العالم الاقتصادي- روعة غنم:
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما ما يتعلق بحركة الملاحة في مضيق هرمز، تبرز تساؤلات بشأن التداعيات الاقتصادية المباشرة على أسعار النفط، وتكاليف الشحن وانعكاساتها على الاقتصادات المحلية.
وفي هذا السياق أجرت مجلة “العالم الاقتصادي” حواراً مع الدكتور باسم غدير أستاذ في قسم إدارة الأعمال في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، لتسليط الضوء على أبرز الآثار المتوقعة لإعادة فتح المضيق، وانعكاس ذلك على الواقع الاقتصادي في سوريا.
* ما أبرز الآثار الاقتصادية الفورية لإعادة فتح مضيق هرمز في أسعار النفط عالمياً؟
** هذا الموضوع يرتبط بكمية المعروض من النفط عالمياً، فمن المعروف، حسب نظرية العرض والطلب، أن عودة العرض من النفط إلى الارتفاع ستعمل تلقائياً على خفض الأسعار، إذ ربما تنخفض الأسعار إلى حدود 5% مبدئياً وتستمر في الانخفاض، مع التأكد من استقرار تدفق النفط عبر المضيق، وهناك أمر أيضاً ربما يؤثر في زيادة الانخفاض، لكن يصعب تحديده وهو السوق الموازية وسوق المضاربة على النفط، واللتين عادة ما تزداد حدتهما مع أزمات طارئة كهذه.
* كيف سينعكس ذلك على تكاليف الشحن والتأمين وحركة التجارة في المنطقة؟
** هذا الأمر ينسحب على كل ما يتعلق بظروف النقل العالمي ولوجستياته المرتبطة، بدءاً من انخفاض أقساط التأمين بسبب الحرب، إلى انخفاض نولون الشحن، أي الزمن اللازم، بسبب زيادة سرعة وتيرة الوصول، وهذا بدوره سينعكس إيجاباً على حركة التجارة في المنطقة بسبب انخفاض الفاتورة الاستهلاكية للمستهلك النهائي عموماً.
* في حال استقرار الملاحة في مضيق هرمز، ما حجم الانعكاس المتوقع على تكلفة استيراد النفط والمشتقات النفطية في سوريا؟
**هذا يرتبط بناحيتين؛ الأولى هي الكمية المعروضة من النفط والمشتقات النفطية المستوردة، والتي ينطبق عليها تماماً ما تحدثنا عنه في السؤال الأول، والمتعلق بانخفاض أسعار النفط ومشتقاته، والناحية الثانية هي انخفاض سعر الصرف لليرة السورية، فقد لاحظنا أن الذي زاد سعر المشتقات النفطية في سوريا هو انخفاض سعر صرف الليرة، مقابل الدولار خلال فترة الحرب، إذ ربما كان لوجود كميات مستوردة سابقاً أثر في عدم وصول سوريا إلى مرحلة التأثر بالناحية الأولى أكثر من تأثرها بالناحية الثانية المتعلقة بسعر الصرف.
* إلى أي حد يتأثر الواقع المعيشي في سوريا بتقلبات أسعار النفط عالمياً، خصوصاً من حيث أسعار النقل والسلع الأساسية؟
** لقد تأثر النقل الداخلي في سوريا، بشكل مباشر، وذلك بسبب انخفاض سعر صرف الليرة، ما جعل هناك ارتفاعاً بأجور النقل عاشه المواطن السوري في الثلث الأخير من الحرب الدائرة، ومن الطبيعي أيضاً أن تزداد أسعار السلع بسبب انخفاض التدفق السلعي من ناحية، وارتفاع سعر الصرف من ناحية ثانية، ولا يخفى على أحد أن أي ارتفاع في تكاليف الطاقة سينعكس مباشرة على مختلف العمليات الإنتاجية أيضاً، فالمزارع الذي ارتفعت عنده تكاليف الطاقة؛ عكس ذلك على الوحدة الواحدة من إنتاجه، مع الإضافة الناتجة عن نقل المنتج من مصادر إنتاجه إلى سوق استهلاكه، وهذا ينسحب على جميع القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى.
* في رأيكم، هل تمتلك سوريا القدرة على الاستفادة من أي تحسن في سوق الطاقة العالمية، أم إن التحديات الداخلية ستحدّ من ذلك؟
** المشكلة في سوريا- حتى الآن- هي في التطبيق العملي لرفع العقوبات، فأي حديث عن تحسن اقتصادي أو الاستفادة من ميزات الطاقة المتوافرة أو المستوردة مرهون بالتطبيق الفعلي لرفع العقوبات عن سوريا، وهذا يرتبط عضوياً بإعادة بناء البنية التحتية، وإعادة الإعمار بشكل عام، إضافة إلى أن الدولة تحتاج إلى وقت لإعادة ربط كل الملفات العالقة اقتصادياً ببعضها، من إعادة الإشراف على منابع إنتاج الطاقة (شرق الفرات)، وإعادة تأهيل المخرّب منها، مع إعادة استثمار المتوقف في تلك المنطقة أو غيرها من المناطق ذات المنابع المشابهة في سوريا، وسوريا تمتلك فرصة اقتصادية مميزة لإعادة أمنها الغذائي والطاقي، لكن هذا الأمر مرتبط بإمكانية السيطرة على الخريطة الاقتصادية المتكاملة لسوريا ككل.
في المحصلة
يبقى تأثير إعادة فتح مضيق هرمز عاملاً مهماً في تهدئة أسواق الطاقة عالمياً، إلا أن انعكاساته على الاقتصاد السوري تظل مرتبطة بجملة من العوامل الداخلية، أبرزها سعر الصرف، واقع البنية التحتية، آليات الاستيراد، إضافة إلى تطورات المشهد السياسي والاقتصادي العام، وبين الفرص المتاحة والتحديات القائمة، تبقى الاستفادة الفعلية مرهونة بقدرة الاقتصاد السوري على التكيّف مع المتغيرات الدولية، وإعادة بناء مقوماته الأساسية.
