التصعيد العسكري في المنطقة.. ما هي التأثيرات على اقتصاد سوريا؟

زمن القراءة: 11 دقائق

العالم الاقتصادي – وليد أبو السل

عزز الموقع الجغرافي لسوريا، من رصيدها لتصبح دولة إقليمية مهمة في المنطقة العربية، باعتبارها نقطة تلاقي القارات الثلاث، وجزءً لا يتجزأ مما كان يعرف بـ “سوريا الكبرى”، ومحطة استراتيجية مهمة على طريق التجارة الدولي الواصل بين الصين ودول المنطقة مروراً بمدينة حلب أو ما كان يعرف بطريق الحرير.

إلا أن هذا الموقع الهام جعل منها نقطة جذب واستقطاب لعديد من الدول الطامعة فيها منذ فجر التاريخ، ويذهب بعض المؤرخين والباحثين إلى القول: بأن ما تعرضت له سوريا عبر التاريخ من حروب وغزوات، كان الهدف منها، منعها من أن تكون نواة مشروع تنموي اقتصادي كبير في المنطقة.

لقد تعرضت سوريا على مدى 14 عاماً من عمرها إلى حرب أتت على جلّ قدراتها ومقدراتها طالت بنيتها التحتية، ما رفع من قيمة فاتورة إعادة إعمارها وتأهيل بنيتها من جديد، لتصل إلى نحو 400 مليار دولار “حسب تقديرات أولية”، فرفعت الحكومة شعار “إعادة الإعمار من خلال الاستثمار”، في خطوة تهدف إلى الاعتماد على مقدرات البلاد المتبقية بعد التحرير، واستثمارها بالشكل الأمثل لإصلاح ما دمرته الحرب على مدى السنوات الماضية، كما رسمت ملامح لاقتصادها الجديد المنفتح على أسواق العالم المختلفة، بدل سياسة السوق المغلقة التي كانت تنتهجها الحكومة السابقة في إدارة شؤون البلاد، الأمر ذاته اتبعته الدبلوماسية السورية الجديدة في فتح قنوات مع العديد من دول العالم وفق أسس احترام سيادة البلاد، ومكانة سوريا ودورها الاستراتيجي في المنطقة.

 شكل الاقتصاد السوري عشية الحرب الدائرة في المنطقة

إن الأحداث الدامية التي مرت بها سوريا على مدى 14 عاماً من تاريخها، دفع بها لتكون ذات ارتباط عميق بالمحاور الإقليمية والدولية، فأصبحت شديدة الارتباط بأي صراع قد تشهده المنطقة، مهما كان نوعه وشكله، وإن تداعيات أي نوع من هذه الصراعات يصيب مقدراتها الاقتصادية وربما البشرية، حالها كحال أي دولة أخرى قريبة.

قبل نحو أربعة أيام من اندلاع الحرب على إيران، وتحديداً في شباط من العام الحالي، أصدر صندوق النقد الدولي في ختام الزيارة التي قامت بها بعثته إلى سوريا بياناً، قال فيه: إن الاقتصاد السوري بات يشهد “تحسناً بوتيرة متسارعة”، مستنداً على عدة معطيات أساسية، أبرزها ارتفاع معدلات الناتج الإجمالي المحلي الإسمي، بعد مرحلة من الانكماش التراكمي، بلغ 54% ، وذلك بين أعوام 2011-2025 (وهو أكبر انكماش تشهده أي دولة في المنطقة)، حيث قدر البنك الناتج الإجمالي للبلاد بنحو21,4 مليار دولار مقارنة بالفترة ما قبل عام 2011، مسجلاً ما قيمته 67,5 مليار دولار، فيما سجل الاقتصاد السوري نمواً قدره (حسب الصندوق) ب 4,8 % في عام 2025، وسرعان ما ارتفع إلى ما نسبته 5% إلى 10% (وفق بيانات الحكومة الرسمية)، إلا أن الصندوق قللّ من هذه النسبة ليحددها بنحو 4-6%، لكنه لم يخفِ، في الوقت ذاته، ما حققه الاقتصاد السوري من بوادر نمو حقيقية خلال العام الحالي.

 وأشار الصندوق في بيانه إلى أن الاقتصاد السوري سجل مؤشرات تعافٍ متسارع، وأن سوريا حققت فائضاً في ميزانية عام 2025، كما ركزت على الإنفاق على الاحتياجات الأساسية والأجور، مع الإشارة إلى أن الحكومة في البلاد مهتمة بإعادة تشكيل هيكلية اقتصادية جديدة، وإن الصندوق تعهد بدعمها.

التداعيات المحتملة للحرب وأثرها على الاقتصاد السوري

لن يستطيع أحد استشراف تداعيات الحرب الدائرة حالياً بشكل جازم ودقيق، وإن كل ما يقال لا يعدُ عن كونه مجرد توقعات، إلا أن المحللين والمتابعين للشأن العام في المنطقة، وفي سوريا بالتحديد، رسموا عدة مسارات محتملة لتلك الحرب؛ أولها: استمرار هذه الحرب وارتفاع في وتيرة أدائها، الأمر الذي سوف يسجل استمرار في ارتفاع سعر الصرف، قد يلامس سقف 18 ألف ليرة سورية، مع احتمال تزايد أزمة الطاقة وتحديداً الكهرباء، وحصول حالة من الجمود، قد تطال سوق الاستثمارات لفترة قد تصل إلى نحو عام كامل.

أما السيناريو الثاني: حدوث حالة من الانكماش الاقتصادي مع زيادة في التضخم قد تصل إلى 200%، مترافقة بارتفاع في نسبة البطالة وتزايد حركة النزوح بحثاً عن مستوى اقتصادي أفضل.

لكن السيناريو الأصعب والأكثر قساوة في حال استمرار تلك الحرب ودخولها في صراع مفتوح، يعود بذاكرة السوريين إلى حالات استهداف البنى التحتية لبلادهم من موانئ ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وخطوط إمداد النفط وغيرها.

التقديرات الأولية للحرب

الدكتور عبد الله الدردري- الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

يكشف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبد الله الدردري عن حجم الخسائر المحتملة من استمرار الحرب الدائرة والتي قدرها بنحو 190 مليار دولار خلال الشهر الأول من اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المنطقة خسرت 186 مليار دولار، وأن كل يوم تأخير بإيقافها سوف يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي، وقدّر “الدردري” حصة خسائر منطقة، ما أسماها بـ”الشام” بـ 30 مليار دولار خلال المدة ذاتها.

الحلول المقترحة

إن الانفتاح الذي اتبعته الحكومة السورية الجديدة تجاه العديد من الدول الصديقة والحليفة لها هيّأ لها المناخ المناسب للتفكير بحلول تخفف من تداعيات تلك الحرب من خلال فتح أفق اقتصادية جديدة تعود بالنفع على سوريا والدول المتحالفة معها، وما اعتماد الحكومة العراقية على سوريا بتمرير جزء من نفطها عبر الأراضي السورية ومنه إلى دول الاستيراد، إلا واحدة من هذه الأفق الواعدة في خطوة تهدف إلى بناء تحالف اقتصادي أكبر بين البلدين الجارين، باكورته الاتفاق على إعادة تأهيل خط أنابيب نقل النفط كركوك-بانياس.

لقد أثمر هذا التحالف بالنفع على البلدين الجارين، فالعراق (الذي يعد خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم)، قرر نقل 650 ألف طن شهرياً من انتاجه النفطي عبر الأراضي السورية، كخطوة أولية للتقليل من آثار انخفاض انتاجه الى نحو 1,4 مليون برميل يومياً بعدما كان ينتج 4 مليون، كما أثمر هذا التحالف بتأمين جزء من احتياجات السوق السوري من مادة الغاز السائل لسد حاجة البلاد من هذه المادة.

ومع مرور الوقت وازدياد تداعيات تلك الحرب على دول المنطقة، اتسعت مساحة التفكير لإقامة مشروعات استراتيجية عملاقة الهدف منها ربط دول الخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط، وأولى تلك المشروعات:

  • قطار (الخليج-المتوسط) السريع، وهو بطول 300 كم (كمرحلة أولى) وبكلفة تقديرية قد تصل إلى 14 مليار دولار، وهو مشروع استراتيجي يعتمد على فكرة إعادة تأهيل خط الحديد الحجازي التاريخي الذي كان يعد أحد أهم شرايين الاقتصاد في المنطقة.

