في كثير من المؤسسات، تتكرر الشكوى ذاتها على ألسنة المديرين: الموظفون لا يلتزمون بما وعدوا به، والمهام لا تُنجز في الوقت المحدد، والمسؤولية تتبدد بين الأقسام والفرق.
غالباً ما يُفسَّر هذا المشهد على أنه مشكلة في الانضباط أو ضعف في أخلاقيات العمل، لكن ما يغيب عن هذا التشخيص السريع أن المساءلة الحقيقية لا تبدأ عند حدوث الخطأ، بل قبل ذلك بكثير، فهي لا تُفرض بالأوامر أو المراقبة، بل تُبنى عبر منظومة غير مرئية من التوقعات الواضحة، والدعم، والثقة، والبيئة التي تسمح للناس بأن يتحملوا المسؤولية فعلاً.
في الواقع، ليست المشكلة دائماً أن الموظفين يفتقرون إلى الالتزام، بل إن المؤسسات كثيراً ما تتجاهل ما يمكن تسميته “العمل الخفي للمساءلة”: تلك الهياكل والحوارات والظروف الذهنية والتنظيمية التي تجعل الوفاء بالالتزامات ممكناً من الأساس.
المساءلة تبدأ قبل الخطأ
تُعرَّف المساءلة عادة بأنها تحمّل الشخص مسؤولية أفعاله وقراراته والوفاء بما تعهّد به، غير أن هذا التعريف يصبح ناقصاً عندما يتعلق الأمر بالقيادة، فمساءلة القادة لا تقتصر على محاسبة الآخرين، بل تشمل أيضاً تهيئة الظروف التي تمكّنهم من تحمّل المسؤولية.
القائد لا يكتفي بتكليف المهام، بل يحدد التوقعات، ويوضح الأولويات، ويوفر الموارد، ويخلق بيئة يشعر فيها الموظفون بالأمان لطرح الأسئلة أو الإشارة إلى العقبات، وفي غياب هذه العناصر، تتحول المساءلة إلى مطلب نظري يصعب تحقيقه عملياً.
يمكن تصور موقف شائع في بيئة العمل: مدير يطلب تقريراً بحلول يوم الجمعة من أحد الموظفين الذي سبق أن واجه صعوبات في الالتزام بالمواعيد النهائية.
بدلاً من افتراض أن المشكلة هي الكسل أو الإهمال، يفتح المدير نقاشاً صريحاً مع الموظف، وخلال الحديث يتضح أن لدى الموظف ثلاث مهام عاجلة في الوقت نفسه، وأنه بحاجة إلى توضيح الأولويات، في هذه الحالة، لم يكن الخلل في الانضباط، بل في غياب الوضوح، وعندما توفرت مساحة للحوار، أصبح من الممكن تحديد ما يجب إنجازه أولاً.
من اللوم إلى التقدم
هنا تبرز أهمية مفهومين مؤثرين في إدارة الأداء الحديثة: “التغذية المستقبلية” و”عقلية النمو”.
طوّر الخبير الإداري مارشال غولدسميث مفهوم التغذية المستقبلية كبديل للتغذية الراجعة التقليدية، ففي حين تركز التغذية الراجعة على ما حدث في الماضي، توجه التغذية المستقبلية النقاش نحو ما يمكن فعله بشكل أفضل في المرة القادمة.
بدلاً من قول: “لم تلتزم بالموعد النهائي”، يمكن أن يكون الحوار: “في المشروع القادم، ما الدعم أو الموارد التي ستحتاجها لتسليم العمل في الوقت المحدد؟”.
هذا التغيير البسيط في اللغة يبدل طبيعة الحوار بالكامل، فبدلاً من الدفاع أو التبرير، يصبح الحديث عن التحسين والتعاون، أما مفهوم عقلية النمو الذي طورته عالمة النفس كارول دويك، فيقوم على فكرة أن القدرات والمهارات ليست صفات ثابتة، بل يمكن تطويرها عبر التعلم والجهد والتجربة، وعندما يتبنى القادة هذه العقلية، يتحول تعاملهم مع الأخطاء من إصدار الأحكام إلى طرح الأسئلة.
بدلاً من السؤال: “لماذا فشلت؟”، يصبح السؤال:
– “ما الذي أعاقك؟”
– “ماذا تعلمت من التجربة؟”
– “كيف يمكننا أن نجعل النتيجة أفضل في المرة القادمة؟”
بهذه الطريقة تتحول المساءلة من لحظة توبيخ إلى فرصة للتطوير.

المساءلة تحتاج إلى نظام
كثير من القادة يعتقدون أن المساءلة بسيطة: أخبر الموظف بما يجب فعله، ومن ثم عليه أن ينجزه، لكن الواقع أكثر تعقيداً، فالتوقعات وحدها لا تكفي.
