من إدارة البقاء إلى تحديات التحول التنموي.. حوكمة أداء الحكومة السورية بعد عام من تشكيلها

زمن القراءة: 17 دقائق

بقلم: أ. د.طارق عفّاش

تمثل حوكمة الأداء الحكومي أحد المفاهيم الأساسية في تحليل قدرة الحكومات على إدارة التحولات الكبرى، خاصة في سياقات ما بعد النزاعات والحروب وتداعياتها، فهي لا تقتصر على قياس كفاءة الإدارة العامة أو جودة الخدمات؛ بل تمتد لتشمل طبيعة العلاقة بين الحكومة والمجتمع، وقدرة المؤسسات على إنتاج سياسات فعالة ومستقرة في بيئة معقدة.

ومن الطبيعي بعد مرور عام على تشكيل الحكومة أن يصبح تقييم الأداء الحكومي أداة ضرورية لفهم اتجاه المسار، والسؤال اليوم: هل نجحت الحكومة في تثبيت الاستقرار فقط، أم بدأت فعلياً في الانتقال نحو إصلاح مؤسسي واقتصادي حقيقي؟.

إنه سؤال يكتسب أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث تواجه الحكومة إرثاً ثقيلاً من الدمار الاقتصادي والتفكك المؤسسي وتراجع الثقة العامة.

طبيعة المرحلة الانتقالية وإرث الأزمة

تعمل الحكومة في بيئة انتقالية شديدة التعقيد، تتسم بتداخل الأزمات الاقتصادية مع التحديات المؤسسية، ولا يمكن فهمها دون إدراك الإرث الثقيل الذي خلّفه النزاع، فقد أدى الصراع إلى انكماش اقتصادي حاد، وتدمير واسع للبنية التحتية، وتراجع جوهري في القدرة الإنتاجية، إلى جانب اختلال التوازنات المالية وضعف الثقة بالمؤسسات، وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع من نحو 60 مليار دولار إلى 20 مليار دولار، وهو ما يعكس تحولاً هيكلياً نحو اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة.

1- التراجع الاقتصادي الكلي: شهد الاقتصاد انكماشاً حاداً تجلّى في تراجع الناتج المحلي، وضعف النشاط الإنتاجي، وتقلّص مساهمة القطاعات الأساسية، ما حدّ من القدرة على توليد النمو، وأدّى إلى اتساع نطاق الفقر وتآكل ملحوظ في حجم الطبقة الوسطى، مع تراجع واضح في مستويات المعيشة.

2- تدمير البنية التحتية: أدى النزاع إلى تضرر واسع في شبكات النقل والطاقة والخدمات، ما خلق اختناقات هيكلية أعاقت النشاط الاقتصادي ورفعت كلفة التعافي، وأثّر سلباً على كفاءة تقديم الخدمات العامة.

3- اختلالات الحوكمة وسوء تخصيص الموارد: تراجعت فاعلية المؤسسات وضعفت الرقابة، ما أتاح اتساع ممارسات الفساد وسوء تخصيص الموارد، وأدى إلى تشويه أولويات الإنفاق العام وإضعاف أثر السياسات الحكومية.

4- نزيف الكفاءات البشرية: أسهمت الهجرة وتراجع الحوافز، إلى جانب الخسائر البشرية الناتجة عن النزاع، في فقدان الكفاءات، ما أدى إلى تآكل القدرات المؤسسية وضعف كفاءة الإدارة العامة، وانعكس سلبًا على جودة التعليم والخدمات العامة.

5- ضعف القدرة على التنفيذ: انعكس ذلك في بطء تنفيذ السياسات، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، والاعتماد على حلول قصيرة الأمد بدل التخطيط الاستراتيجي.

6- التبعية للخارج: أدت ظروف الحرب إلى تعاظم الاعتماد على الدعم الخارجي في التمويل والطاقة والدعم اللوجستي، ما حدّ من استقلالية القرار الاقتصادي، وأسهم في ربط السياسات العامة بتوازنات خارجية معقدة.

7- تفكك سلاسل الإنتاج واتساع الاقتصاد غير الرسمي: أدت الحرب إلى تعطّل سلاسل الإنتاج والإمداد، وتراجع الترابط بين القطاعات الاقتصادية، ما أضعف كفاءة الأسواق ورفع التكاليف، كما أسهم ضعف الدولة في اتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، ما حدّ من فاعلية السياسات المالية وقلّص القدرة على تحصيل الإيرادات.

8- تشوّه هيكل الاقتصاد وتراجع الفعالية الإنتاجية: شهد الاقتصاد تحوّلاً نحو أنماط أقل إنتاجية، مع تزايد الاعتماد على الأنشطة الريعية أو غير المنظمة، ما أضعف القدرة على خلق القيمة والنمو المستدام.

9-  تراجع رأس المال الاجتماعي والثقة المجتمعية: لم تقتصر آثار الحرب على الاقتصاد والمؤسسات؛ بل امتدت إلى تآكل الثقة داخل المجتمع، ما أضعف شبكات التعاون وأثر سلبًا على بيئة الاستثمار والاستقرار الاجتماعي.

وبذلك، لم تعد المشكلة تقتصر على محدودية الموارد؛ بل تمتد إلى ضعف القدرة على إدارتها بكفاءة ضمن بيئة مؤسسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتداخل فيها القيود الداخلية مع الضغوط الخارجية، وتنعكس في تحديات عميقة أمام تحقيق التعافي والتحول التنموي.

  إنجازات الحكومة خلال عام 2025.. حوكمة الاستقرار

رغم السياق الانتقالي شديد التعقيد، يمكن تسجيل مجموعة من الإنجازات التي تعكس قدرة الحكومة على إدارة المرحلة والحفاظ على الاستقرار، مع بروز مؤشرات تدريجية على استعادة الفعالية الاقتصادية والمؤسسية، وتندرج هذه الإنجازات ضمن إطار “حوكمة الاستقرار”، التي لا تقتصر على تثبيت الوضع القائم، بل تمثل قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال نحو إصلاحات أعمق، ويمكن تلخيص هذه الإنجازات بما يلي:

1- الحفاظ على استمرارية المؤسسات ووحدة الدولة: نجحت الحكومة في ضمان استمرارية عمل الجهاز الإداري واستمرار تقديم الخدمات الأساسية، ما ساهم في الحفاظ على تماسك الدولة، ويشكل أساساً ضرورياً لأي مسار إصلاحي لاحق.

2- تحسن تدريجي في الاستقرار الأمني: أسهم التحسن النسبي في الوضع الأمني في إعادة تنشيط الأنشطة الاقتصادية، خاصة في الأسواق المحلية، ما يعكس بداية استعادة بيئة أكثر استقراراً تدعم النشاط الاقتصادي.

3- إعادة بناء الإطار القانوني والمؤسسي: تم إصدار الإعلان الدستوري واتخاذ خطوات لإعادة هيكلة العمل الحكومي، إلى جانب إنشاء مؤسسات جديدة مثل المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وصندوق التنمية، وصندوق السيادة، ووزارة الطوارئ، وتمثل هذه الإجراءات بدايات لتطوير أدوات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة الموارد والتخطيط للإعمار.

4- الانفتاح الخارجي وتحسن البيئة الاقتصادية: حققت الحكومة تقدماً في إعادة الانفتاح على المستويين العربي والدولي، ما ساهم في تحسين تدفق الموارد وتهيئة بيئة أولية للتعافي، وفتح المجال أمام تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري.

5- تحسن تدريجي في المالية العامة: ظهرت مؤشرات على تحسن إدارة المالية العامة من خلال زيادة الإيرادات وتوسيع الموازنة، ما يوفر هامشاً أكبر لدعم الإنفاق والإصلاحات المستقبلية.

6- عودة تدريجية للنشاط الاقتصادي: شهدت قطاعات التجارة والخدمات تحسناً نسبياً، ما يعكس بداية تعافي جزئي في الاقتصاد المحلي يمكن البناء عليه في المراحل القادمة.

7- الاستجابة للضغوط المعيشية: اتخذت الحكومة إجراءات لدعم القدرة الشرائية، أبرزها تعديل الرواتب وزيادة الإنفاق، ما يشير إلى إدراك التحديات الاجتماعية ومحاولة احتوائها، رغم محدودية الأثر في ظل التضخم.

8- استقطاب استثمارات، خاصة من دول الخليج العربي: شهدت المرحلة تدفق استثمارات مهمة، خاصة من دول الخليج العربي، ما أسهم في تنشيط بعض القطاعات وأعطى مؤشرات على تحسن الثقة بالبيئة الاستثمارية، مع بقاء استدامتها مرتبطة بتعزيز الإصلاح والاستقرار المؤسسي.

9- تحسن نسبي في الإدارة الضريبية وتعزيز الإيرادات: تعكس زيادة الإيرادات تحسناً أولياً في كفاءة التحصيل المالي، ما يشير إلى تطور تدريجي في إدارة الموارد العامة.

10- بوادر تطوير في الخدمات والإدارة العامة: تظهر بعض المؤشرات الأولية على تحسين تنظيم الخدمات وتبسيط الإجراءات، بما يعكس توجهاً تدريجياً نحو رفع كفاءة الإدارة العامة.

وتعكس هذه الإنجازات -رغم طابعها المرحلي- قدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، كما تمثل قاعدة أولية يمكن البناء عليها للانتقال من حوكمة البقاء إلى حوكمة أكثر فاعلية قائمة على النتائج.

 قيود بنيوية تحد من الأداء الحكومي

بالرغم مما تحقق من إنجازات نسبية في إدارة مرحلة الاستقرار، ظل الأداء الحكومي محكوماً بمجموعة من القيود البنيوية العميقة التي تعكس طبيعة الأزمة المركبة، وتحدّ من قدرة السياسات العامة على تحقيق نتائج ملموسة.

1- التضخم وتراجع مستوى المعيشة: بلغت معدلات التضخم مستويات مرتفعة تتراوح بين 40% و60%، ما أدى إلى تآكل مستمر في القوة الشرائية للأفراد، حتى في ظل محاولات تحسين الدخول عبر زيادة الرواتب، ويشير ذلك إلى ضعف فعالية السياسات الاقتصادية الكلية في تحقيق توازن بين الأجور والأسعار.

2- ارتفاع تكاليف الخدمات: شهدت الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والاتصالات، ارتفاعاً ملحوظاً في التكاليف، نتيجة تدهور البنية التحتية وارتفاع كلفة التشغيل، وقد انعكس ذلك سلباً على المواطنين والقطاع الإنتاجي من خلال زيادة الأعباء وتقليص القدرة التنافسية.

3-  أزمة الرواتب والعدالة الوظيفية: يعاني النظام الوظيفي من ضعف في مستويات الأجور وتفاوتات غير متوازنة بين القطاعات، ما لا يعكس متطلبات المعيشة أو معايير عادلة، ويؤدي إلى ضعف الحوافز وانخفاض الإنتاجية واستمرار هجرة الكفاءات.

4- الفساد كعائق بنيوي: لا يزال الفساد يمثل أحد أبرز القيود البنيوية التي تحد من فعالية الأداء الحكومي، إذ يؤثر على تخصيص الموارد ويؤدي إلى هدرها أو توجيهها بعيدًا عن الأولويات، كما يضعف ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين بالمؤسسات.

5-  فجوة التمويل وإعادة الإعمار: تواجه الحكومة فجوة تمويلية كبيرة بين احتياجات إعادة الإعمار التي تتجاوز 300 مليار دولار، والإمكانات المالية المحدودة المتاحة، ويحدّ هذا التفاوت من قدرة الدولة على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار بالوتيرة المطلوبة.

6-  الاضطرابات الإقليمية: تشكّل الاضطرابات الإقليمية أحد القيود البنيوية الخارجية التي تؤثر على الأداء الحكومي، حيث تفرض حالة من عدم اليقين الاقتصادي، وتنعكس في تقييد حركة التجارة والاستثمار وزيادة الضغوط الأمنية، كما يسهم وجود مناطق خارج سيطرة الدولة في تعقيد إدارة الموارد وتوحيد السياسات، ويزيد من تحديات بسط السيادة الاقتصادية والإدارية، ما يحدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات مستقرة وطويلة الأمد.

7- قيود إضافية في البيئة الاقتصادية والمؤسسية: تواجه السياسات الحكومية قيوداً إضافية تتمثل في اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف البيانات، وتعقيدات البيئة الاستثمارية، إلى جانب تعرض الاستثمارات الخارجية للتقلبات، ما يحدّ من كفاءة الإصلاح واستدامة نتائجه.

  الفجوة بين الاستقرار والإصلاح

تكشف تجربة العام الأول عن فجوة بين تحقيق الاستقرار وبطء التقدم في الإصلاحات، فعلى الرغم من أن الإنجازات ساهمت في تهيئة بيئة أولية للتعافي، لكنها لم تُترجم إلى نتائج ملموسة ومستدامة بفعل القيود البنيوية وضعف القدرة التنفيذية، ويمكن تلخيص هذه الفجوة في الآتي:

1- تحقيق الاستقرار دون إصلاح كافٍ: نجحت الحكومة في الحفاظ على الاستقرار، لكنها لم تنتقل بعد إلى إعادة بناء المؤسسات بشكل عميق.

