إصرار جزائري على استعادة الأموال المهربة… ملاحقات قضائية في 33 دولة

زمن القراءة: 5 دقائق
تبون متحدثاً في العاصمة الجزائر، 16 شباط 2026

عشية انتخابه رئيساً للبلاد في كانون الأول 2019 أكد عبد المجيد تبون بصفته مرشحاً آنذاك أن من أولوياته السياسية استرجاع الأموال المنهوبة سواء تلك الموظفة داخل البلاد أو المهرّبة إلى الخارج.

وقد بدا هذا التعهد منذ البداية تحدياً معقداً في ظل تشابك المسارات السياسية والقضائية وتداخل الأنظمة المالية والتشريعية في الدول التي يعتقد أنها تمثل ملاذات لهذه الأموال.

ومع حصول الجزائر على موافقة من سويسرا لاسترجاع 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة التي هُرّبت بطرق غير قانونية من رجال أعمال ومسؤولين تكون الحكومة قد حققت خطوة مهمة قد تفتح الباب أمام استعادة مزيد من الأصول المهربة.

ولا توجد تقديرات رسمية دقيقة لحجم هذه الأموال إلا أن الرئيس تبون كان قد صرح في أيلول 2024 بوجود أموال ضخمة جرى تهريبها على مدار 10 إلى 12 سنة مشيراً إلى أنها موزعة بين حسابات مصرفية وعقارات واستثمارات في دول مثل سويسرا ولوكسمبورغ وعدد من الملاذات الضريبية وقدّر قيمتها بنحو ثلاثة مليارات دولار تشمل أموالاً ومعادن ثمينة ومنقولات وأصولاً مختلفة.

وخلال السنوات الثلاث الماضية عملت الجزائر على بناء إطار قانوني يسمح لها بمباشرة إجراءات استرجاع الأموال عبر تحديث اتفاقيات التعاون القضائي مع عدد من الدول من بينها إسبانيا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا وتركيا ولوكسمبورغ ولبنان والإمارات (قبل الأزمة مع أبوظبي) وتونس.

وقد أتاح ذلك إصدار إنابات قضائية دولية موجهة إلى الدول التي كشفت التحقيقات أنها كانت وجهة للأموال المهربة بما في ذلك طلبات حجز واستعادة الأصول والعقارات المملوكة عبر عائدات تلك الأموال.

نجاح نسبي

يؤكد خبير القانون المالي الدولي محسن حسن أن الجزائر أصدرت نحو 300 إنابة قضائية دولية منذ عام 2021 لاسترجاع الأموال المهربة مشيراً إلى أن هذه الأموال موزعة على 33 دولة من بينها دول لم تكن سابقاً معروفة كوجهات لرؤوس الأموال الجزائرية مثل لبنان وأضاف أن الجزائر قدمت طلبات للقضاء اللبناني لاستعادة أموال وتسليم متهمين في قضايا فساد من بينهم رجل الأعمال فريد بجاوي نجل شقيق وزير الخارجية الأسبق محمد بجاوي.

وأوضح حسن أن الحكومة تبنت مقاربة منهجية منذ عام 2022 من خلال تشكيل لجنة خبراء متخصّصة لإدارة ملف استرداد الأموال بالتنسيق مع البعثات الدبلوماسية إضافة إلى التعاون مع هيئات دولية مثل الوكالة الأوروبية للتعاون القضائي ومبادرة ستار زائد “StAR” وشبكات دولية لمكافحة الفساد وغسل الأموال ويرى أن هذا المسار يفسر نجاح الجزائر نسبياً في استرجاع جزء من أموالها مقارنة بدول أخرى مثل تونس التي لم تسترجع مبالغ تذكر منذ 2011.

وحتى الآن حظيت الجزائر بتعاون لافت من دول أوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وسويسرا إضافة إلى تركيا إذ حصلت على موافقات لاسترجاع أموال وعقارات تعود لرجال أعمال ومسؤولين.

وتشمل هذه الأصول فندقاً ضخماً في إسبانيا وما لا يقل عن 44 عقاراً في فرنسا بينها قصور وشقق فاخرة وخلال الفترة الماضية طرحت الحكومة مقترحاً يسمح لرجال الأعمال والمسؤولين الموقوفين في قضايا تهريب الأموال بالإفصاح عن أماكن الأصول المهربة مقابل مراعاة ذلك في المسارات القضائية.

وقد أسفر هذا التوجه عن تعاون فعلي من بعض المتهمينما مكّن السلطات من تتبع الأصول واستعادة جزء منها رغم أن كل ملف يستغرق عادة ما بين 3 إلى 5 سنوات بسبب التعقيدات القانونية والمالية.

إجراءات معقدة

ورغم صعوبة هذه المسارات يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد شريفي أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر أن استرجاع أي جزء من هذه الأموال يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة موضحاً أن العملية تخضع لإجراءات معقدة تتطلب وقتاً طويلاً نظراً لتداخل الجوانب القانونية والدبلوماسية والمالية.

ويشير إلى أن تقييم هذه الجهود لا يقاس بحجم الأموال المسترجعة فحسب بل أيضاً بمدى تعبيرها عن إرادة سياسية لمكافحة الفساد وحماية المال العام وتعزيز حضور الدولة دبلوماسياً.

وفي المقابل لا يزال التعاون مع فرنسا محلّ توتر إذ كشف بيان لمجلس الوزراء أن باريس رفضت الاستجابة لـ61 إنابة قضائية وجهتها الجزائر تتعلق باسترجاع أموال وعقارات وتسليم مطلوبين للقضاء من بينهم وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب المتهم في قضايا فساد واختلاس واستغلال نفوذ رغم وجود اتفاقيات قضائية تسمح بذلك بعد تقديم الأدلة اللازمة.

وفي تشرين الثاني الماضي أعلن وزير العدل لطفي بوجمعة استكمال استرداد الأصول المحلية والأموال المنهوبة بنسبة 100% بعد نقل ملكية 23 شركة ومصنعاً إلى الدولة بقيمة إجمالية تقدر بنحو 30 مليار دولار في مسار استغرق خمس سنوات منذ 2019.

المصدر: العربي الجديد 

آخر الأخبار