كيف يؤثر تصاعد المخاطر الإقليمية على التأمين البحري في سوريا؟

زمن القراءة: 10 دقائق

في ظلّ بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وتبدلات شروط النقل، يواصل قطاع التأمين البحري في سوريا التكيّف مع معطيات متحركة تؤثر في كلفة الشحن وتوفر التغطيات.

وتعمل الجهات التنظيمية في هذا القطاع على تطوير أدوات السوق وتعزيز مرونته، بما يضمن استمرارية الخدمات التأمينية ودعم حركة التجارة، ضمن مقاربات تستند إلى إدارة المخاطر وتوسيع خيارات التغطية المتاحة.

ومع بداية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أواخر شهر شباط الماضي، كانت علاوة التأمين على مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج نحو 0.25 بالمئة من قيمة السفينة، لكنّها ارتفعت مع تصاعد الاستهدافات إلى نحو 3 بالمئة في بعض الحالات، ما يعكس زيادة تتجاوز 10 أضعاف في معدل التسعير مقارنة بالمستويات السابقة.

وبحسب تقديرات شركة “جيفريز”، فإن ناقلة بقيمة 250 مليون دولار قد تدفع نحو 7.5 ملايين دولار كعلاوة إضافية.

كما تشير بيانات شركة “مارش” إلى أن أسعار التأمين حالياً تتراوح بين 1 بالمئة و1.5 بالمئة من قيمة السفينة، وذلك بحسب موقعها شرق أو غرب مضيق هرمز، ما يعكس تبايناً في التكلفة تبعاً لمستوى المخاطر في كلّ منطقة.

وفي هذا الإطار، أكد مدير عام هيئة الإشراف على التأمين كفاح الفرملي، لصحيفة “الثورة السورية”، أن التصعيد الإقليمي الراهن انعكس مباشرة على قطاع التأمين البحري العالمي، لا سيما ما يتعلق بتغطيات مخاطر الحرب والمخاطر السياسية.

وقال الفرملي: إن شركات تأمين وإعادة تأمين دولية عمدت إلى تشديد شروطها وتقييد نطاق تغطياتها في المناطق المصنّفة عالية الخطورة، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أقساط التأمين على السفن والبضائع العابرة لتلك المناطق، فضلاً عن إعادة تصنيف بعض المسارات البحرية كمناطق عالية المخاطر، بما يضيّق خيارات النقل البحري المتاحة أمام المستوردين والمشغّلين.

وأضاف أن هذا التأثير انعكس على تكلفة الشحن، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تبعاً لمسار الرحلة وتصنيف المنطقة.

تقاسم المخاطر وضبط التسعير

تشير تقارير إلى أن شركات إعادة التأمين اتجهت إلى إعادة تسعير برامج الكوارث والسياسات المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط قبل تجديدات منتصف العام، مع تصاعد الميل نحو إدراج حدود فرعية للتغطية، خصوصاً للأضرار الناجمة عن إغلاق الممرات البحرية أو استهداف منشآت الطاقة الحيوية.

بينما ترى مؤسسات تصنيف ائتماني مثل “موديز” أن شركات التأمين وإعادة التأمين لا تزال قادرة على استيعاب موجة مطالبات كبيرة واحدة، وأن مستوى الخسائر يبقى ضمن نطاق “قابل للإدارة” لدى المجموعات العالمية المتنوعة في السيناريو قصير الأمد.

 إلا أن التقارير نفسها تشير إلى ارتفاع “مخاطر الذيل” لدى شركات التخصص، أي المخاطر منخفضة الاحتمال عالية التأثير عند وقوعها، في حال استمرار الصراع، ما يدفع تلك الشركات إلى تبني نهج أكثر تحفظاً في قبول المخاطر الجديدة.

ولتخفيف أعباء ارتفاع تكاليف التأمين عن السوق المحلية، تعمل هيئة الإشراف على التأمين ضمن إطار السياسة الحكومية لتعزيز استقرار سوق التأمين البحري والحدّ من آثار ارتفاع التكاليف، عبر مجموعة من المحاور، أبرزها تشجيع نماذج تقاسم المخاطر مع الشركات، من خلال المجمعات التأمينية واتفاقيات إعادة تأمينية، بما يتيح توزيع الأخطار البحرية الكبيرة على أكثر من شركة، وفق الفرملي.

