أول جلسة بداية أيار المقبل.. مجلس الشعب يستكمل محطاته وتعويل على ثلث الرئيس للموازنة

زمن القراءة: 14 دقائق

لم تطل التساؤلات حول التوقيت الذي ستدخل فيه محافظة الحسكة ضمن استحقاق انتخابات مجلس الشعب، فمع الإيجابية التي يسير بها اتفاق الاندماج بين الحكومة وتنظيم “قسد”، كان متوقعاً بين يوم وآخر، أن يكون هناك إعلان رسمي يوضح التوقيت والتحضيرات وسير العملية الانتخابية، خصوصاً أن الجلسة الأولى لمجلس الشعب الجديد متوقعة في أوائل أيار المقبل.

وحول ذلك، صرح المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، يوم أمس الاثنين، مؤكداً أن اللجنة تجري حالياً مشاورات مكثفة في محافظة الحسكة مع الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ الاتفاق مع “قسد”، إضافة إلى الفعاليات المحلية في المحافظة، وذلك بهدف استكمال التجهيزات والتحضيرات اللازمة لإجراء انتخابات مجلس الشعب فيها.

وأوضح نجمة أن البرنامج الدقيق لآلية عمل اللجنة في الحسكة سيتم الإعلان عنه رسمياً فور انتهاء تلك المشاورات، حيث سيتضمن البرنامج تشكيل اللجان الفرعية، وتحديد الهيئات الناخبة، وموعد إجراء الانتخابات.

وكانت محافظة الرقة قد انتخبت ممثليها في مجلس الشعب في شباط الماضي، في محطة انتخابية فارقة في تاريخ المحافظة، كونها كسرت قواعد انتخابية ترسخت أيام النظام السابق لجهة حصرية الأسماء التي كانت تفوز في كل دورة انتخابية عن المحافظة، بمعنى احتكار التمثيل ضمن الدائرة الموالية له، بوصفه وسيلة لتوسيع النفوذ والاستحواذ على الامتيازات، سواء ضمن المحافظة أو ضمن مؤسسات الدولة، فكان التمثيل أشبه بتركة يتم توارثها ضمن عائلات محددة تسيطر على المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المحافظة.

وهذا الحال سينسحب على محافظة الحسكة مع وجود وقائع جديدة على الأرض بفعل ما تم تنفيذه من بنود الاتفاق مع “قسد” حتى الآن، وتالياً فإن المشهد الانتخابي لا بد أن يكون مختلفاً كلياً.

وكان نجمة قد أكد حينها أنه بعد انتخابات الرقة سيتم على الفور إجراء انتخابات في الحسكة ومنطقة عين العرب، أما بالنسبة إلى محافظة السويداء، ففي حال حصول حل أو انفراجة مماثلة في الظروف الأمنية والسياسية، فستستكمل الانتخابات فيها، أو سيكون الخيار هو إبقاء مقاعد السويداء شاغرة.

أول جلسة

وتحدث نجمة بشكل موسع حول مسار اكتمال العملية الانتخابية، والجلسة الأولى للمجلس، وثلث الرئيس، والمهام والصلاحيات وحدود الحصانة، والرقابة والكفاءة، وقانون الأحزاب، والدستور الدائم، وغيرها من المسائل التي تشغل السوريين منذ بدء مسار انتخابات مجلس الشعب في آذار من العام الماضي 2025، مؤكدا أن أمام أعضاء مجلس الشعب مهمة ثقيلة متمثلة في استعادة ثقة الشعب بالمجلس، وإقصاء الصورة السلبية التي كرسها النظام المخلوع طيلة العقود الماضية.

وأشار نجمة إلى أن الإعلان عن الثلث المعين من قبل الرئيس أحمد الشرع، من المرجح أن يكون بعد اكتمال العملية الانتخابية، وقبل انعقاد الجلسة الأولى لاستكمال النصاب، على أن يسهم هذا التعيين في ضمان التمثيل العادل للمرأة والمكونات والشرائح الاجتماعية المختلفة، بما يحقق التوازن المطلوب تحت قبة مجلس الشعب.

