يبدو أن أزمة مضيق هرمز حرّكت المياه الراكدة، ودفعت دول المنطقة إلى إعادة التفكير جدياً في بدائل استراتيجية للنقل والتجارة، بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية الحساسة، إذ عادت مشاريع الربط البري والسككي إلى الواجهة كخيار واقعي يمكن أن يعيد التوازن إلى حركة التجارة العالمية، ويمنح دول المنطقة هامشاً أوسع من الأمان الاقتصادي.
ولعل أبرز هذه المشاريع هو إحياء خطوط السكك الحديدية التاريخية، وعلى رأسها خط الحجاز، الذي كان يوماً شرياناً حيوياً يربط بين مدن المنطقة من إسطنبول مروراً بحلب ودمشق وصولاً إلى المدينة المنورة، واليوم يُعاد طرح هذا الخط ضمن رؤية حديثة لا تقتصر على البعد التاريخي، بل تتجاوزه ليكون جزءاً من منظومة نقل إقليمية متكاملة تربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي السورية.
ولا تبدو سوريا بعيدة عن هذه التحولات، بل تمثل حلقة وصل محورية بين دول الخليج وأوروبا وبقية دول العالم عبر مسارات الربط الإقليمي، وقد تحدثت تركيا منذ أيام عن استكمال تأهيل خطوط السكك داخل أراضيها، والتي تربطها مع سوريا والعراق، تمهيداً لاستكمال الربط مع الأردن ودول الخليج.
أهمية خط الحجاز
في هذا الإطار، يوضح الاستشاري الاقتصادي الدكتور زياد عربش في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية” أن مشاريع الربط السككي بين سوريا وتركيا تشكل مصلحة إقليمية ودولية، في ظل الظروف التي تعيشها المنطقة وخطورة الاعتماد على النقل البحري.
ويقول عربش: “يحظى خط الحديد الحجازي بأهمية استراتيجية، كونه يشكل بديلاً عن مضيق هرمز في ظل التوترات مع إيران، وبذلك تصبح تركيا جسراً برياً بين أوروبا والخليج، مما يوفر بديلاً آمناً لممر يمر عبره 20 بالمئة من النفط العالمي، كما يسهم في خفض تكلفة صادرات تركيا إلى الخليج بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة، وتنويع طرق الإمداد لدول الخليج لتقليل الاعتماد على هرمز، وربط العراق بموانئ تركيا على المتوسط”.
ويضيف أن هذا المشروع يمكّن سوريا من كسر الجمود الاقتصادي واستعادة دورها كمعبر إقليمي، وتحقيق إيرادات من رسوم النقل والخدمات اللوجستية قد تصل إلى مئات الملايين سنوياً، إلى جانب توفير فرص عمل وتسهيل استيراد مواد إعادة الإعمار.
ويشير عربش إلى وجود تعاون أولي بين تركيا وسوريا، أما الأردن فلديه خط جزئي بين عمان ودرعا، في حين تبدي السعودية اهتماماً، لكن أولوياتها تتجه حالياً نحو مشاريع أخرى، مثل “طريق التنمية العراقي”.
ويؤكد أن إحياء خط الحجاز التاريخي (إسطنبول – حلب – دمشق – عمان – المدينة) لا يزال مؤجلاً، لافتاً إلى تحديات عدة، أبرزها تدمير أجزاء كبيرة من الخط داخل سوريا، واختلاف مقياس السكك بين تركيا (1435 مم) والخط الحجازي القديم (1050 مم).
ويضيف أن التكلفة المعلنة للمشروع، والبالغة 110 ملايين دولار، لا تعكس التكلفة الحقيقية، ولا تشمل إعادة تأهيل كامل الخط حتى الأردن، ويخلص إلى أن المشروع طموح لإنشاء “طريق حرير بري” يربط الخليج بأوروبا عبر بلاد الشام، لكنه مرهون بتأمين التمويل اللازم.
سوريا محور نقل إقليمي
يشير خبراء إلى أن سوريا، بموقعها الجغرافي الحيوي الذي يربط بين ثلاث قارات، تشكل محطة رئيسة في شبكات النقل المختلفة براً وبحراً وجواً.
ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة إسطنبول التجارية الدكتور سامر الخطيب أن مشاريع ربط السكك الحديدية بين تركيا وسوريا تمثل خطوة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل خريطة النقل الإقليمي، موضحاً أنها ستسهم في خفض تكاليف الشحن وتقليص زمن نقل البضائع بشكل كبير، مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية.
ويضيف أن هذه المشاريع ستفتح المجال لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين، وتسهّل حركة الصادرات والواردات، بما يدعم الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار، ويمنح الاقتصاد التركي فرصاً إضافية لتعزيز موقعه كمركز لوجستي يربط آسيا بأوروبا.
كما يشير إلى أن هذه الخطوط يمكن أن تتحول إلى ممر اقتصادي دولي مهم، في ظل التوجه العالمي نحو تنويع طرق الإمداد والبحث عن بدائل أكثر مرونة للممرات البحرية الحساسة، لافتاً إلى أن ربط تركيا بسوريا يعزز تكامل سلاسل التوريد الإقليمية، ويؤكد أن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية تعيد لسوريا دورها التاريخي كمعبر بري، وتعزز من موقع تركيا كمحور عبور رئيسي.
وحول أبرز التحديات، يوضح أن المشروع يتطلب استثمارات كبيرة لتحديث البنية التحتية وربطها بمعايير تشغيل موحدة، إلى جانب إنشاء أطر تنسيقية واتفاقات تشغيل مشتركة لضمان استمرارية وكفاءة الحركة التجارية.
يُذكر في هذا السياق أن وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا وقعوا، في 7 نيسان الجاري، مذكرة تفاهم ثلاثية تهدف إلى تطوير قطاعات النقل وتعزيز الربط اللوجستي بين الدول الثلاث، وذلك ضمن اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة التي استضافتها العاصمة الأردنية عمّان.
وسيشمل التعاون، بموجب المذكرة، تعزيز الربط السككي الإقليمي من خلال تشكيل لجنة فنية ثلاثية لمتابعة التنفيذ، إلى جانب تطوير النقل البري والبحري والسككي، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل حركة الشحن والركاب، وتبسيط الإجراءات الحدودية.
وأكد وزير النقل السوري يعرب بدر أن مذكرة التفاهم تتضمن “خارطة طريق واضحة تحدد الأنشطة المطلوب تنفيذها على مستوى مؤسسات النقل في الدول الثلاث، ضمن برنامج زمني يمتد لثلاث سنوات”، موضحاً أن هذه الخارطة “تمثل التزاماً عملياً بتحويل الحدود إلى جسور للتنمية والتكامل”، وأن تفعيل ممر الشرق الأوسط عبر هذه الدول سيُحدث تحولاً نوعياً في المشهد الاقتصادي الإقليمي.
من جانبه، صرّح وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو لوكالة “الأناضول” بأن تركيا تخطط لتمديد خط السكك الحديدية داخل أراضيها وصولاً إلى مدينة حلب السورية، في إطار جهود إحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي.
وأشار إلى أن المشروع يحتاج إلى نحو 110 ملايين دولار، لافتاً إلى وجود خط حديدي عامل بالفعل بين حلب ودمشق، مضيفاً: “سنعمل على إحياء خط السكك الحديدية الممتد من نصيبين جنوب شرقي تركيا إلى القامشلي شمال شرقي سوريا، بما يؤمّن اتصالاً مع كل من سوريا والعراق، وهذه المشاريع مدرجة ضمن جدول أعمالنا”.
وأعلن أورال أوغلو انتهاء أعمال التجديد على عدد من خطوط السكك الحديدية، موضحاً أنه “تم استكمال أعمال الصيانة والإصلاح بين قرقاميش ونصيبين بطول 325 كيلومتراً، وكذلك بين ماردين وشنيورت بطول 25 كيلومتراً، بعد توقفها خلال الفترة بين 2011 و2024، حيث أُعيد فتح المسار أمام حركة القطارات”.
وقال الوزير التركي إن الأعمال المنفذة تعد عملية تجديد شاملة تلبي الاحتياجات المتراكمة لسنوات طويلة، مشيراً إلى أن الخط الحدودي مع سوريا جرى تجهيزه ببنية تحتية وفوقية أكثر متانة، ما سيزيد من قدرة نقل البضائع ويسهم في تعزيز التكامل الإقليمي.
بسام الرحال
المصدر: الثورة السورية
