أعلنت السلطات الأمريكية توقيف جندي في القوات الخاصة بتهمة استغلال معلومات سرية لتحقيق أرباح عبر منصة التوقعات “بوليماركت”، في أول ملاحقة قضائية من هذا النوع داخل الولايات المتحدة، مما قد يشكل نقطة تحول في تنظيم قطاع ظل يعمل لسنوات في مساحة رمادية بين الأسواق المالية والمراهنات، وفق ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال.
وذكرت الصحيفة أن الرقيب أول في القوات الخاصة بالجيش الأمريكي غانون كين فان دايك متهم بتحقيق أرباح تجاوزت 400 ألف دولار عبر رهانات استندت إلى معلومات غير معلنة تتعلق بعمليات عسكرية، من بينها عملية أمريكية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني الماضي.
وتعد هذه القضية أول ملاحقة قضائية في الولايات المتحدة تتعلق بالتداول بناء على معلومات داخلية في منصات التوقعات، وهي منصات تتيح للمستخدمين المراهنة على نتائج أحداث سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية، غالبا باستخدام العملات الرقمية.
يواجه فان دايك تهما تشمل الاحتيال الإلكتروني والاستخدام غير القانوني لمعلومات حكومية سرية لتحقيق مكاسب شخصية، إلى جانب اتهامات أخرى تتعلق بسرقة معلومات حكومية غير معلنة.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأنها لا تقتصر على المسار الجنائي، إذ رفعت هيئة تداول السلع الآجلة، وهي الجهة التنظيمية المشرفة على بعض أسواق التوقعات، دعوى مدنية ضد فان دايك بتهمة التداول بناء على معلومات داخلية، بما يشير إلى أن الهيئة ترى إمكانية ملاحقة سلوكيات على منصات غير مسجلة لديها، حتى لو كانت تعمل من خارج الولايات المتحدة.

كيف تعمل “بوليماركت”؟
تعمل “بوليماركت” من خلال منصة خارجية غير منظمة في الولايات المتحدة، وتستخدم العملات الرقمية لتسوية الرهانات، كما لا يضطر مستخدموها إلى تقديم وثائق هوية لإنشاء حسابات، بخلاف المنصات المسجلة أمريكيا.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن خبراء قولهم: إن القضية تمثل بداية مرحلة جديدة من التشدد الحكومي، بعد سنوات وُصفت فيها هذه المنصات بأنها تعمل في “بيئة أشبه بالغرب المتوحش” بسبب غياب التنظيم الصارم.
ترمب: العالم أصبح كازينو
في سياق متصل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه يعتزم مراجعة استخدام الموظفين الحكوميين لمنصات التوقعات، في ظل مخاوف من استغلال المعلومات السرية، وفق وكالة بلومبيرغ.
وأضاف ترمب: “العالم كله أصبح إلى حد ما كازينو… لم أكن يوما مؤيدا لهذه المنصات من حيث المبدأ”.
وكشفت الوكالة عن تحذيرات داخلية وجهها البيت الأبيض لموظفيه من استخدام معلومات غير معلنة في المراهنات أو الأسواق المالية، في وقت يدرس فيه الكونغرس تشديد الرقابة على هذا القطاع، وسط اتهامات بتساهل إداري مع هذه الظاهرة.
تصريحات ترمب جاءت بعد اتهام وزارة العدل الجندي باستخدام معلومات حكومية سرية لتحقيق منفعة مالية، وهي قضية شبهها الرئيس الأمريكي بفضائح المراهنات الرياضية التي تضرب الثقة في نزاهة المنافسة، في إشارة إلى أن المشكلة لا تتعلق بالمكسب المالي وحده، بل بإساءة استخدام موقع وظيفي أو معلومات محمية.

تضارب مصالح
تسلّط القضية الضوء على تعقيدات سياسية إضافية، إذ تشير صحيفة وول ستريت جورنال إلى ارتباط نجل ترمب، دونالد ترمب الابن، بعلاقات استشارية واستثمارية مع منصات توقعات، مما يفتح باب التساؤلات بشأن تضارب المصالح في ظل توجه الإدارة إلى مراجعة هذا القطاع.
يعمل دونالد ترمب الابن، أكبر أبناء الرئيس الأمريكي، مستشارا لكل من منصة “بوليماركت” ومنافستها الرئيسية “كالشي”، كما أنه شريك في رأس مال مخاطر لديها حصة في “بوليماركت”.
وأعلنت مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا، التابعة للرئيس، خططا لدخول مجال المراهنات التنبؤية على الرياضة والانتخابات.
وتواجه “بوليماركت” في الوقت نفسه ضغوطا تنافسية وتنظيمية، إذ تعمل على إطلاق منصة جديدة منظمة من هيئة تداول السلع الآجلة للمستخدمين الأمريكيين، بينما تقدم “كالشي” نفسها باعتبارها منصة ملتزمة بالتنظيم الأمريكي، بعد أن تجاوزت أحجام تداولها أحجام “بوليماركت” العام الماضي، وفق بيانات نقلتها وول ستريت جورنال .
كانت “بوليماركت” عدلت قواعدها في آذار الماضي لحظر التداول بناء على معلومات داخلية صراحة على منصتها الخارجية، كما ألغت بعض الرهانات المرتبطة بالحروب بعد اعتراضات عامة، وقالت إنها تعاونت مع تحقيق وزارة العدل في قضية فان دايك.

