بينما تصدَّر النفط والممرات البحرية عناوين الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كان هناك مورد آخر أقل ظهوراً لكنه لا يقل خطورة في أثره على الصناعات المتقدمة: الهيليوم.
فهذا الغاز الذي يبدو هامشياً لغير المتخصصين، تنتج قطر منه قرابة ثلث الإمدادات العالمية، وتعتمد عليه صناعة الرقائق المتقدمة في عدد من مراحلها الدقيقة التي يصعب فيها الاستبدال.
وحين أصابت الحرب منشآت رأس لفان، وتعطلت الملاحة عبر هرمز، لم تعد القصة مجرد اضطراب في سوق غاز صغير، بل اختباراً لهشاشة سلاسل الإمداد التي تقوم عليها الصناعات التقنية الحساسة، فكيف تحوّل غاز عديم اللون والطعم إلى نقطة اختناق استراتيجية؟
من غاز هامشي إلى عصب خفي للرقائق
أهمية الهيليوم للرقائق والذكاء الاصطناعي
تعتمد صناعة الرقائق المتقدمة على بيئات مستقرة وخالية من التفاعل الكيميائي، وعلى وسائل دقيقة لتبريد الأدوات والرقاقات خلال مراحل التصنيع.
ويُستخدم الهيليوم في عمليات أساسية مثل نقش البلازما، وترسيب البخار الكيميائي، وتبريد ظهر الرقاقة، ما يساعد على ضبط الحرارة بدقة ومنع تلف الدوائر شديدة الصغر، كما يدخل في اختبارات كشف التسرب، وفي حماية بعض المكونات البصرية داخل أنظمة الطباعة الضوئية فائقة الدقة.
ولا تتوافر بدائل تجارية تمنح المزيج نفسه من الخمول الكيميائي والقدرة العالية على نقل الحرارة، لذلك حذّرت جمعية صناعة أشباه الموصلات في 2023 من أن الخصائص الفريدة للهيليوم تجعله عنصرًا حرجًا في تصنيع الرقائق.
وتظهر أهمية ذلك أيضاً في طفرة الذكاء الاصطناعي، لأن مراكز البيانات تعتمد على رقائق متقدمة عالية الأداء، وأي اضطراب في إمدادات الهيليوم يهدد إنتاج هذه الرقائق ويضغط على خطط التوسع في القدرة الحاسوبية عالمياً.

لماذا تعد قطر محور السوق؟
الهيليوم ليس غازاً يُستخرج بشكل مستقل، بل يُسترجع من عمليات تسييل الغاز الطبيعي.
في رأس لفان الصناعية، تملك شركة قطر للطاقة ثلاث وحدات: هيليوم 1 وهيليوم 2 اللتان بدأتا العمل بين عامي 2013 و2017 بقدرة إجمالية تبلغ 62 مليون متر مكعب سنوياً، وهيليوم 3 الذي بدأ تشغيله عام 2024.
وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إلى أن قطر أنتجت حوالى 63 مليون متر مكعب من الهيليوم في 2025 – أي نحو ثلث الإنتاج العالمي البالغ 190 مليون متر مكعب.
وبدورها تنتج الولايات المتحدة 81 مليون متر مكعب من الهيليوم لكنها تستهلك معظم إنتاجها محلياً، الأمر الذي يجعل قطر أكبر مصدر عالمي، وتركُّز الإنتاج في مجمع واحد يعني أن أي توقف في تسييل الغاز يقطع جميع تدفقات الهيليوم.

كيف حوّلت الحرب هذه الهشاشة إلى أزمة؟
ضربات رأس لفان والقوة القاهرة
في 18 آذار 2026 ضربت صواريخ إيرانية مجمع رأس لفان، موقع إنتاج الغاز والهيليوم، ما تسبب بأضرار في أجزاء من منشآت الغاز والهيليوم.
وقالت شركة قطر للطاقة: إن حوالي 14% من قدرة الهيليوم في رأس لفان خرجت عن الخدمة وإن الإصلاحات قد تستغرق ما يصل إلى خمس سنوات.
ومع بداية الحرب أواخر شباط، أعلنت الشركة وقف إنتاج في منشآت الغاز البالغة 77 مليون طن سنوياً من الغاز المسال، وأعلنت القوة القاهرة على الشحنات؛ وهو بند قانوني يسمح بتعليق الالتزامات نتيجة أحداث قاهرة.
وقال وزير الطاقة القطري سعد الكعبي: إن العودة للإنتاج الطبيعي ستستغرق أسابيع إلى شهور حتى لو توقفت الحرب فوراً.
إغلاق مضيق هرمز وخيارات معدومة
إلى جانب الضرر المادي، أدت الحرب إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز الذي يستحوذ على نحو 20% من تجارة النفط العالمية ومعظم صادرات الغاز المسال.
ويُصدَّر الهيليوم أساساً مع شحنات الغاز المسال عبر مضيق هرمز، وبالتالي تمثل اللوجستيات البحرية جزءاً من سلاسل الإمداد. ومع توقف الملاحة ظلَّت شحناته عالقة في الموانئ أو في الحاويات، ما أدى إلى تبخر جزء من المخزون بسبب انتهاء الصلاحية.