وأضاف الفرملي أن هذه الآلية تسهم في تخفيف الضغط عن كلّ شركة، وتحسين قدرتها على توفير التغطية، إلى جانب تعزيز التواصل مع معيدي التأمين بهدف تأمين تغطيات إضافية أو بديلة، والعمل على تحسين شروط إعادة التأمين قدر الإمكان في ظلّ الظروف الراهنة.

كما تشمل الإجراءات متابعة تسعير المنتجات التأمينية لضمان توافق الأقساط مع مستوى الخطر الفعلي، ومنع أي ممارسات تسعيرية غير مبررة، إضافة إلى دراسة آليات دعم أو تيسير تضمن استمرارية التغطيات التأمينية وعدم انقطاع سلاسل التوريد، ضمن الإمكانات المتاحة والضوابط القانونية.

وأكد الفرملي أن مخاطر الحرب والمخاطر الكارثية تبقى مرتبطة بشكل وثيق بأسواق إعادة التأمين العالمية، نظراً لحجمها وطبيعتها الاستثنائية.

ولفت إلى أن الهيئة تعمل على تيسير التغطيات التأمينية عبر إصدار وثائق جزئية أو مشروطة، في حال توقف بعض الشركات العالمية عن توفير تأمين مخاطر الحرب للسفن المتجهة إلى سوريا.

وأشار إلى العمل على تقييم كلّ رحلة أو شحنة على حدة وفق معايير فنية تتعلق بنوع السفينة وطبيعة البضائع، وتسعير هذه الرحلات وفقاً للمخاطر الخاصة بها، بما يشمل تحميلات إضافية لمخاطر الحرب أو المخاطر الاستثنائية، إلى جانب إدراج استثناءات وشروط واضحة في الوثائق لضمان الشفافية وحماية حقوق حملة الوثائق وتحديد نطاق التغطية بدقة.

وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى إدارة المخاطر ضمن الإمكانيات المتاحة، مع الحرص على عدم تعطيل حركة التجارة البحرية قدر الإمكان.

تغطيات موازية

يسهم دور الهيئة في دعم سلاسل التوريد البحرية من خلال ضمان استمرارية التغطيات التأمينية الأساسية، بما يحدّ من مخاطر توقف الشحن أو تعطل وصول البضائع، إلى جانب الحدّ من التقلبات الحادة في الأسعار عبر متابعة سياسات التسعير والتأكد من ارتباطها بالمخاطر الفعلية، وتعزيز استقرار السوق التأميني من خلال الرقابة على الملاءة المالية للشركات وضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق.

وينعكس ذلك بصورة مباشرة على استقرار عمليات الاستيراد والتوريد، وتخفيف الضغوط على الأسعار المحلية قدر الإمكان، وتعزيز الأمن الاقتصادي عبر تقليل أثر الصدمات الخارجية على سلاسل الإمداد.

وتحدث الفرملي عن خطط لتطوير دور شركات التأمين المحلية في تقديم تغطيات موازية للمخاطر الإقليمية، بما يهدف إلى تقليل الاعتماد على الشركات العالمية، مشيراً إلى توجه واضح لتعزيز هذا الدور في مجال التأمين البحري عبر محاور عدة.

وتشمل هذه المحاور رفع القدرات الفنية في الاكتتاب البحري من خلال التدريب المتخصص، وتطوير أدوات تقييم المخاطر البحرية، والاستفادة من الخبرات الدولية، إضافة إلى تشجيع إصدار وثائق تغطي مخاطر إضافية ضمن حدود مدروسة، بما في ذلك بعض المخاطر المرتبطة بالظروف الإقليمية، مع مراعاة الملاءة المالية للشركات.

كما تتضمن الجهود تطوير أدوات تسعير أكثر دقة تعتمد على معايير فنية واضحة مثل نوع السفينة وعمرها وخط سيرها وطبيعة البضائع وتصنيف الموانئ، إلى جانب تعزيز التعاون بين الشركات المحلية عبر المجمعات التأمينية أو ترتيبات مشتركة لتوزيع الأخطار.

التأمين البحري

عقد التأمين البحري هو اتفاق يلتزم بموجبه المؤمن بتغطية الأخطار التي قد تلحق بالسفينة أو البضائع أو المصالح المرتبطة بالنقل البحري خلال رحلة أو فترة زمنية محددة، مقابل قسط تأميني متفق عليه، وذلك وفقاً لأحكام التشريعات التأمينية والقوانين النافذة.

