تحدث حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية عن تداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد السوري، متوقعاً ارتفاعاً في التضخم مع ارتباط وتيرته بمدة الحرب.
كما استعرض الحصرية في مقابلة مع “العربية Business” على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، توجهات “المركزي” في إدارة سعر الصرف عبر إعداد حزمة قرارات، وخطط استبدال الكتلة النقدية، إلى جانب الرهان على استعادة موارد المنطقة الشرقية لدعم الاكتفاء الذاتي وتعزيز الصادرات.
قال حاكم مصرف سوريا المركزي: إن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران كان لها تأثير محدود نسبياً على الاقتصاد السوري مقارنة بدول أخرى، مشيراً إلى أن سوريا تُعد من أقل الدول تأثراً بتداعيات هذه الحرب، وإن لم تكن بمنأى عنها بالكامل.
وأضاف الحصرية أن سوريا كانت قد حققت تقدماً ملحوظاً في كبح التضخم قبل اندلاع الأزمة الأخيرة، موضحاً أن “معدل التضخم انخفض من 117% ليلة سقوط النظام السابق إلى نحو 15% بنهاية عام 2025″، لافتاً إلى أن أرقام يناير 2026 أظهرت معدلات تضخم عند حدود 1.9%، قبل أن تفرض الحرب واقعاً جديداً.
وأوضح أن الحرب أدت بطبيعة الحال إلى ضغوط تضخمية إضافية، قائلاً: إن “ارتفاع معدل التضخم أمر متوقع في ظل أي صدمة جيوسياسية، كما أن هناك تأثيراً مرحلياً على سعر الصرف، لكننا نعمل على احتوائه وسنتجاوزه”.
وأشار إلى أن مستقبل التضخم واتجاهه خلال الفترة المقبلة مرتبط بدرجة أساسية بطول أمد الأزمة، وبحجم الارتفاع في أسعار الطاقة عالمياً، مؤكداً أن هذه العوامل ستحدد سقف الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد السوري.
تخفيف أثر الصدمة
وفيما يتعلق بالإجراءات المتخذة لتخفيف أثر الصدمة، قال الحصرية: إن المصرف المركزي اتخذ حزمة من التدابير المرتبطة بعمليات الاستيراد وتأمين الاحتياجات الأساسية، مستفيداً من عودة المنطقة الشرقية لسيطرة الدولة السورية.
وأضاف أن “المنطقة الشرقية تضم موارد نفطية مهمة، وعودة إنتاج النفط ستساعدنا على تغطية جزء كبير من احتياجاتنا الداخلية، ما يوفر نوعاً من العزل الداخلي ضد صدمات أسعار الطاقة العالمية”، مؤكداً أن العمل جارٍ على إعادة تأهيل آبار النفط.
وأوضح أن تحقيق الاكتفاء الذاتي النفطي، حتى بالحد الأدنى، سيساهم في تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة محلياً، لكنه أقر في الوقت ذاته بأن “ارتفاع تكاليف المستوردات سيبقى له أثر على معدل التضخم الداخلي، وهو أمر لا يمكن تجاهله”.
سعر الصرف
وحول السياسة النقدية في المرحلة الحالية، قال الحصرية: إن مصرف سوريا المركزي يدير سياسته النقدية عبر مزيج من أدوات أسعار الفائدة، وإدارة السيولة، وسعر الصرف، لافتاً إلى إعداد حزمة إجراءات تهدف إلى منح الاقتصاد السوري مرونة أعلى لامتصاص الصدمات.
وأضاف أن هذه الإجراءات تُنفذ بالتنسيق مع وزارات الطاقة والمالية، مؤكداً أن “العمل الجماعي بين السياسات النقدية والمالية والطاقة هو السبيل لتقليل أثر الصدمة على الاقتصاد السوري”.
وفيما يخص وضع الليرة السورية، أوضح الحصرية أن سعر الصرف شهد استقراراً نسبياً خلال العام الماضي بين 10 آلاف و11 ألف ليرة للدولار، مشيراً إلى أن هذا الاستقرار تحقق على مدار عام كامل.
وأضاف أنه “من الطبيعي أن تتعرض العملة لبعض الضغوط في ظل صدمة بحجم الحرب الحالية”، مؤكداً أن المصرف المركزي ماضٍ في إصلاح سوق الصرف عبر حزمة قرارات تستهدف الحد من التذبذبات.
وشدد على أن المصرف المركزي يتبع سياسة “التعويم المُدار”، موضحاً أن بعض التأثيرات على سعر الصرف أمر متوقع، لكن يتم التعامل معها وفق أسبابها الحقيقية، وليس السماح بأن تكون المضاربات هي العامل المسيطر على السوق.وأكد أن “عزل
المضاربات عن سوق الصرف يمثل أولوية قصوى”، معتبراً أن حماية السوق المحلية خلال فترات الصدمات ضرورة لضمان مرور الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.
وردّاً على تساؤلات بشأن محدودية الاحتياطيات الأجنبية، قال الحصرية: إن “الاحتياطيات وحدها لا تكفي لضبط سوق الصرف”، مشدداً على أهمية أن يعكس سعر الصرف وقائع الاقتصاد السوري الحقيقية، لا تحركات مضاربية.
وأضاف أن المصرف المركزي أنجز نحو 50% من عملية استبدال الكتلة النقدية، مؤكداً أنه “لم يتم ضخ عملات جديدة في السوق، وبالتالي فإن التمويل بالعجز غير وارد إطلاقاً في قاموس المصرف المركزي”.
عودة المنطقة الشرقية
وعن آفاق النمو الاقتصادي خلال عام 2026، أوضح الحصرية أن التقديرات ستبقى إيجابية رغم الحرب، مشيراً إلى أن عودة المنطقة الشرقية لا تعني فقط عودة الأراضي، بل عودة السكان وإنتاجيتهم ومشاركتهم في بناء “سوريا الجديدة”.
وأضاف أن المنطقة الشرقية غنية بالموارد، من نفط وغاز وقطن وقمح، وهو ما يعزز آفاق النمو، لافتاً إلى أن “عودة هذه المنطقة أعادت للحكومة السورية دفتر الشيكات، وقلّصت اعتمادها على وسائل تمويل بديلة”.
وأوضح أن التحدي الحالي هو عامل الوقت اللازم لاسترداد الطاقة الإنتاجية الكاملة لآبار النفط، مشيراً إلى أن الإنتاج الحالي يتراوح بين 120 و150 ألف برميل يومياً، مع طموحات بالوصول تدريجياً إلى 800 ألف برميل يومياً وتجاوز هذا الرقم في مرحلة لاحقة.
وأكد الحصرية على أن هذه المعطيات تدعم توقعات نمو الاقتصاد السوري، واستقرار سعر الصرف على المدى المتوسط والطويل، مشدداً على أن “السياسة النقدية تستهدف سعراً للصرف يخدم الصادرات ويحقق توازناً مستداماً في الاقتصاد، مع إعطاء أولوية للصادرات باعتبارها ركيزة أساسية للنمو”.
المصدر: العربية