إذ أن معظم الهيليوم يُباع سائلاً ويُشحن في حاويات مضغوطة، لكن له صلاحية حوالي 45 يوماً قبل أن يتبخر، ما يحد من إمكانية التخزين الطويل، وبالتالي تحولت أزمة رأس لفان إلى اضطراب مزدوج: تراجع الإنتاج وضياع المخزون المتاح في الطريق.
وتشير وكالة رويترز إلى أن السوق يفقد 5.2 مليون متر مكعب شهرياً من الهيليوم بسبب الانقطاع، موضحة أن الانقطاعات تتكشف ببطء لأن الأسعار لا تعكس فوراً التغير في العرض، ما يربك المشترين ويعقِّد التخزين.
وذكرت شركة Kornbluth Helium Consulting أن أسعار الهيليوم الفورية تضاعفت منذ بداية الأزمة، وتشير توقعات المستشارين إلى أن انقطاعاً لمدة 30 يوماً قد يرفع الأسعار 10‑20%، بينما قد تؤدي فترة 60‑90 يومًا إلى زيادة 25‑50%.
من يتلقى الصدمة أولاً؟
آسيا: مخزون محدود وطلب ضخم
تعد منطقة شرق آسيا أكبر مستهلك للهيليوم بسبب تمركز مصانع الرقائق المتقدمة هناك، وفي 5 آذار حذّر نائب برلماني كوري جنوبي من أن الحرب قد تعطل توريد مواد رئيسية لصناعة الرقائق، مثل الهيليوم.
رغم ذلك، أكدت شركة SK Hynix أنها تمتلك سلاسل توريد متنوعة ومخزونًا كافيًا وبالتالي لا تتوقع تأثيراً كبيراً، بينما قالت TSMC إنها لا تتوقع تأثيراً فورياً لكنها تراقب الوضع.
في 31 آذار أشارت مصادر حكومية كورية إلى أن المخزون لدى سامسونغ وSK Hynix يكفي حتى حزيران وأن الشركات تدفع علاوات لتأمين الإمداد من الولايات المتحدة، وأكدت أن الخطر الحقيقي سيظهر في النصف الثاني من 2026 إذا استمرت الأزمة.
وفي تايوان قالت وزارة الاقتصاد: إن الإمدادات مستقرة بفضل الواردات من الولايات المتحدة وتقنيات التخزين، وأكدت شركة Air Liquide أنها ستعيد توزيع الهيليوم من مناطق أخرى.
أما ماليزيا – مركز تجميع واختبار الرقائق – فأشارت جمعيتها الصناعية إلى أن شركاتها تعتمد على المخزون وتنويع المصادر وأن عمليات التجميع والاختبار يمكن أن تعمل بالنيتروجين مما يقلل تعرضها للهيليوم.
أوروبا: شركات الغاز بين المخاطرة والبدائل
تستهلك أوروبا الهيليوم في الطب والصناعة، لكنها تعتمد على شركات مثل Air Liquide وLinde.
وأشارت نائبة رئيس Air Liquide إلى وجود نقص قصير الأجل لكنها قالت: إن الشركة تعيد تخصيص كميات من مناطق أخرى وتتواصل مع زبائنها.
وللشركة أكثر من 60 موقعاً في تايوان مخصص للرقائق، وتملك أيضاً تجويفاً للتخزين في أوروبا، ما يعطيها قدرة على مواجهة الأزمة.
لكن ارتفاع الأسعار وشح الإمدادات سيطالان أوروبا أيضًا وخاصة في حالات القوة القاهرة، إذ يُرجَّح أن يمنح الموردون أولوية لأجهزة الرنين المغناطيسي والقطاع الفضائي، بينما قد يحصل مصنعو الرقائق على معظم احتياجاتهم، مع تخفيضات أكبر على الاستخدامات الأقل أولوية.
واشنطن وأمريكا الشمالية: معاناة رغم الإنتاج
تنتج الولايات المتحدة أكثر من 81 مليون متر مكعب من الهيليوم سنوياً وتخزن الغاز في تجويفات تحت الأرض في تكساس، ما يمنحها اكتفاءً ذاتيًا تقريبًا.
ومع ذلك، تعتمد بعض الشركات على واردات من قطر (28% من الواردات بين 2021‑2024)، لذلك يعاني بعض المستخدمين من ارتفاع الأسعار، خصوصاً شركات الغاز الصناعي التي توقفت عن استخدام المخزون الاستراتيجي بعد بيع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 2024.
وذكر رئيس Air Products أن الشركة ستعتمد على المخزون وتزيد الإنتاج في مصانعها الأمريكية للتخفيف من أثر الأزمة.
ومع أن أمريكا الشمالية قد تستفيد من ارتفاع الأسعار – حيث يمكن لشركات مثل Exxon Mobil وNorth American Helium تعويض جزء من النقص – إلا أن القدرة على زيادة الصادرات محدودة بسبب استهلاك محلي مرتفع ومحدودية البنية التحتية.
المصدر: نون بوست