وكان الرئيس الشرع قد تحدث، خلال زيارته إلى المملكة المتحدة أواخر آذار الماضي، عن انتخابات مجلس الشعب ضمن مسار سياسي تدريجي، مشيراً إلى أن مجلس الشعب الجديد سيبدأ أولى جلساته الشهر المقبل، وقال خلال جلسة حوارية في المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” في العاصمة البريطانية لندن: “سوريا تمضي في مرحلة إعادة بناء شاملة تقوم على استعادة العلاقات الدولية وتعزيز الثقة مع الدول، بالتوازي مع إطلاق مسار سياسي تدريجي يستند إلى الحوار الوطني والإعلان الدستوري، وصولاً إلى انتخابات حرة”.

وفي هذا السياق، تحدث نجمة حول الجلسة الأولى التي ستخصص لأداء اليمين الدستورية للأعضاء، وانتخاب رئيس المجلس ونائبه وأمناء السر، حيث سيترأس الجلسة العضو الأكبر سناً، وذلك قبيل انتخاب رئيس المجلس، أما الجلسة الثانية، فهي عادة ما تكون بحضور رئيس الجمهورية، وفق نجمة، الذي أوضح أن الرئيس الشرع قد يلقي كلمة أمام أعضاء المجلس وفق البروتوكول المعتمد في نظم البرلمانات.

وبين نجمة أن مجلس الشعب سيركز في المرحلة الأولى على إعداد النظام الداخلي وآلية عمله، وسيعمل على صياغة قانون العدالة الانتقالية بالتعاون مع هيئة العدالة الانتقالية، وسيدرس صياغة قانون للأحزاب السياسية بما ينسجم مع الحالة الاجتماعية والسياسية للمجتمع السوري.

وأشار نجمة إلى أن مهام البرلمانات بعد الثورات عادة ما تكمن في سد فراغ السلطة التشريعية وإجراء عملية التحول الديمقراطي، مشيراً إلى أن دور مجلس الشعب في المرحلة المقبلة يتمثل في وضع القوانين والتشريعات التي تنسجم مع أهداف الثورة وتطلعات السوريين، إذ إن المجلس سيقود عملية المشاركة السياسية، وسيلعب دوراً في المصالحة السياسية والحوار الوطني في البلاد.

واعتبر نجمة أنه من الضروري أن يتولى مجلس الشعب مهام صياغة دستور للبلاد، وتحدث عن لجنة قد تشكل لصياغة دستور دائم يعرض للاستفتاء، وفي بعض الأحيان تشكل جمعية تأسيسية منتخبة لصياغة الدستور، مؤكداً أن مسألة الدستور من أولى الأولويات في حوارات ونقاشات أعضاء مجلس الشعب، وهي مهمة صعبة لا بد للمجلس من متابعتها.

وأوضح نجمة أن أعضاء مجلس الشعب سيتمتعون بالحصانة السياسية لامتلاك القوة في مواجهة السلطة التنفيذية، لكن حصانتهم لن تكون وسيلة لمخالفة القانون، وفي حال ارتكاب العضو أي مخالفة قانونية ترفع الحصانة عنه مباشرة ثم يحاسب، قائلاً: “عضو مجلس الشعب يأخذ صلاحياته في الرقابة على عمل الحكومة من الجانب القانوني وكفاءته، وكفاءة أعضاء المجلس كفيلة بتقويم عمل الحكومة وتشكيل الرقابة على أدائها”.

المهمة “الثقيلة”

لكن مهام المجلس الثقيلة، كما وصفها نجمة، هي في جوهرها أعمق وأعقد مما يوحي به سياق التصريحات الرسمية، فالمهمة الثقيلة تتطلب التركيز على تفكيك الإرث القانوني للنظام السابق، والقضاء على البيروقراطية التي كرست الفساد وأعادت إنتاج الاستبداد عبر التعقيدات الإدارية التي انعكست بصورة مباشرة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للسوريين، وهي، وفق المحللين، مهمة لا تحتمل التأجيل وتتطلب تركيزاً تشريعياً جذرياً.

وكان عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أنس العبدة، قد تحدث في وقت سابق عن وجود نحو 800 قانون سار في سوريا، يسبب ضغطا كبيراً على المواطنين والوزارات، ما يعني وجود حاجة ملحة لإعادة النظر فيها، لتعديلها أو إلغائها، بمعنى أن الخطوة الأهم هي الصورة الذهنية التي سيبنيها المجلس لدى المجتمع، والتي ستكون حاسمة في تحديد نجاحه أو فشله، برأي المحللين.

إذاً، لا يخفى على أحد أن هذا المجلس يواجه تحديات تاريخية كبرى، كما يؤكد الكاتب والمحلل السياسي جابر سلامة، باعتباره أول برلمان بعد سقوط نظام دام أكثر من خمسة عقود، وفق أيديولوجية بعثية فاشلة قادت البلاد إلى حروب ودمار وعزلة دولية، مشيراً إلى أن المسؤولية الأولى لهذا المجلس هي استعادة ثقة السوريين في العمل السياسي المؤسسي، وإثبات أن البرلمان يمكن أن يكون أداة للبناء لا أداة للتزيين والتجميل، كما كان في عهد النظام السابق، حيث كان المجلس مجرد ختم مطاطي لقرارات الحزب الحاكم.

ويرى سلامة في حديث لـ”الثورة السورية” أن أولى المهام الكبرى التي تنتظر هذا المجلس هي انتخاب جمعية تأسيسية، أو الدعوة إلى حوار وطني شامل والإشراف عليه لتشكيل جمعية تأسيسية تبدأ فوراً بإعداد القوانين الأساسية، وتكتب دستوراً كاملا للبلاد. وهذا الدستور يجب أن يعرض على الاستفتاء الشعبي قبل إقراره النهائي، لأن الدستور هو العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، ولا يصبح شرعياً إلا بموافقة الشعب مباشرة، فإن لم يتمكن المجلس من تحقيق هذه المهمة بسبب الخلافات أو الضغوط، فعليه على الأقل أن يسارع إلى إقرار القوانين الأكثر أهمية وشمولاً لسد الفراغ التشريعي الهائل الذي خلفه انهيار النظام السابق.

السوريون يترقبون

وأهم هذه القوانين وأكثرها إلحاحاً، وفق سلامة، هو قانون العدالة الانتقالية، وهو قانون يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم السابقة، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي فسدت عقوداً بفعل الحكم الاستبدادي، ومن دون هذا القانون ستبقى الجراح مفتوحة، وسيتحول المجلس إلى ساحة للانتقام والتصفية بدلاً من المصالحة، وهذا القانون يحتاج إلى مشاركة واسعة من الضحايا والمجتمع المدني والخبراء القانونيين الدوليين، لضمان توازنه وعدم تحوله إلى أداة انتقامية جديدة.

وثاني هذه القوانين هو قانون عصري للأحزاب ينظم عملية التأسيس والتمويل والنشاطات، ويكفل حماية التعددية السياسية والحريات العامة من أي استبداد مستقبلي، فسوريا تحتاج إلى فضاء سياسي مفتوح يسمح بظهور أحزاب متنوعة تمثل كل أطياف المجتمع، وتمنع احتكار السلطة من قبل حزب واحد أو فصيل واحد، وهذا القانون يجب أن يضمن حق المعارضة في العمل والتعبير دون خوف من الملاحقة أو التصفية.

وثالث هذه القوانين، برأي سلامة، هو إقرار ميزانية الدولة بشكل شفاف وعادل يراعي احتياجات المناطق المتضررة، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ويجب أن تناقش الميزانية في جلسات علنية، ويحق للمواطنين والصحفيين حضورها ومراقبتها، لضمان عدم تكرار فساد النظام السابق الذي كان ينهب المال العام ويوزعه على المقربين، وأيضا لضمان أن تصل أموال إعادة الإعمار إلى مستحقيها الحقيقيين، وليس إلى جيوب الفاسدين.

ومع ذلك، يمكن القول: إن مجلس الشعب السوري في مرحلته الانتقالية هو تجربة فريدة من نوعها تجمع بين الآمال الكبيرة والصعوبات الجسيمة، ويضيف سلامة: “إن نجح هذا المجلس في تجاوز عيوب الانتخابات وضعف التمثيل، وتعويض النقص عبر آليات التعيين الرئاسي أو غيرها، وإن استطاع أن ينجز القوانين الكبرى التي يحتاجها السوريون، فإنه سيخلد في التاريخ كمؤسس لسوريا الجديدة، أما إذا فشل في ذلك بسبب الانقسامات والضغوط والظروف الصعبة، فإن البلاد قد تنزلق إلى فوضى جديدة أو تعود إلى استبداد مقيت تحت مسمى آخر، السوريون جميعاً يترقبون بفارغ الصبر ما سيفعله هذا المجلس، وأن يضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، لأن الفرصة التي أتيحت لسوريا بعد سقوط النظام السابق قد لا تتكرر”.