ويتميز التأمين البحري بعدد من الخصائص الفنية والقانونية التي تجعله مختلفاً عن غيره من فروع التأمين، من أبرزها:

– طبيعة الأخطار البحرية: وهي أخطار مهنية ومتخصصة تشمل أخطار الملاحة والعواصف والجنوح والتصادم والغرق والخسارات المشتركة والإنقاذ البحري، إضافة إلى مخاطر الحرب إذا أُدرجت صراحة.

– ارتباطه بالنقل الدولي والتجارة الخارجية: إذ يرتبط بشكل مباشر بعقود البيع الدولية والاعتمادات المستندية وشروط التسليم مثل (Incoterms)، ما يجعله جزءاً من منظومة سلاسل التوريد العالمية.

– تعدد محل التأمين: حيث يمكن أن يشمل بدن السفينة أو البضائع أو أجور النقل أو المسؤوليات البحرية أو المصالح المالية المرتبطة بالرحلة.

– اشتراط توفر المصلحة التأمينية وقت وقوع الخطر: إذ لا يكفي وجودها عند إبرام العقد، بل يجب أن تكون قائمة عند تحقق الخسارة لاستحقاق التعويض.

– الاعتماد على الشروط النموذجية الدولية: مثل الشروط المعتمدة في الأسواق العالمية (Institute Clauses)، مع تكييفها بما ينسجم مع القوانين الوطنية والبيئة المحلية.

ومنذ دخول الشركات الخاصة إلى قطاع التأمين في سوريا عام 2005، شهد التأمين البحري تطورات أبرزها تحديث صيغ الوثائق لتقترب من الممارسات الدولية، وتوسيع نطاق التغطيات المتاحة للبضائع والسفن، وتطوير آليات التسعير والاكتتاب بما يراعي تصنيف المخاطر البحرية، إلى جانب تعزيز الاعتماد على إعادة التأمين الخارجية لتأمين الطاقات الاستيعابية اللازمة.

أما أبرز التحديات التي تواجه القطاع والهيئة- بحسب الفرملي- فتتمثل في محدودية القدرة المحلية على تحمّل الأخطار البحرية الكبيرة والمعقدة، والارتباط الوثيق بأسواق إعادة التأمين العالمية وتقلباتها، وصعوبة تسعير بعض الأخطار الاستثنائية مثل: مخاطر الحرب والإغلاقات البحرية، إضافة إلى الحاجة المستمرة لبيانات فنية دقيقة عن الرحلات والموانئ والمسارات البحرية لتقييم المخاطر بشكل سليم.

تحديث التشريعات والأنظمة

تعمل الهيئة على تحديث التشريعات والأنظمة الناظمة لقطاع التأمين بما يتماشى مع المتغيرات الراهنة وينسجم مع توجهات الحكومة، وفق الفرملي.

كما أشار إلى العمل على تشكيل لجنة وطنية متخصصة، تتولى إعداد مشروع قانون تأمين جديد خلال فترة زمنية محددة، إلى جانب مراجعة المراسيم النافذة، مثل المرسومين /68/ لعام 2004 و/43/ لعام 2005، بما يعزز الإشراف الفعّال على القطاع.

وأضاف أن التوجهات تشمل إدخال نموذج إشراف قائم على الحوكمة والملاءة المالية والإشراف القائم على المخاطر، إضافة إلى إعادة تنظيم هيكل القطاع وتوضيح أدوار الجهات الفاعلة فيه، ورفع كفاءة الشركات العاملة، وتطوير أدوات رقابية وتشغيلية أكثر مرونة تواكب التطورات الاقتصادية والمالية، وتتيح استجابة أفضل للظروف الاستثنائية.

وأوضح أن هذه التعديلات تندرج ضمن استراتيجية أشمل لإعادة تفعيل دور التأمين كقطاع داعم للاقتصاد وحامٍ للأنشطة الإنتاجية والاستثمارية، بما في ذلك النقل البحري وسلاسل التوريد.

وشدد الفرملي على أن التطورات الإقليمية الأخيرة فرضت واقعاً جديداً على سوق التأمين البحري، من حيث ارتفاع مستويات المخاطر وإعادة تسعيرها عالمياً، ما يستدعي تعزيز دور السوق المحلية وتطوير أدوات مرنة لإدارة المخاطر وضمان استمرارية التغطية التأمينية، بما يدعم سلاسل التوريد ويحافظ على استقرار النشاط الاقتصادي في سوريا.

وعد ديب

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار