الأمن السيبراني.. دروس وتجارب- بقلم: محمد النجم

زمن القراءة: 5 دقائق

بقلم: محمد النجم

محمد النجم

أصبح “الأمن السيبراني” في عالمنا المعاصر، عاملاً حاسماً لإنجاح المشاريع الاقتصادية والاستثمارية، ولا تقتصر أهمية البيانات على كونها محركاً رئيساً للنمو والابتكار؛ بل إنها تمثل عنصراً أساسياً في ضمان استدامة الأعمال وحمايتها من التهديدات المتزايدة، وفي هذا السياق تصبح “إدارة أمن المعلومات وحمايتها” جزءاً لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي والتنفيذي لأي مشروع اقتصادي أو استثماري، وعلى الرغم من هذه الأهمية؛ لا تزال دول وشركات كثيرة تواجه تحديات كبيرة في هذا المجال، ما يستدعي استعراض “التجارب” على المستويين العربي والعالمي لأخذ العبر منها.

 لابد أن نشير في البداية إلى أن أهمية أمن المعلومات في المشاريع الاقتصادية تتمثل في حماية البيانات الحساسة التي قد تكون متعلقة بالاستثمارات، والحسابات المالية، واستراتيجيات السوق، وخطط النمو، وتالياً تصبح البيانات قاعدة رئيسية لتنفيذ المشروعات وتوجيه الاستثمارات، في عالمٍ يتزايد فيه الاعتماد على الأنظمة الرقمية، إذ يمكن للمستثمرين استخدام البيانات الضخمة والتحليلات الدقيقة، لتقييم الأسواق وتحليل الاتجاهات الاقتصادية، وهو ما يساعد في اتخاذ قرارات مستنيرة.

في هذه المشاريع لا يقتصر أمن المعلومات على حماية البيانات من المهاجمين فقط؛ بل يشمل أيضاً الحفاظ على “سرية المعلومات التجارية الحساسة” التي قد تكون محط اهتمام المنافسين؛ فتسرب البيانات أو اختراق الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية ضخمة ويفقد الثقة في الجهات المتورطة، ما يؤثر سلباً على قدرتها على جذب الاستثمارات المستقبلية.

في العالم العربي تمكنت بعض الدول من إحراز تقدم في مجال أمن المعلومات، إلا أن العديد من الأنظمة الرقمية لا تزال تواجه ثغرات أمنية واضحة، وفي بعض الحالات، يتأخر تطبيق سياسات الحماية في بعض الدول، ما يجعل المشاريع الاقتصادية عرضة لـ”هجمات سيبرانية” قد تضر بالاقتصاد المحلي، وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه هذه الدول بنقص الوعي والتدريب المتخصص في مجال الأمن السيبراني، إلى جانب ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض الدول، إضافة إلى التقنيات الأمنية المحدودة.

عالمياً.. شهدت دول عديدة تجارب قاسية في هذا المجال؛ وهنا نعود بالذاكرة إلى الهجوم السيبراني على شركة “Equifax” في الولايات المتحدة عام 2017، والذي كان أحد أبرز الأمثلة على خطورة “اختراق البيانات” حيث تم تسريب بيانات شخصية لـ 147 مليون شخص، وهو ما أدى إلى خسائر مالية ضخمة للشركة، كما أن الهجمات السيبرانية التي استهدفت شركات عالمية مثل “Sony” و”Target”  أظهرت كيف يمكن أن يؤثر اختراق الأنظمة على سمعة الشركات، وكذلك على استثماراتها وأرباحها.

وتعد تجربة الاتحاد الأوروبي في تطبيق “اللائحة العامة لحماية البيانات”GDPR إحدى أبرز التجارب في مجال حماية البيانات؛ فمن خلال هذه اللائحة، تم وضع معايير صارمة لحماية البيانات الشخصية للأفراد في دول الاتحاد الأوروبي تلزم الشركات بالحصول على موافقة صريحة من الأفراد قبل جمع بياناتهم، وضمان سلامة هذه البيانات وحمايتها من التسريب أو الاستخدام غير المشروع.

 عربياً.. تعتبر تجربة الإمارات العربية المتحدة في مجال الأمن السيبراني واحدة من النماذج الناجحة في المنطقة، حيث قامت الدولة بتأسيس مركز الإمارات للأمن السيبراني في 2012، بهدف تعزيز “الأمن الرقمي” وحماية البنية التحتية الحيوية في مختلف القطاعات، وتبنت الإمارات كذلك استراتيجية شاملة تهدف إلى تطوير الكوادر البشرية المختصة في مجال الأمن السيبراني، وتطبيق أفضل الممارسات العالمية في تأمين البيانات وحمايتها من المخاطر، أما في السعودية فقد أطلقت الحكومة في عام 2017 “الهيئة الوطنية للأمن السيبراني” والتي تعمل على تعزيز قدرة المملكة على مواجهة الهجمات السيبرانية، خاصة في ظل النمو المتزايد في استثمارات قطاع التكنولوجيا الرقمية، إلى جانب إطلاق برامج توعية واسعة النطاق لتعريف الشركات والمؤسسات بأهمية أمن المعلومات وكيفية حماية بياناتهم.

 وبناء على ذلك من المهم أن تنظر الشركات والمستثمرون إلى الأمن السيبراني ليس كمجرد تكاليف إضافية؛ بل كأولوية استراتيجية تضمن استمرارية الأعمال وتعزز من ثقة العملاء والمستثمرين، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاستثمار في الحلول التكنولوجية المتقدمة مثل التشفير، وأنظمة الحماية من الفيروسات، وجدران الحماية المتطورة، كما ينبغي على الشركات أن تستثمر في تدريب الموظفين بشكل دوري على أفضل الممارسات في مجال أمن المعلومات، وذلك للحد من المخاطر البشرية التي قد تؤدي إلى اختراق البيانات، وما ينتج عن ذلك من تبعات وآثار كارثية.

آخر الأخبار