مسار التحول

وبالعموم، لم يكن التحول الدستوري، وتالياً انتخاب مجلس شعب جديد، عملية سلسة، رغم أنه تم التخطيط لها وفق مسار نجح بشكل عام في تخطي أخطر الملفات، خصوصاً الأمنية، وأبرزها في شمال وشرق البلاد، مع تحقيق اتفاق الاندماج مع “قسد” في 29 كانون الثاني الماضي.

وبدأ المسار في 29 كانون الثاني 2025 بإعلان حاسم قضى بإلغاء دستور 2012 وحل مجلس الشعب السابق، وفي 13 آذار 2025، وقع الرئيس الشرع “الإعلان الدستوري المؤقت”، الذي لم ينص على صياغة دستور جديد، بل حدد الإطار الزمني والوظيفي للمرحلة الانتقالية، وهذا الإعلان هو الذي شكل الأساس القانوني لتشكيل مجلس شعب جديد عبر الانتخابات التي جرت في تشرين الأول الماضي، وحصر مهام التشريع به بصفة مؤقتة.

وصممت انتخابات مجلس الشعب لتكون غير مباشرة، أي عبر هيئات ناخبة لم تنتخب من قبل الشعب مباشرة، بل تم اختيارها عبر لجان انتخابية، تشكلت من لجنة عليا للانتخابات سماها الرئيس الشرع في المرسوم رقم 66 الصادر في 2 حزيران 2025، والذي حدد عدد أعضاء المجلس بـ150 شخصاً، قبل أن يتم تعديل العدد في المرسوم الرئاسي رقم 143 بتاريخ 19 آب، ليصبح 210 أعضاء، يجري انتخاب ثلثيهم، أي 140 عضواً، فيما يعين الرئيس الثلث الثالث، وهو 70 عضوا.

وعقب تشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في 13 حزيران الماضي، صدر النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب في 20 آب، بعد أن صدق عليه الرئيس الشرع، وتضمن النظام تشكيل لجان قانونية، ولجان طعون، ولجان فرعية، مهمتها تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها تحت مظلة اللجنة العليا للانتخابات.

وجرت العملية الانتخابية في 49 دائرة انتخابية موزعة على 11 محافظة، حيث توزعت الهيئات الناخبة على دائرة واحدة في دمشق، و8 دوائر في ريف دمشق، و8 دوائر في حلب، و5 دوائر في حمص، و5 دوائر في حماة، و4 دوائر في اللاذقية، و4 دوائر في طرطوس، و3 دوائر في دير الزور، و6 دوائر في إدلب، و3 دوائر في درعا، ودائرتين في القنيطرة.

فيما تأجلت الانتخابات في 11 دائرة ضمن 4 محافظات، وذلك على النحو التالي: 4 دوائر في الحسكة، و3 دوائر في الرقة، و3 دوائر في السويداء، إضافة إلى دائرة واحدة في حلب، وهي عين العرب “كوباني”.

واليوم، مع إجراء الانتخابات في الرقة، وقريباً في الحسكة وعين العرب، لا يتبقى سوى السويداء.

وبالمحصلة، يعود مجلس الشعب اليوم بحلة جديدة ليكمل “ثلاثية السلطة” التي غابت لعقود، والرهان على ألا يكون “مجلس تصفيق” للسلطة بدلاً من التكامل معها، وهذا الرهان قائم بشكل أساسي على إعادة تعريف دور عضو مجلس الشعب بعيداً عن سلطة المال والأعمال التي تتحكم بالقوانين والتشريعات، أي أن يكون المجلس سلطة حقيقية بصلاحيات كاملة، بعيداً عن منطق الاستحواذ والامتيازات المتوارثة من النظام السابق.

مها سلطان

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار