العالم الاقتصادي- رصد
ما يظهر اليوم في أجزاء من مجرى نهر العاصي ليس منظراً طبيعياً عابراً، بل مؤشر بيئي مقلق يستدعي التعامل معه كقضية أمن مائي وزراعي قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
النبتة المعروفة محلياً باسم (عشبة أو زهرة النيل) والمعروفة علمياً باسم Water Hyacinth – Eichhornia / Pontederia crassipes، تُعد من أخطر النباتات المائية الغازية في العالم. فهي قادرة على التكاثر بسرعة كبيرة وتشكيل بساط نباتي كثيف يغطي سطح المياه، ويمنع الضوء والهواء عن النظام المائي، ويؤدي إلى تراجع الأوكسجين الذائب، وتهديد الأسماك والكائنات الحية، وإضعاف التنوع الحيوي. وتشير قاعدة بيانات الأنواع الغازية العالمية إلى أن تجمعات هذا النبات قد تتضاعف خلال مدة قصيرة قد تصل إلى 12 يوماً في الظروف المناسبة، وتسد المجاري المائية.
خطورة هذه النبتة لا تكمن في شكلها فقط، بل في آثارها المركبة، فهي تعيق جريان المياه، تسد قنوات الري ومآخذ المضخات والعبارات، تزيد فاقد المياه، ترفع تكاليف الصيانة، وتخلق بيئة راكدة قد تساعد على تكاثر الحشرات وتدهور نوعية المياه، وقد أُشير محلياً إلى انتشارها في سهل الغاب ودركوش على ضفاف العاصي، وإلى تأثيرها المباشر على الموارد المائية والزراعة والتنوع الحيوي.
كيف نعالج هذه الظاهرة؟
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بحملة موسمية محدودة، بل بخطة إدارة متكاملة ومنخفضة التكلفة نسبياً، تقوم على:
1. رصد سريع للمواقع المصابة: باستخدام فرق محلية، صور جوية بسيطة، أو طائرات مسيّرة إن أمكن، مع تحديد مناطق الاختناق عند الجسور والعبارات ومآخذ الري.
2. إزالة ميكانيكية ويدوية منتظمة: تبدأ من النقاط الأكثر خطورة، مع وضع حواجز عائمة مؤقتة لمنع انتقال الكتل النباتية مع التيار.
3. عدم تقطيع النبات داخل الماء: لأن تجزئته قد تساعد على انتشاره؛ وقد نبهت مراجع منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الفرم أو التقطيع داخل المجرى قد يفاقم المشكلة بسبب انتشار الأجزاء النباتية.
4. نقل الكتلة النباتية بعيداً عن ضفاف النهر: وتجفيفها في مواقع آمنة، ثم الاستفادة منها لاحقاً في السماد العضوي أو الغاز الحيوي أو بعض الصناعات البسيطة، بشرط ألا تتحول مواقع التخزين إلى مصدر عودة للنبتة.
5. معالجة السبب لا العرض فقط: وذلك بتخفيف مصادر التلوث العضوي والصرف الزراعي والغذيات الزائدة، لأن المياه الراكدة والغنية بالمواد العضوية والأسمدة توفر بيئة مثالية لتكاثر هذه الأنواع.
6. دراسة المكافحة الحيوية بشكل منضبط: عبر الجهات المختصة فقط، مثل استخدام الأعداء الحيوية المعروفة عالمياً ضد زهرة النيل، ومنها سوسة زهرة النيل، لكن ضمن برنامج علمي مراقب وليس بشكل عشوائي، وتشير FAO إلى أن المكافحة الحيوية قد تكون أقل كلفة على المدى الطويل وأقل ضرراً بيئياً عندما تكون جزءاً من برنامج متكامل.
7. تجنب الحلول الكيميائية العشوائية: خصوصاً في مجاري مياه تُستخدم للري أو قريبة من التجمعات السكانية، لأن الضرر البيئي والصحي قد يكون أكبر من المشكلة نفسها.
إن نهر العاصي ليس مجرد مجرى مائي؛ هو شريان زراعي وبيئي وتاريخي، والتعامل مع زهرة النيل يجب أن يكون بمنطق استباقي، لا بمنطق رد الفعل، فالنباتات الغازية قد تتحول، إذا تُركت دون إدارة، إلى تهديد يمس الأمن المائي والغذائي ويضعف قدرة المجتمعات الزراعية على الصمود، والمطلوب اليوم ليس إثارة الخوف؛ بل إطلاق استجابة مسؤولة تتجلى في جهود: رصد، وإزالة، ومنع عودة الانتشار، وتقليل التلوث، ومتابعة دائمة لهذه النبتة، فالسيطرة المبكرة أقل كلفة بكثير من إنقاذ نهر بعد أن يفقد توازنه البيئي.
