طائرات بدون طيار.. أدوات ذكية لدعم الزراعة والصناعة في سوريا

زمن القراءة: 7 دقائق

يتزايد في سوريا بشكل لافت الاهتمام بالطائرات المسيّرة كوسيلة حديثة للتصوير والمراقبة في العديد من القطاعات الاقتصادية، حيث تُستخدم في إجراء المسوح الزراعية، ومراقبة المحاصيل والمراعي، ومتابعة المنشآت الصناعية والنفطية وسير العمل فيها، إضافة إلى تفقد المعدات والبنية التحتية، واستكشاف المواقع الصناعية والتعدينية، كما تُوظَّف في تصوير ومراقبة المواقع السياحية والأثرية، ورصد التغيرات البيئية في الأنهار والبحار والمناطق الصحراوية، ما يفرض ضرورة تحفيز الابتكار وتطوير البرمجيات المرتبطة بهذه التقنيات داخل سوريا.

وفي ضوء ذلك، تبرز تساؤلات حول القيمة المضافة التي يمكن أن يحققها توظيف الطائرات المسيّرة اقتصادياً وتنموياً، ومدى تسارع الخطى نحو تعميم استخدامها في مختلف القطاعات، وإمكانية توسيع نطاق هذا الاستخدام خلال مرحلة البناء وإعادة الإعمار المقبلة.

ثورة حقيقية في إدارة القطاعات

لم تعد طائرات “الدرون” في سوريا تقتصر على هواة التصوير أو الاستخدامات الترفيهية، فقد باتت حاضرة في صلب التفكير الاقتصادي والتنموي، لما توفره من خدمات نوعية في قطاعات متعددة، وفي هذا السياق، أكد المدير العام لهيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية الدكتور ياسر عليوي، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن التكنولوجيا الحديثة لم تعد خياراً ترفياً، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز الكفاءة وبناء اقتصاد مرن قادر على التكيف.

وأوضح عليوي أن الاهتمام بتقنيات الطائرات المسيّرة يشهد تزايداً ملحوظاً في سوريا، حيث تحولت من وسيلة للتصوير إلى أدوات استراتيجية للمراقبة وجمع البيانات في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.

وأضاف: “تنظر الهيئة إلى هذه التقنية بوصفها فرصة واعدة تتطلب مواكبتها وتأطيرها ضمن معايير قياسية تضمن الاستخدام الأمثل والآمن لها، بما يدعم عجلة الإنتاج، ويعزز التوجه نحو الزراعة الذكية لتحقيق الأمن الغذائي”.

وفيما يتعلق بقطاعي الصناعة والبنية التحتية، أشار عليوي إلى أن الطائرات المسيّرة تسهم في تعزيز كفاءة المنشآت الصناعية، وتسهيل العديد من التحديات الميدانية، لافتاً إلى أنها تقدم حلولاً مبتكرة لتجاوز العقبات اللوجستية وتحديات السلامة المهنية، كما أن استخدامها في مراقبة المنشآت الصناعية الكبرى، وتفقد خطوط التوتر العالي، وأنابيب النفط، والجسور، يقلل من المخاطر التي قد يتعرض لها العاملون، فضلاً عن دورها في استكشاف المواقع الصناعية والتعدينية، وإجراء المسوح الطبوغرافية الدقيقة التي تسبق عمليات الاستثمار، ما يوفر الوقت والجهد والتكاليف.

وأكد عليوي أن هذه التقنيات تشكل حافزاً مهماً لتطوير الكفاءات الوطنية وصناعة البرمجيات، موضحاً أن القيمة الحقيقية لطائرات الدرون لا تقتصر على بنيتها التقنية، بل تكمن في البيانات التي تجمعها، وأضاف أن هذا الواقع يفتح المجال أمام تطوير برمجيات محلية لتحليل الصور الجوية ومعالجة البيانات المكانية، وتطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإدارة الطائرات المسيّرة، بما يسهم في خلق فرص عمل نوعية، وتعزيز قطاع التكنولوجيا في الاقتصاد الوطني.

كما لفت إلى أن الطائرات المسيّرة تفتح آفاقاً واسعة في مجالات السياحة والبيئة والخدمات اللوجستية، ولا تقتصر فوائدها على الإنتاج المادي فحسب، بل تمتد لتشمل الترويج للمقومات السياحية والثروات الطبيعية في سوريا، إذ توفر طائرات “الدرون” صوراً بانورامية عالية الجودة تسهم في توثيق المواقع السياحية والأثرية بأساليب احترافية تعزز جاذبيتها.