 ويرى الباحثون الاستراتيجيون أن إعادة تأهيل هذا الشريان الحيوي سوف يعيد رسم خارطة التجارة الإقليمية في المنطقة عند اكتماله، بحيث سيصبح بالإمكان نقل البضائع والمسافرين من الرياض إلى مدينة اللاذقية خلال ساعات معدودة، ومنه إلى أوروبا عبر المتوسط مروراً بالأردن، ويذهب البعض منهم إلى القول بأن إنشاء هذا الخط سوف يعيد لسوريا دورها التاريخي باعتبارها الجسر الحيوي الذي يربط الجزيرة العربية بالبحر المتوسط، في خطوة تهدف الى استبعاد فكرة الاعتماد بشكل كلي على الممرات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، مما سيخلق نوعاً من الاستقرار الأمني لمسار هذا الخط الحيوي.

خط نقل الغاز عبر سوريا ومنه إلى أوروبا

 تلوح في الأفق فكرة مشروع (قديم-جديد) هدفه نقل الغاز القطري (أحد أكبر احتياطات الغاز في العالم) عبر الأراضي السورية ومنه الى دول الاتحاد الأوروبي، بطول قد يصل الى 1500 كم وبتكلفة تقديرية أولية قد تصل إلى نحو 15 مليار، إلا أن هذا المشروع الذي كان حبيس خلافات سياسية إقليمية، بات ممكناً في ظل تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، رغم أنه مازال يشكل تحدي كبير لجهة التكلفة العالية لإنشائه، ولجهة إمكانية اعتراض بعض الدول المنافسة عليه، الأمر الذي يتطلب توافقاً دولياً واقليمياً.

مشروع ممر الأمن الغذائي الإقليمي

تعتمد فكرة هذا المشروع على إمكانية مد خط سكة حديد تربط المملكة العربية السعودية انطلاقاً من مدينة “عرعر” إلى سوريا، بهدف نقل المنتجات الزراعية والسلع الغذائية بين الدول المتحالفة، بوقت قياسي وفق منظومة عربات تبريد خاصة، تعد لهذه الغاية.

ويهدف المشروع إلى نقل المنتجات الزراعية السورية والأردنية عبر هذا الخط الى العديد من دول الخليج في غضون ساعات، الأمر الذي سوف يعزز دور القطاع الزراعي في سوريا والاعتماد عليه كسلة غذائية إقليمية محتملة، وفي ظل ما كشفت عنه الحكومة السورية عن نيتها إعادة تأهيل القطاع الزراعي من خلال اتباع نظم أكثر جدوى ومردودية.

مشروع إعادة تأهيل خط نقل الطاقة بين سوريا والعراق

وهو ما يعرف بخط كركوك-بانياس، ويهدف الى رفع القدرة على نقل الطاقة الى حدود مليون برميل يومياً بدل 300 ألف، مما سيسهم في التقليل من مخاطر تصدير النفط العراقي في ظل ظروف الحرب الدائرة، ويعزز من موقع سوريا كدولة عبور للطاقة ويرفع من إيراداتها جراء ارتفاع رسوم العبور.

عوائق وتحديات

من غير الممكن الحديث عن مثل هذه المشاريع الاستراتيجية والحيوية الضخمة، دون الحديث عن العوائق والتحديات التي قد تصادف إمكانية جعلها واقعاً ملموساً، وإن أبرز ما يمكن الحديث عنه في هذا السياق هو:

  • الحاجة إلى خلق توافق دولي لإقامة مثل هذه المشاريع، يراعى فيها مصالح جميع الأطراف في المنطقة والعالم.
  • السعي لبناء شراكات دولية توافقية ذات جدوى اقتصادية لجميع الأطراف الإقليمية والدولية ومنها دول الاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى في العالم.
  • الأوضاع الأمنية الراهنة في المنطقة في ظل تصاعد وتيرة الحرب الدائرة فيها.
  • عامل الوقت الذي يبقى واحداً من أبرز تلك التحديات، فإن إقامة مثل هذه المشاريع الاستراتيجية يتطلب وقتاً قد يمتد إلى سنوات، الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات أبرزها إلى أي حد تستطيع اقتصاديات دول المنطقة الصمود لحين اكتمال هذه المشاريع؟

آخر الأخبار