فتيل الأزمة القادمة

زمن القراءة: 9 دقائق

مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، انصرفت أنظار الأسواق سريعاً إلى تداعياتها المباشرة، من قفزات أسعار السلع الأساسية إلى تعثر مسار التيسير النقدي، غير أن الخطر الأعمق قد لا يكمن في هذه التأثيرات الظاهرة، بل في تهديد مالي يتشكل بهدوء على بُعد آلاف الكيلومترات.

فبينما تنشغل الحكومات والشركات بتقدير كلفة ارتفاع الطاقة واضطراب إمداداتها، تتسلل أزمة أكثر تعقيداً إلى قلب النظام المالي، حيث تتراكم الضغوط داخل قطاع الائتمان الخاص، في مشهد قد تجعل منه الحرب الحالية الشرارة التي تشعل فتيلاً كان مشتعلاً بالفعل.

وقبل اندلاع الصراع، كانت مؤشرات التوتر قد بدأت في الظهور، مع تعرض أسهم مديري الأصول البديلة لضغوط ملحوظة، عقب فرض قيود على عمليات السحب من بعض الصناديق، فيما اتجهت وكالات التصنيف إلى خفض تقييم بعض هذه الكيانات إلى مستويات عالية المخاطر.

في هذا السياق، لم يعد الائتمان الخاص مجرد قطاع معرض للضغوط، بل هو مرشح لأن يكون حلقة العدوى التالية، أو نقطة الانطلاق لاضطراب مالي أوسع، قد يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد بكثير من حدوده المباشرة.

ماذا يحدث بالضبط؟

– ينظر بعض المستثمرين الآن إلى الائتمان الخاص باعتباره “قطاعاً متضخماً بشكل مبالغ فيه” فيما يراه آخرون كـ “فتيل للأزمة المالية الوشيكة”، وبالنظر إلى وضعه الحالي، فقد تثبت الأسابيع أو الشهور القادمة صحة اعتقاد الطرفين معاً.

– شهد قطاع الإقراض الخاص توسعاً سريعاً، بدعم من الشركات الباحثة عن التمويل السهل من جهة والمستثمرين الساعين وراء العوائد العالية من جهة أخرى، لكن بعد سلسلة من القلاقل، فإنه يشهد معدلات استرداد مخيفة الآن، وتحاول الشركات فرض قيود على عمليات السحب لمنع الانهيار الوشيك.

– لم تكن “بلو آول كابيتال” آخر شركة تقيد عمليات السحب بعد تلقيها طلبات استرداد قياسية، حيث انضمت إليها “آريس مانجمنت” و”أبولو جلوبال” و”بلاكستون” و”كيه كيه آر” و”بارينغز” وأذرع الائتمان التابعة لبنوك “مورجان ستانلي” و”جيه بي مورجان” و”جولدمان ساكس”.

– أشارت معظم هذه الشركات إلى أن عمليات الاسترداد بالمستويات المسجلة مؤخراً تُظهر أن قطاع الائتمان الخاص يمر بمرحلة إعادة تقييم، وليس أزمة، ومع ذلك، ظهرت مؤشرات أخرى على وجود ضغوط.

– تواجه هذه الشركات التي تعرف بـ “شركات تنمية الأعمال” ارتفاعاً في أسعار الفائدة على قروضها المصرفية، في حين تتراجع العوائد التي تحققها من الإقراض الخاص من مستويات مرتفعة تاريخياً.

لماذا اضطرب القطاع فجأة؟

– ازدهر الإقراض الخاص بعد الأزمة المالية عام 2008، ليصبح بديلاً للتمويل المصرفي المقدم لشركات الأسهم الخاصة الساعية للاستحواذ على شركات متوسطة الحجم عبر قروض طويلة الأجل وبشروط أبسط وعوائد أعلى.

– لا تزال البيانات المتعلقة بأوجه الاستثمارات والتقييمات والخسائر الدقيقة في شركات تطوير الأعمال سرية، إلا أنها مجتمعةً تمتلك أصولاً خاصة تتجاوز نصف تريليون دولار، ويُقدر حجم القطاع بنحو 3.5 تريليون دولار، وفقاً لجمعية إدارة الاستثمارات البديلة، وهو حجم كبير بما يكفي ليربك الأسواق المالية.

– انخفضت أسعار أسهم بعض شركات تطوير الأعمال المدرجة في البورصة بشكل حاد هذا العام، حيث يتم تداولها بخصم يقارب 20% من صافي قيمة أصولها، كما انخفضت أسهم شركات خدمات البرمجيات الأمريكية (القطاع الأكثر ارتباطاً بالائتمان الخاص) بنسبة 20% هذا العام.

– قال “خافيير كورومينس” مدير استراتيجية الاقتصاد الكلي العالمي في “أوكسفورد إيكونوميكس”، في مذكرة الأسبوع الماضي: إن السوق بالفعل في المراحل الأولى من أزمة متفاقمة في الائتمان الخاص، استناداً إلى تقديرات تشير إلى أن 25% إلى 35% من المحافظ معرضة لمخاطر اضطرابات الذكاء الاصطناعي.

– إن العلاقة التكافلية في تمويل الذكاء الاصطناعي بين الأسواق العامة والخاصة قد تؤدي إلى “تأثير كرة الثلج”، لكن من الصعب التنبؤ بما سينهار أولاً، و”قد نشهد مشكلة أكبر وأكثر شمولية”، وفقًا لـ “روري داوي” مدير محافظ الأسهم في شركة “مارلبورو” البريطانية.

