
“الاقتصاد السوري.. سوء الإدارة، والفساد، وانتظار المعجزات من الخارج”، ليس توصيفاً إنشائياً بقدر ما هو خلاصة مسار طويل من سياسات مرتبكة اتبعها النظام البائد وجعلت من الأزمات حالة دائمة وليست استثناء عابراً؛ فعلى امتداد عقود طويلة –في تلك الحقبة- لم يكن النقص في الموارد هو المشكلة الأساسية؛ بل الطريقة التي أُديرت بها هذه الموارد، حيث تحولت الدولة تدريجياً من منتج محتمل إلى كيان عاجز يعتمد على الحلول السهلة ويتجنب الإصلاحات العميقة، ومع كل أزمة كانت الإجابة الجاهزة هي “البحث عن دعم خارجي”، أو انتظار تحولات سياسية إقليمية قد تفتح باباً جديداً للتمويل، بدل مواجهة جذور الخلل.
هذا النمط خلق اقتصاداً هشاً غير قادر على الصمود، حيث تراجعت القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة والصناعة، لصالح أنشطة ريعية محدودة القيمة، ومع انتشار الفساد لم تعد الموارد تُوجّه نحو التنمية؛ بل نحو شبكات النفوذ التي أعادت توزيع الثروة بشكل غير عادل، ما عمّق الفوارق الاجتماعية وأضعف الثقة في الدولة.
وفي كل مرحلة، كان الاعتماد على الخارج يتجدد بصيغ مختلفة، من مساعدات مباشرة إلى دعم غير مباشر، أو حتى رهان على تغيرات سياسية كبرى، هذا السلوك لم يكن مجرد خيار؛ بل تحول إلى بديل دائم عن الإصلاح، حيث جرى تأجيل القرارات الصعبة، وتُرك الاقتصاد يتآكل ببطء، على أمل أن تأتي لحظة إنقاذ من الخارج.
ومع تصاعد الأزمات، ظهرت هشاشة هذا النموذج بوضوح؛ إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في إدارة اقتصاد متراجع بنفس الأدوات القديمة؛ فالفساد عطّل أي محاولة إصلاح، وسوء الإدارة بدد ما تبقى من إمكانات، فيما بقي الخطاب الرسمي يراهن على الخارج بدل الداخل، وهكذا دخلت البلاد في حلقة مفرغة، وكلما اشتدت الأزمة زاد الاعتماد، وكلما زاد الاعتماد تأجل الإصلاح.
واليوم تقف سوريا -بعد سقوط النظام البائد وانتصار الثورة السورية- أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصادها على أسس جديدة أكثر توازناً واستدامة، فلم تعد العودة إلى السياسات السابقة خياراً قابلاً للاستمرار؛ بل أصبح التحول نحو اقتصاد منتج ضرورة حتمية، فمرحلة ما بعد التحرير لا تقتصر على تحقيق الاستقرار السياسي؛ بل تمثل نقطة انطلاق لإصلاح اقتصادي عميق يعيد توجيه الموارد نحو الصناعة والاستثمار الحقيقي، ويضع الإنتاج في صلب عملية التعافي.
هذا التحول يتطلب تغييراً جذرياً في النهج الاقتصادي، يبدأ بمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والمساءلة، بما يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، كما تبرز أهمية دعم القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة والصناعات الغذائية والتحويلية، إلى جانب تطوير البنية التحتية التي تربط الإنتاج بالأسواق، بما يعزز القدرة على النمو المستدام.
في هذا السياق يصبح تقليل الاعتماد على الخارج هدفاً استراتيجياً، ليس عبر القطيعة؛ بل من خلال إعادة التوازن، بحيث يتحول الدعم الخارجي إلى عامل مساعد لا بديل، فالاقتصاد الذي يستند إلى قدراته الذاتية هو الأكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات، بينما يبقى الاعتماد المفرط على الخارج مصدر هشاشة دائمة.
كما يمثل الاستثمار في التعليم والتدريب ركيزة أساسية لبناء قوة عمل قادرة على الابتكار والإنتاج وليس مجرد الاستهلاك، وبالتوازي فإن توفير بيئة قانونية شفافة، من خلال إصلاح القضاء وتعزيز سيادة القانون، يعد شرطاً ضرورياً لجذب الاستثمارات والحد من الفساد، إلى جانب دعم المبادرات الفردية وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركاً أساسياً لخلق فرص العمل.
وفي المحصلة، فإن أزمة الاقتصاد السوري ليست قدراً محتوماً؛ بل نتيجة مسار يمكن تغييره بإرادة واضحة ورؤية عملية، ومع استثمار مرحلة ما بعد التحرير بشكل صحيح، يمكن بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على الإنتاج والعدالة والاستدامة، ويقود إلى اقتصاد أكثر توازناً واستقراراً، قادر على تحقيق النمو واستعادة الثقة، وفتح آفاق مستقبل أكثر ازدهاراً.