البرازيل تغلق المنصات
على الصعيد الدولي، اتخذت البرازيل خطوة حاسمة بحظر منصات التوقعات، وأغلقت 27 منصة، معتبرة أنها تمثل شكلا مقنعا من المقامرة، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وقال وزير المالية البرازيلي داريو دوريغان إن هذه المنصات حاولت تقديم نفسها بوصفها أدوات مالية، لكنها تحمل في الواقع “خصائص مدمرة شبيهة بالمراهنات”، خاصة مع تأثيرها على ديون الأسر.
وقال مسؤولون برازيليون: إن الهدف هو منع نشوء سوق مراهنات جديدة غير منظمة عبر منصات التوقعات، بعدما ربطت إدارة الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا انتشار المقامرة الإلكترونية بزيادة مديونية الأسر.
تحقيق فرنسي
في أوروبا، فتحت السلطات الفرنسية تحقيقا بعد الاشتباه في التلاعب ببيانات درجات الحرارة في مطار شارل دي غول، بالتزامن مع رهانات مرتفعة على منصة “بوليماركت”، وفق بلومبيرغ .
ورصد مكتب التنبؤات الجوية الفرنسي شبهات تلاعب بأجهزة استشعار الطقس في مطار شارل دي غول الدولي، وأحال القضية إلى الشرطة بعد تسجيل قراءات غير معتادة.

تزامنت هذه القراءات مع رهانات كبيرة على درجات الحرارة العظمى اليومية، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 1.4 مليون دولار، مما أثار مخاوف من استغلال البيانات أو التلاعب بها لتحقيق أرباح.
ووفق التقرير، قفزت قراءات الحرارة آليا في محطة الأرصاد بالمطار بواقع 4 درجات مئوية و5 درجات مئوية بصورة غير معتادة مساء يومي 6 و15 نيسان الحالي، وسجلت أعلى قراءة في الموقع خلال هذين اليومين، قبل أن تتحول رهانات درجات الحرارة في باريس على “بوليماركت” إلى الاعتماد على بيانات مطار لوبورجيه بدلا من شارل دي غول في 19 نيسان.
يحذر خبراء، وفق التقرير، من أن مثل هذه الحوادث قد تكون لها تداعيات تتجاوز الجانب المالي، خصوصا إذا مست بيانات حيوية تُستخدم في تشغيل المطارات وسلامة الطيران، ومنها بيانات الحرارة والرياح والرؤية المستخدمة في الإقلاع والهبوط وتحديد المدارج ومسارات الطائرات.
تحقيقات مستمرة
في السياق نفسه، أشار تقرير لصحيفة التايمز إلى أن منصات التوقعات مثل “بوليماركت” جعلت التربح من المعلومات الداخلية أكثر سهولة، بعدما رُصدت مراهنات ضخمة ومشبوهة سبقت أحداثا عالمية كبرى.
وشملت هذه الحالات مراهنات بمبالغ كبيرة على سقوط نيكولاس مادورو قبل ساعات من تحرك عسكري أمريكي، إلى جانب رهانات دقيقة سبقت ضربات على إيران بيوم واحد.
ونقل التقرير عن أستاذ الاقتصاد في كلية دارتموث، إريك زيتزويتز قوله: “ثمة حالات واضحة يبدو فيها أن شخصا ما عرف المعلومة قبل الجميع وتداول بناء عليها”، مشيرا إلى أن تتبع أنماط التداول، خاصة عندما تتركز في حساب واحد، يعزز فرضية وجود تسريبات متعمدة.
لكن خبراء يحذرون من أن القضايا المقبلة قد تكون أكثر تعقيدا من قضية فان دايك، إذ ترك الجندي، وفق الدعوى المدنية، مسارا ماليا سهّل تتبعه من خلال تحويلات من منصة عملات مشفرة أمريكية إلى “بوليماركت”، ثم عودة الأرباح إلى المنصة نفسها ومنها إلى حسابه المصرفي.
وتقول “بوليماركت”: إن التعاملات المسجلة على البلوكتشين تجعل رصد المخالفات أسهل، لكن منتقدين يرون أن غياب التحقق من هوية مستخدمي منصتها الخارجية قد يجعل ملاحقة المتعاملين الأكثر احترافا أصعب، خصوصا إذا استخدموا محافظ متعددة أو طرقا لإخفاء مصدر الأموال.
ولفت التقرير إلى أن مدعين فدراليين في مانهاتن يحققون في هذه الأنشطة، وسط شكوك بشأن جدية بعض الجهات التنظيمية في شن حملة صارمة، خاصة بعد استقالة مسؤولة بارزة في هيئة الأوراق المالية والبورصات احتجاجا على ما اعتبرته عرقلة لملاحقة قضايا احتيال مرتبطة بدوائر قريبة من الإدارة.
