
لم تعد الزراعة في الاقتصاد المعاصر مجرد قطاع إنتاجي تقليدي يقتصر دوره على توفير الغذاء أو تشغيل اليد العاملة الريفية؛ بل تحولت إلى أحد المفاتيح الاستراتيجية للأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة، وإلى مجال استثماري واعد تتقاطع فيه اعتبارات النمو، والاستقرار، والتشغيل، والاستدامة البيئية، ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في موقع الزراعة ضمن الرؤية الاقتصادية الشاملة، لا بوصفها قطاعاً هامشياً؛ بل باعتبارها قاطرة تنموية متعددة الأبعاد.
فقد كشفت التحولات الاقتصادية العالمية، وما رافقها من أزمات غذائية واضطرابات في سلاسل الإمداد، أن الاقتصادات التي أهملت الاستثمار الزراعي دفعت ثمن ذلك ارتفاعاً في فاتورة الاستيراد، وضغوطاً على ميزان المدفوعات، وتراجعاً في الأمن الغذائي، وفي المقابل أثبتت التجارب أن الاستثمار الزراعي المنتج (القائم على التكنولوجيا والمعرفة وسلاسل القيمة) يمثل أحد أكثر أشكال الاستثمار قدرة على تحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية طويلة الأجل.
وفي سوريا تبرز أهمية الزراعة بصورة أكثر وضوحاً، إذ تمتلك البلاد قاعدة زراعية تبلغ نحو 4.4 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، في حين لا تتجاوز المساحات المروية فعلياً قرابة 1.4 مليون هكتار، ما يجعل جزءاً كبيراً من الإنتاج عرضة للتقلبات المناخية، وقد انعكس ذلك في اتساع فجوة القمح خلال السنوات الأخيرة، مع تقديرات لحاجة الاستيراد إلى نحو 3 ملايين طن في بعض المواسم، وهو ما يزيد الضغط على الميزان التجاري والموارد من القطع الأجنبي، ويجعل الأمن الغذائي أكثر حساسية للمتغيرات الخارجية.
غير أن الموسم المطري لهذا العام حمل مؤشرات إيجابية مع تحسن ملحوظ في الهطولات المطرية، وارتفاع نسب تنفيذ الخطة الزراعية للمساحات المروية، ما يفتح نافذة واقعية لتعزيز الإنتاج وتقليص فجوة الاستيراد، إلا أن تحويل التحسن المناخي إلى مكسب استراتيجي دائم يتطلب مقاربة تنموية أشمل، تقوم على إعادة هيكلة الأولويات الاقتصادية، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد قيمة مضافة، وتشغيل العمالة وتعزيز سلاسل القيمة الوطنية.
إن إدماج الزراعة في صلب التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي يقتضي الانتقال من منطق دعم النشاط الزراعي بمعناه الضيق، إلى منطق تنمية منظومة زراعية متكاملة تشمل: الإنتاج، والتصنيع الغذائي، والتخزين، والنقل، والتسويق، والتصدير، وهو ما يحوّل الزراعة من قطاع أولي منخفض القيمة المضافة، إلى سلسلة إنتاجية مولّدة للدخل وفرص العمل، كما أن الاستثمار الزراعي الناجح لا ينفصل عن الاستقرار الاقتصادي الكلي؛ إذ يتطلب سياسات قابلة للتوقع تشجع المستثمرين، وأطراً تمويلية ملائمة لطبيعة النشاط الزراعي، وبنية تحتية داعمة، وإدارة مستدامة للموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه والتربة.
وفي ظل التحديات البيئية المتزايدة، يكتسب الاستثمار في الزراعة المستدامة بعداً استراتيجياً إضافياً، حيث يربط بين تحقيق الأمن الغذائي، والحفاظ على الموارد، والتكيف مع التغيرات المناخية، فالزراعة لم تعد مجالاً للاستهلاك المكثف للموارد؛ بل أصبحت حقلاً واسعاً للابتكار، من الزراعة الذكية، إلى التقنيات الحيوية، إلى التحول الرقمي في إدارة الإنتاج والأسواق.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، خصصنا في هذا العدد من مجلة العالم الاقتصادي ملفاً رئيساً لموضوع الزراعة والاستثمار الزراعي، بوصفه مدخلاً أساسياً لإعادة التفكير في النمو الاقتصادي من زاوية الإنتاج الحقيقي، والاقتصاد الأخضر، والتنمية المتوازنة، وهو ملف لا يهدف إلى توصيف الواقع فحسب؛ بل إلى فتح نقاش علمي حول السياسات، والفرص الاستثمارية، والتحديات المؤسسية، والخيارات المستقبلية، وهو يمثل دعوة صريحة للنظر إلى الزراعة لا بوصفها عبئاً على الاقتصاد؛ بل بوصفها أحد أعمدته الأساسية، فإعادة الاعتبار للزراعة كقطاع استراتيجي لا تمثل عودة إلى الماضي؛ بل استثماراً واعياً في المستقبل، حيث تتقاطع فيه متطلبات الأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، والتنمية المستدامة.