2- أولوية الاستقرار نتيجة قيود واقعية: فرضت محدودية الموارد وضعف القدرات وتعقيد البيئة المحيطة التركيز على إدارة الوضع القائم.

3- هيمنة نمط إدارة البقاء: التركيز على احتواء الأزمات أكثر من إحداث تغيير هيكلي، ما قد يرسّخ الأنماط القائمة.

4- استعجال المجتمع وارتفاع سقف التوقعات: يتزايد ضغط المواطنين للحصول على نتائج سريعة وملموسة، ما يحدّ من هامش الزمن المتاح للإصلاح التدريجي.

5- بطء تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة: يؤدي ضعف القدرات التنفيذية إلى تأخر الأثر الفعلي للسياسات، ما يعمّق فجوة الإدراك بين التوقعات المرتفعة والنتائج المتحققة.

6- ضعف الشفافية والتواصل المؤسسي: يحدّ غياب التوضيح الكافي من فهم المجتمع لطبيعة المرحلة، ويزيد من مستويات عدم الرضا.

7- اتساع فجوة الثقة: قد يُنظر إلى الاستقرار كجمود لا كمرحلة انتقالية، ما يضعف الثقة بالمؤسسات.

الحوكمة كأداة لبناء الثقة

في سياق ما بعد الحرب تبرز الحوكمة كأداة مركزية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي ثقة تضررت بشكل عميق خلال فترة الحكم المخلوع، ولا يمكن استعادة هذه الثقة عبر الوعود؛ بل من خلال أداء حكومي ملموس يعكس تحسناً حقيقياً في حياة المواطنين، ويتطلب ذلك تحسين جودة الخدمات العامة، وضمان العدالة في توزيع الموارد والفرص، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار، ومكافحة الفساد بشكل فعلي، فالثقة هنا تُبنى تدريجياً من خلال تراكم نتائج إيجابية، وتشكل في الوقت ذاته شرطًا ضرورياً لنجاح أي سياسات إصلاحية أو اقتصادية، كما لا تقتصر الحوكمة على بناء الثقة؛ بل تمتد آثارها إلى تحسين جودة اتخاذ القرار، ورفع كفاءة تخصيص الموارد، وتقليل المخاطر الاقتصادية، وتعزيز التنافسية، إضافة إلى دعم الابتكار وتسريع التعافي الاقتصادي، ويعكس ذلك دور الحوكمة بوصفها إطاراً متكاملاً لتحسين فعالية الدولة، وليس مجرد أداة تنظيمية.

وتؤكد تجارب دول مثل سنغافورة وماليزيا أن بناء الثقة يرتبط مباشرة بجودة الأداء الحكومي، حيث ساهمت الحوكمة الفعالة في تحويل الدولة إلى فاعل موثوق وقادر على قيادة التنمية، وعليه فإن استعادة الثقة تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح اقتصادي أو مؤسسي في المرحلة القادمة.

أهمية قياس الأداء الحكومي

يمثل غياب أنظمة فعالة لقياس الأداء أحد أبرز أوجه القصور في الإدارة الحكومية، حيث يصعب في ظل هذا الغياب تقييم مدى نجاح السياسات أو تحديد مواطن الخلل بدقة، فالتحول نحو إدارة حديثة يتطلب تبني منهجية قائمة على النتائج، من خلال اعتماد مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، وربط السياسات العامة بمخرجات محددة، واستخدام البيانات كأداة رئيسية في صنع القرار، كما أن التقييم الدوري للأداء يتيح تصحيح المسار وتعزيز المساءلة، ويساهم في رفع كفاءة المؤسسات، ويعد هذا التحول من الإدارة التقليدية إلى إدارة قائمة على الأدلة  شرطاً أساسياً لتحسين فعالية العمل الحكومي.

دور السياسة الاقتصادية والخارجية

حققت الحكومة درجة من النجاح في توظيف السياسة الاقتصادية والخارجية لدعم الاستقرار، من خلال تعزيز الانفتاح الخارجي، وتحسين العلاقات الاقتصادية، وتهيئة بيئة أولية لجذب الاستثمارات وإعادة تنشيط بعض الأنشطة الاقتصادية، وقد ساهم ذلك في توفير فرص محدودة لتدفق الموارد وتخفيف جزء من الضغوط الاقتصادية، لكن هذا النجاح ظل نسبياً ومحدود الأثر، حيث لا تزال هذه الجهود مقيدة بعوامل بنيوية وخارجية، أبرزها: التوترات الإقليمية، وضعف البيئة الاستثمارية الداخلية، وغياب الاستقرار طويل الأمد، وتالياً فإن فعالية السياسة الاقتصادية والخارجية تبقى مرهونة بمدى التقدم في الإصلاحات الداخلية وتعزيز الاستقرار المؤسسي.

من حوكمة البقاء إلى حوكمة الفاعلية

  يمكن توصيف أداء الحكومة بعد عام بأنه لا يزال يتموضع ضمن إطار “حوكمة البقاء”، وهي مقاربة تركز على احتواء الأزمات والحفاظ على الاستقرار المؤسسي والاقتصادي، وقد نجحت هذه المقاربة في تثبيت الوضع العام، إلا أنها بطبيعتها تظل قصيرة الأمد، إذ ترتبط بإدارة الضغوط والمخاطر أكثر من قدرتها على إحداث تحول مؤسسي وتنموي مستدام.

في المقابل، تتطلب “حوكمة الفاعلية” انتقالاً نوعياً نحو بناء مؤسسات قادرة على تحقيق نتائج مستدامة، من خلال إصلاح مؤسسي عميق يعيد تعريف أدوار الدولة وآليات عملها، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والتحويلات إلى اقتصاد إنتاجي قائم على خلق القيمة، كما تقتضي تبني سياسات قائمة على النتائج، ترتبط بمؤشرات أداء واضحة، وتعزيز الثقة المجتمعية بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار طويل الأمد، وحتى الآن، لا يزال هذا التحول في مراحله الأولية، ولم يتحقق بشكل متكامل.

متطلبات المرحلة القادمة

لتحقيق انتقال فعلي من إدارة الأزمة إلى مسار التنمية، تحتاج الحكومة إلى تبني حزمة متكاملة من الإصلاحات البنيوية، يمكن تلخيصها في المحاور التالية:

1- إصلاح إداري وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي على أسس الكفاءة والجدارة، بما يعزز القدرة التنفيذية ويقلل من بطء تنفيذ السياسات.

2- بناء نظام متكامل لقياس الأداء عبر اعتماد مؤشرات واضحة وربط السياسات بمخرجات قابلة للتقييم.

3- مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة من خلال تفعيل الرقابة والمساءلة وإرساء آليات شفافة لتخصيص الموارد.

4- تحسين بيئة الاستثمار عبر تفعيل المرسوم رقم (114) لعام 2025، بما يسهم في تبسيط الإجراءات، ورفع كفاءة التنفيذ، وتعزيز موثوقية البيئة الاستثمارية، بما يدعم جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

5- دعم الاقتصاد الإنتاجي بالانتقال من نموذج استهلاكي إلى اقتصاد قائم على الإنتاج  والمعرفة وخلق القيمة.

6- الاستثمار في رأس المال البشري عبر تطوير منظومة التعليم والمهارات واستعادة الكفاءات.

7- تعزيز الشفافية والتواصل المؤسسي لشرح السياسات وإدارة توقعات المجتمع وتقليص فجوة الثقة.

التحدي الجوهري في المرحلة القادمة

بعد عام من تشكيل الحكومة، يمكن القول إن الأداء الحكومي نجح في تحقيق الاستقرار، وهو إنجاز مهم في سياق انتقالي معقد، لكنه لم يرتقِ بعد إلى مستوى إحداث تحول تنموي حقيقي، ويعكس ذلك طبيعة المرحلة التي لا تزال تقع بين إدارة الأزمة وبداية مسار الإصلاح، حيث تتداخل أولويات الاستقرار مع متطلبات التغيير.

وتُظهر قراءة الأداء في ضوء حوكمة النتائج أن الاستقرار تحقق بدرجة أفضل من الإصلاح المؤسسي والكفاءة التنفيذية والثقة المجتمعية، ما يشير إلى محدودية تحويل الجهود الحكومية إلى أثر ملموس وقابل للقياس.

ويبقى التحدي الجوهري في المرحلة القادمة هو القدرة على تحويل الاستقرار من هدف بحد ذاته إلى وسيلة لإطلاق عملية تنموية شاملة، أي الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المستقبل، فنجاح الحكومة لا يقاس فقط بقدرتها على الاستمرار؛ بل بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس ومستدام في حياة المواطنين، ضمن إطار قائم على الكفاءة والثقة والعدالة، ومدعوم بتعزيز الشفافية، ونشر المعلومات، وتمكين الرقابة المجتمعية، وربط السلطة بالمسؤولية بشكل واضح.

آخر الأخبار