التوقعات من دون دعم ليست مساءلة، بل مجرد أمنيات، ولهذا يحتاج القادة إلى طرح مجموعة من الأسئلة الأساسية قبل الحكم على الأداء:
– هل يمتلك الشخص الوقت الكافي لتنفيذ المهمة؟
– هل تتوفر لديه الموارد اللازمة؟
– هل يملك الصلاحيات لاتخاذ القرارات المطلوبة؟
– هل يفهم الهدف النهائي وكيفية الوصول إليه؟
– هل يعرف حدود التنازلات المقبولة عند تعارض الأولويات؟
– هل يشعر بالأمان لطلب المساعدة أو توضيح الغموض؟
عندما تغيب هذه العناصر، تبدأ منظومة المساءلة في التفكك.
وقد تظهر الأعراض على شكل تأخيرات متكررة أو أعذار أو تجنب المسؤولية. لكن هذه ليست الأسباب الحقيقية للمشكلة، بل مؤشرات على خلل في النظام نفسه.
في كثير من المؤسسات، يُطلب من الموظفين اتخاذ قرارات أو إنجاز مهام من دون أن يمتلكوا الوقت أو الصلاحيات أو الأدوات اللازمة، ومع ذلك، لا يشعر البعض بالراحة لقول الحقيقة: “لا أملك ما أحتاجه لإنجاز هذا العمل” ، وعندما تكون السلامة النفسية ضعيفة في بيئة العمل، يخشى الموظفون الاعتراف بالمشكلات أو الاعتراض على المواعيد غير الواقعية. وهنا يصبح القادة جزءاً من المشكلة من دون قصد، فإذا كان الموظفون لا يشعرون بأن بإمكانهم التحدث بصراحة، فإن المساءلة تتعطل ليس لأنهم غير مهتمين بالعمل، بل لأن البيئة لا تسمح بالشفافية.
دور القائد: إزالة العوائق
القيادة الفاعلة لا تقتصر على توزيع المهام، بل تتطلب إزالة العوائق أمام الأداء، فالقائد الجيد يراقب الطريق أمام فريقه، ويتوقع المشكلات قبل حدوثها، ويعمل على تقليل الاحتكاك الذي قد يعرقل العمل، وقد تكون هذه العوائق:
– هيكلية: مثل الإجراءات المعقدة أو نقص الموارد أو عبء العمل المفرط.
– علاقاتية: مثل الخوف من الخلاف أو القلق من خيبة أمل الآخرين.
– ثقافية: مثل الاعتقاد بأن التشكيك في قرارات الإدارة أمر غير مقبول.
عندما يتجاهل القادة هذه العوامل، تظهر فجوة بين ما يتم الوعد به وما يتم تسليمه فعلياً، وغالباً لا يكون السبب قلة الجهد، بل عدم التوافق بين التوقعات والواقع.
بناء ثقافة قائمة على الثقة والتواصل الواضح لا يحدث تلقائياً؛ بل يتطلب عملاً مقصوداً ومستمراً، وهنا يأتي دور أدوات مثل التغذية المستقبلية وعقلية النمو، التي تساعد في تحويل الحوارات حول الأداء إلى نقاشات بناءة تركز على الحلول.

المساءلة مسؤولية مشتركة
مع ذلك، فإن توفير البيئة المناسبة لا يعني إلغاء المسؤولية الفردية، فالمساءلة في نهاية المطاف مسؤولية مشتركة.
يقع على عاتق القادة خلق البيئة الداعمة، لكن على الأفراد أيضاً أن يختاروا كيف يتصرفون داخل هذه البيئة، فالسلامة النفسية لا تعني تجاهل الالتزامات من دون عواقب، وعقلية النمو لا تعني خفض المعايير، والتغذية المستقبلية لا تحل محل التوقعات الواضحة.
عندما تكون التوقعات محددة، والدعم متاحاً، والموارد متوفرة، تصبح المساءلة خياراً واعياً، وعندها، إذا استمرت أنماط الإخفاق أو عدم الالتزام، فإن المشكلة لم تعد نظامية، بل سلوكية، ويمكن التعامل معها مباشرة.
ما وراء الأداء الحقيقي
في النهاية، لا تتعلق المساءلة بالبحث عن أخطاء الناس أو ضبطهم متلبسين بالتقصير، بل تتعلق بخلق بيئة تمكنهم من القيام بالأمور بشكل صحيح منذ البداية، وهي عملية تجعل غير المرئي مرئياً:
– الحوارات التي تسبق العمل
– التوقعات التي توجهه
– الموارد التي تدعمه
– الثقة التي تشجع الصراحة
– العقلية التي تحول الخطأ إلى فرصة للتعلم
عندما يدرك القادة قيمة هذا العمل الخفي ويستثمرون فيه، تتحسن قدرة الفرق على الوفاء بالتزاماتها، ويزداد مستوى الثقة داخل المؤسسة، ويتحول الأداء من هدف مفروض إلى التزام مشترك بين الجميع، فالمساءلة الحقيقية ليست مجرد محاسبة بعد وقوع الخطأ، بل نظاماً متكاملاً يجعل النجاح ممكناً قبل أن يبدأ العمل.
المصدر: أرقام – سايكولوجي توداي
