الاستثمار الزراعي يعزز مسار التنويع الاقتصادي في عُمان

زمن القراءة: 6 دقائق

تمضي سلطنة عُمان في إعادة صياغة نموذجها التنموي من خلال تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، حيث يبرز القطاع الزراعي كأحد المحركات الإستراتيجية القادرة على تحقيق التوازن بين النمو والاستدامة.

ولم يعد الاستثمار في هذا القطاع مجرد نشاط تقليدي مرتبط بالإنتاج الغذائي، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء اقتصاد متنوع وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات.

وتعتمد الرؤية الاقتصادية العُمانية 2040 على تقليص الاعتماد على العائدات النفطية، وهو ما جعل القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة، في صلب السياسات التنموية.

أحمد العبري: القطاع يشهد تنوعاً متزايداً في المشاريع مع التركيز على المحاصيل الإستراتيجية مثل القمح

وعلى الرغم من أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال في حدود اثنين إلى 3 في المئة، فإن أهميته تتجاوز هذه النسبة بكثير، نظراً لدوره الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتنشيط سلاسل الإمداد المحلية.

وشهدت السنوات الأخيرة تحولًا في طبيعة الاستثمارات، حيث لم تعد تقتصر على الأنشطة التقليدية، بل امتدت لتشمل الزراعة الذكية، والبيوت المحمية، والتقنيات الحديثة في الري، إضافة إلى مشاريع التصنيع الغذائي التي تعزز القيمة المضافة للمنتجات المحلية.

وهذا التحول يعكس وعياً متزايداً بأهمية الانتقال من الإنتاج الخام إلى منظومات إنتاج متكاملة ترفع من كفاءة الاقتصاد.

كما يتم التركيز على تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يفتح المجال أمام المستثمرين المحليين والدوليين للدخول في مشاريع ذات جدوى اقتصادية عالية.

ولا يمكن فصل هذا التوجه عن التحديات العالمية التي فرضت نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة، خاصة ما يتعلق باضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.

وهذه المعطيات دفعت العديد من الدول، بما فيها عُمان، إلى إعادة النظر في سياساتها الزراعية، والانتقال من منطق الاستيراد إلى منطق الإنتاج المحلي المدعوم بالتكنولوجيا والاستثمار طويل الأمد.

وفي هذا الإطار، تلعب المحافظات الزراعية دوراً محورياً في ترجمة هذه السياسات إلى واقع ملموس، من خلال استقطاب المشاريع الاستثمارية وتوفير بيئة ملائمة لنموها.

وتبرز مناطق مثل الظاهرة والباطنة والداخلية كنماذج حية على هذا التوجه، حيث يتم استغلال الموارد الطبيعية بشكل أكثر كفاءة، مع دعم حكومي يهدف إلى تسهيل الإجراءات وتحفيز المستثمرين.

وترسخ الظاهرة، على سبيل المثال، موقعها كأحد أبرز الأقطاب الزراعية والحيوانية بالبلد، مستفيدة من مقومات طبيعية متكاملة تشمل الأراضي الخصبة وتوفر الموارد المائية، ما يجعلها بيئة واعدة لاستقطاب الاستثمارات المرتبطة بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

وشهدت المحافظة خلال السنوات الأخيرة نمواً لافتاً في حجم المشاريع الاستثمارية الزراعية، حيث تجاوز عددها 50 مشروعاً تغطي مساحة تقارب 9 آلاف فدان، باستثمارات تفوق 50 مليون ريال (130 مليون دولار).

وتتوزع هذه الاستثمارات بين الأنشطة الزراعية والإنتاج الحيواني وموارد المياه، إضافة إلى الأسواق السمكية.

130 مليون دولار حجم التدفقات الاستثمارية الموجهة إلى الزراعة

في الباطنة وفق دائرة التنمية الزراعية بالمحافظة

ويعكس هذا التنوع توجهاً استراتيجياً نحو بناء منظومة غذائية متكاملة وقادرة على تلبية الطلب المحلي وتعزيز فرص التصدير.

وأوضح أحمد بن راشد العبري، مدير دائرة التنمية الزراعية بالمحافظة، أن القطاع يشهد تنوعاً متزايداً في المشاريع، مع التركيز على المحاصيل الإستراتيجية مثل القمح، إلى جانب التوسع في زراعة النخيل والتين والعنب، لما تمثله من قيمة اقتصادية وغذائية.

وبحسب تصريحات أوردتها وكالة الأنباء العمانية الرسمية عن العبري فإن هذا التوجه يشمل تطوير الزراعة المحمية وإنتاج محاصيل مثل الثوم والبصل، في إطار تعزيز الإنتاجية وتحقيق نسب أعلى من الاكتفاء الذاتي.

مواشي

أما في قطاع الثروة الحيوانية، فتتجه الاستثمارات نحو مشاريع متكاملة تشمل تربية الماشية وتحسين السلالات المحلية، وإنتاج اللحوم الحمراء، إلى جانب مشاريع الألبان ومشتقاتها باستخدام تقنيات حديثة ترفع من كفاءة الإنتاج وجودته، بما يعزز سلاسل القيمة الغذائية.

وتتجاوز أهمية هذه المشاريع بعدها المحلي، حيث تسهم في دعم مؤشرات الأمن الغذائي الوطني، وتقليص الاعتماد على الواردات، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء.

وعلى صعيد البنية المؤسسية، تتجه الجهات المختصة إلى تعزيز استدامة الموارد المائية عبر مبادرات مبتكرة، من بينها تخصيص مواقع وقفية لدعم صيانة الأفلاج، بما يضمن استمرارية هذا النظام المائي التقليدي الذي يشكل ركيزة أساسية للزراعة في السلطنة.

رغم أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال في حدود اثنين إلى 3 في المئة، فإن أهميته تتجاوز هذه النسبة بكثير

كما يجري العمل على طرح فرص استثمارية في مجال التصنيع الغذائي بالتعاون مع المؤسسة العامة للمناطق الصناعية “مدائن”، بهدف تعظيم القيمة المضافة للمنتجات الزراعية.

وفي إطار التحول الرقمي، تمثل منصة “تطوير” أداة نوعية لتعزيز بيئة الاستثمار، حيث توفر قاعدة بيانات متكاملة حول الفرص الاستثمارية، تشمل تفاصيل الأراضي المتاحة، والمساحات، والاشتراطات، والمزايا المرتبطة بكل مشروع، مثل الإعفاءات المؤقتة من الرسوم وتكاليف الانتفاع الثابتة.

كما تتيح المنصة قنوات تواصل مباشرة مع المستثمرين، وخدمة “اقترح مشروعك” لدعم الابتكار وتوسيع قاعدة المشاريع.

ومن المنتظر أن يتم طرح نحو 30 فرصة استثمارية جديدة في محافظة الظاهرة عبر المنصة خلال عام 2026، موزعة على مختلف المجالات الزراعية والغذائية، في خطوة تعكس التوجه نحو توطين الاستثمارات وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن تسير تمضي بثبات نحو التحول إلى مركز إقليمي للإنتاج الزراعي والغذائي، مدعومة بسياسات حكومية مرنة واستثمارات متنامية، بما يعزز مكانة السلطنة في خارطة الأمن الغذائي على المستويين الإقليمي والدولي.

آخر الأخبار