– علاوة على ذلك، يمثل الائتمان الخاص الآن حوالي 35% من إجمالي استثمارات شركات التأمين الأمريكية، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن شركات التأمين التابعة لشركات الأسهم الخاصة تمتلك أصولاً تُقدر قيمتها بتريليون دولار اكتسبتها من خلال هذه العلاقات.

– هذا يعني أن التعرض لخسائر قطاع الائتمان الخاص سيقع بشكل غير متناسب على صناديق التقاعد الأمريكية والمدخرين الأفراد الذين اشتروا عقود تأمين على الحياة من هذه الشركات.

ماذا ينتظر القطاع؟ وكيف يتأثر بالحرب؟

– حذّر بنك إنجلترا من أن الصراع المستمر في الشرق الأوسط قد يُفاقم مواطن الضعف الموجودة أصلاً في النظام المالي، مشيراً إلى أن هذه المواطن تتركز في أسواق الائتمان الخاص، وأسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية ذات الأسعار المرتفعة، ونشاط صناديق التحوّط في سوق السندات السيادية.

– أشارت لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك في محضر اجتماعها الأخير، إلى أن هذه المخاطر “قد تنفجر فجأة نتيجةً لاضطراب سلاسل التوريد الناجم عن الحرب”، قائلة: إن الصدمة السلبية الكبيرة في العرض، والتي أدّت إلى تشديد شروط التمويل، زادت من احتمالية تطور نقاط الضعف.

– إن ضعف إمدادات السلع الأساسية واضطراب سلاسل الإمداد قد يؤثر سلباً على المقترضين الأكثر مرونة والذين يعتمدون على تمويل السوق الخاص، وفي الوقت نفسه، تستمر المخاوف من انهيار الأسعار القياسية المرتفعة لأسهم الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

– الرئيس التنفيذي لبنك “جيه بي مورجان”، حذر من أن خسائر المقرضين للشركات المثقلة بالديون ستكون أعلى مما يتوقعه الكثيرون، وذلك بسبب تراجع معايير الإقراض، قائلاً: “ستكون الخسائر في جميع أنواع الإقراض بالرافعة المالية أعلى من المتوقع، قياساً بالظروف الراهنة”.

– رغم أن “جيمي ديمون” أشار في رسالته الأخيرة للمساهمين إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بالمرونة، فإنه حذر من احتمال حدوث “صدمات كبيرة ومستمرة في أسعار النفط والسلع” بسبب الحرب ضد إيران.

ما مدى خطورة الوضع؟

– على الرغم من أن بعض الخبراء يقللون من خطر حدوث انهيار حاد أو عدوى مالية واسعة النطاق في الوقت الراهن، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية سلسلة اجتماعات مع هيئات تنظيم التأمين المحلية والدولية لبحث مخاطر الائتمان الخاص.

– تشير هذه الخطوة إلى تزايد المخاوف في واشنطن بشأن سلامة قطاع الائتمان الخاص ونموه السريع، خاصة في ظل الغموض بشأن منتجاته، وانخفاض سيولتها، وتعقيدها، مقارنةً بالمحافظ التقليدية لسندات الحكومة والشركات.

– “بلو آول كابيتال” (OWL)، التي كانت رمزاً لازدهار شركات الائتمان الخاص، كشفت عن طلب مستثمريها سحب 5.4 مليار دولار من صندوقين تابعين لها خلال الربع الأول، بمعدل استرداد بلغ 22% و41%، وهي مستويات غير مسبوقة قد تُنذر بضغوط طويلة الأمد.

– إجمالاً، طلب المستثمرون سحب ما يقارب 14 مليار دولار في الربع الأول من صناديق الائتمان الخاصة، مقارنة بـ 5.7 مليار دولار في الربع السابق و3.7 مليار دولار في عام 2024 بأكمله، لكنهم تمكنوا من استرداد نصف هذا المبلغ فقط.

– يتوقع المحللون استمرار ارتفاع عمليات الاسترداد لفصول عدة قادمة، لكن إذا توقف جمع التمويل في الوقت نفسه، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة سيولة، ويجبر مديري الصناديق على استخدام احتياطياتهم النقدية، أو الاقتراض، أو بيع الأصول لسداد أرباح المساهمين وإرضاء المقرضين.

– توقع محللو “مورجان ستانلي” في تقرير صدر الخميس، ارتفاع حالات التخلف عن سداد القروض، وبطء عمليات جمع التمويل، وانخفاض العوائد، قائلين: “باختصار، نعتقد أن المخاطر في الائتمان الخاص كبيرة”.

– في ظل هذا التشابك بين صدمة الطاقة وتصاعد الضغوط على الائتمان الخاص، لم تعد المخاطر المالية مجرد سيناريو بعيد، بل احتمال يتشكل تدريجياً في قلب النظام، وفيما تبدو المؤشرات الحالية قابلة للاحتواء، فإن أي اضطراب إضافي قد يحول هذه الضغوط إلى أزمة أوسع.

– يبقى السؤال الآن: هل سينجح المنظمون في عزل فتيل الأزمة قبل اشتعالها؟ أم أننا سنواجه السؤال التالي مباشرة: إلى أي مدى سيمتد أثر الأزمة المالية التالية؟

المصادر: أرقام- رويترز- بلومبرج- بولتيكيو- فايننشال تايمز- وول ستريت جورنال

آخر الأخبار