلى تراجع قدرته الإنتاجية واختلال توازنه الداخلي، ومع ذلك، تشير المؤشرات الأخيرة إلى بداية خروج تدريجي من حالة الانكماش، ما يعكس وجود فرصة حقيقية للتعافي، إذا ما تم البناء على هذه المؤشرات وتعزيزها بسياسات اقتصادية فعالة.

واليوم، تقف البلاد أمام مرحلة دقيقة تجمع بين التحديات والفرص، حيث لا يكفي التعويل على الموارد أو التحسن المؤقت في المؤشرات، بل يتطلب الأمر مساراً إصلاحياً مستمراً يعيد بناء الثقة ويعزز كفاءة الإدارة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، لن يتحدد المستقبل الاقتصادي بعامل واحد، بل بمدى القدرة على تحويل التحسن الجزئي إلى مسار مستدام، يقوم على الإنتاج، ويستند إلى مؤسسات فاعلة، وإدارة رشيدة، وفي النهاية، تبقى القاعدة الأساسية: “الموارد قد تفتح الباب… لكن الإدارة الرشيدة هي التي تحدد الاتجاه وتضمن الاستمرار”.

آخر الأخبار