أما في المجال البيئي، فتُعد الطائرات المسيّرة أداة فعالة لرصد التغيرات البيئية، ومراقبة الغابات، والحد من التعديات والحرائق، وفق ما أوضحه عليوي، الذي توقع توسع استخداماتها مستقبلاً في قطاع الخدمات، وصولاً إلى خدمات النقل والتوصيل السريع، ولا سيما في الحالات الطارئة أو في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

وشدد في ختام حديثه، على أن تبني التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة، يمثل خطوة واثقة نحو المستقبل، مؤكداً أن دور الهيئة يتمثل في مواكبة هذا التطور من خلال وضع اللوائح الفنية والمعايير القياسية التي تضمن جودة هذه التقنيات وتنظم استخدامها، بما يحقق أقصى فائدة اقتصادية ويحافظ على متطلبات الأمن والسلامة، وأكد أن سوريا، بما تمتلكه من كفاءات وطنية ورغبة في التطور، قادرة على توظيف هذه التكنولوجيا كرافعة حقيقية للتنمية المستدامة وإعادة البناء.

الزراعة ميدان واعد للدرون

وفيما يتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة في القطاع الزراعي، أوضح مدير إدارة الاتصال والدعم التنفيذي في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية الدكتور محمد مارديني في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا القطاع يشكل ميداناً واسعاً وواعداً لاستخدامات “الدرون”، نظراً لما توفره من خدمات نوعية تدعم الإنتاج الزراعي.

وبيّن مارديني أن الطائرات المسيّرة توفر صوراً عالية الدقة تتيح للمزارعين رؤية شاملة للحقول، ما يساعد على اكتشاف المشكلات مبكراً، كما تسهم في تحسين إدارة أنظمة الري، إذ يُعد ضبط كميات المياه بدقة من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، وأضاف أن هذه الطائرات تتيح أيضاً مراقبة أنظمة الري المحورية، حيث يمكنها فحص الأبراج والعجلات ورؤوس الرشاشات دون الحاجة إلى التنقل الميداني، ما يقلل من الأعطال والخسائر الناتجة عن توقف الري.

وأشار إلى أن تزويد الطائرات المسيّرة بكاميرات حرارية أو مستشعرات رطوبة يتيح الكشف المبكر عن الأمراض والآفات، إذ يمكن، عبر التصوير متعدد الأطياف، رصد التغيرات في لون وكثافة النباتات، ما يساعد على التدخل السريع وتقليل استخدام المبيدات، وبالتالي تحسين جودة الإنتاج الزراعي.

وأضاف أن طائرات “الدرون” تسهم كذلك في تقييم حالة التربة، من خلال جمع بيانات دقيقة حول تركيبتها ودرجات حرارتها ومستويات الرطوبة ونسب المواد العضوية فيها، فضلاً عن دورها في توفير الوقت والجهد، إذ يمكن إنجاز عمليات المسح والمراقبة في الحقول الواسعة خلال وقت قصير، ما يتيح إعداد خرائط دقيقة للمزارع، كما تُستخدم في عمليات الرش الجوي للمبيدات والأسمدة بدقة عالية، دون الإضرار بالمحاصيل، إلى جانب دورها في متابعة نمو النباتات وتحليل أدائها باستخدام الصور الدورية والبرمجيات التحليلية.

وفي ظل التوسع العالمي المتسارع في استخدام الطائرات المسيّرة، لم يعد حضورها مقتصراً على القطاعات المدنية فحسب، فقد باتت عنصراً مؤثراً في مجالات متعددة، بما فيها الاستخدامات العسكرية، ما يجعل هذه التقنية مرشحة للعب دور محوري في مستقبل التنمية وإدارة الموارد بكفاءة أعلى، وبالنسبة لسوريا، فإن مواكبة هذا التطور باتت ضرورة، إذ إن تطوير هذه التقنية محلياً، ودعم الابتكار المرتبط بها، من شأنه أن يتيح الاستفادة من إمكاناتها الكبيرة، وتحويلها إلى أداة استراتيجية تسهم في تسريع التعافي وبناء اقتصاد أكثر حداثة.

بسام الرحال

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار