في عالمٍ ماليّ يتغيّر بوتيرة أسرع من قدرة الأجيال على التكيّف معه، يظهر جيل زد كحالة استثنائية تعيد تعريف معنى الثقة في الاستثمار، وحدود العلاقة بين الفرد والمؤسسات المالية.
هذا الجيل الذي نشأ في بيئة رقمية بالكامل، لم يعد يتعامل مع المال بوصفه مجرد أداة ادخار أو استثمار تقليدية، بل كمنظومة معقّدة تتداخل فيها التكنولوجيا، والمعلومات، والشبكات الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي.
وبينما تبدو الثقة في المؤسسات المالية مستقرة ظاهريًا، تكشف الدراسات الحديثة عن تحولات عميقة في طريقة فهم هذا الجيل للثقة، وللأمان المالي، ولمفهوم المستقبل نفسه.

ثقة انتقائية ومشروطة
تشير بيانات إيدلمان لمؤشر الثقة في الخدمات المالية إلى أن جيل زد (مواليد 1997-2012) يثق بالمؤسسات المالية تقريبًا بالمستوى نفسه الذي تثق به الأجيال الأخرى. غير أن تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024 حول المستثمرين الأفراد يكشف في المقابل عن تراجع عام في الثقة بالمؤسسات التقليدية، سواء المالية أو التكنولوجية، خلال العامين الأخيرين.
هذا التناقض الظاهري يعكس حقيقة أعمق: الثقة لم تعد مسألة “وجود أو غياب”، بل أصبحت “انتقائية ومشروطة” وتُبنى على التجربة الشخصية أكثر من السمعة المؤسسية.
الأكثر تعقيدًا هو ظهور شريحة صغيرة ولكن متزايدة من جيل زد يمكن وصفها بحالة “العدمية الاقتصادية”، وهم أفراد فقدوا الإيمان بإمكانية تحقيق الاستقرار المالي التقليدي، مثل امتلاك منزل أو الوصول إلى مراحل مالية معيارية كانت تعتبر جزءًا من الحلم الطبقي السابق، هذه الفئة لا ترفض الاستثمار فقط، بل تشكك في جدوى النظام المالي نفسه، ما يعكس أزمة ثقة أعمق من مجرد تفضيلات استثمارية.
السلوك الاستثماري
على مستوى السلوك الاستثماري، يختلف جيل زد جذريًا عن الأجيال السابقة، نحو ثلث المستثمرين من هذا الجيل بدأوا الاستثمار خلال فترة الجامعة أو بداية البلوغ، وهي نسبة تعادل ضعف معدل جيل الألفية في نفس العمر.
كما أن أكثر من 50% من جيل زد بدأوا التعرف على مفاهيم الاستثمار قبل دخول سوق العمل، مقارنة بنحو 20% فقط من جيل “الطفرة السكانية”، هذا التحول المبكر يعكس تأثير البيئة الرقمية، وتوافر التطبيقات المالية، وسهولة الوصول إلى الأسواق على مدار الساعة عبر الهاتف الذكي.
لكن هذا الانفتاح السريع على الاستثمار لا يعني بالضرورة التزامًا بالأساليب التقليدية. فجيل زد يميل بشكل أكبر إلى الأصول المعقدة وعالية المخاطر، وعلى رأسها العملات المشفرة.
تشير البيانات إلى أن العملات الرقمية تمثل أكثر من ثلث المحافظ الاستثمارية لدى 71% من مستثمري هذا الجيل، وهي نسبة تعكس استعداداً أكبر للمخاطرة مقارنة بجيل “إكس” و”طفرة المواليد”، الذين يميلون إلى المحافظ الأكثر تنوعاً واستقراراً وتحوطاً.
دوافع عدم الاستثمار
في المقابل، تتغير أيضاً دوافع عدم الاستثمار، فبين غير المستثمرين من جيل زد، يعود السبب الأساسي إلى القيود المالية والخوف من الخسارة، لكن نحو 20% منهم يشيرون صراحة إلى انعدام الثقة بالمؤسسات المالية، أما بين من يستثمرون بالفعل، فإن أغلبهم يؤكد أنه سيزيد استثماراته إذا توفر له تعليم أفضل، ووقت أكثر، وتجربة أسهل، والأهم: مستوى أعلى من الثقة في منصات الاستثمار نفسها.
وتبرز هنا مجموعة من العوامل التي تُبنى عليها الثقة بالنسبة لهذا الجيل. أهمها الأمن وحماية البيانات، والشفافية في الرسوم والتكاليف، وإتاحة الأبحاث المالية المتخصصة، إضافة إلى توصيات الأصدقاء والعائلة.
هذا الاعتماد على الدوائر الاجتماعية لا يعكس فقط نقصًا في الثقة المؤسسية، بل يعكس تحولًا في مصادر المعرفة، حيث أصبح التعلم قائماً على التجربة الشخصية والتفاعل داخل الشبكات الاجتماعية أكثر من القنوات الرسمية.

مرونة أكبر
كما يتميز جيل زد بمرونة أكبر تجاه مشاركة بياناته المالية، فهو أكثر استعداداً لمشاركة معلوماته مع الشركات المالية التقنية، وروبوتات المحادثة الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا.
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 40% من جيل زد يشعرون بالارتياح لفكرة إدارة الذكاء الاصطناعي لاستثماراتهم، مقارنة بـ14% فقط من جيل “طفرة المواليد”. كما أن 43% منهم يثقون في الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق ببياناتهم المالية، مقابل 17% فقط لدى الجيل الأكبر.
هذا التحول ينعكس أيضًا على مصادر المشورة المالية، فبينما يعتمد جيل زد بشكل أقل على المستشارين الماليين التقليديين، فإنه يميل بقوة إلى الأدوات الرقمية مثل تطبيقات الميزانية والمستشارين الآليين.
المؤثرون الماليون
كما يلعب ما يُعرف بـ”المؤثرين الماليين” دورًا متزايدًا في تشكيل وعيهم الاستثماري، حيث يقدمون محتوى بسيطاً، مباشراً، وغالباً مجانياً، ما يجعلهم أكثر تأثيراً من المؤسسات المالية التقليدية على منصات التواصل الاجتماعي.
هذه التحولات المتشابكة تخلق بيئة مالية جديدة بالكامل، حيث يصبح جيل زد أكثر فضولاً للاستثمار، وأكثر انفتاحاً على الأدوات غير التقليدية، لكنه في الوقت نفسه أقل ارتباطًا بالمؤسسات المالية الكلاسيكية، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا والشبكات الاجتماعية.
3 مسارات
أمام هذا الواقع، تبرز ثلاثة مسارات رئيسية لسد فجوة الثقة بين جيل زد والنظام المالي:
|
3 مسارات رئيسية لسد فجوة الثقة بين جيل زد والنظام المالي |
|
|
تحويل بناء الثقة إلى أولوية استراتيجية قائمة على الشفافية وإتاحة الوصول |
فالمؤسسات المالية مطالبة بتطوير نماذج تسعير واضحة وخالية من التعقيد، وتوسيع خدمات الاستشارة الرقمية والهجينة، بحيث تصبح النصائح المالية متاحة وشخصية في الوقت نفسه، كما يجب تعزيز وضوح القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، خاصة في القرارات عالية المخاطر، لضمان فهم المستخدم لما يحدث داخل النظام المالي. |
|
رفع مستوى الثقافة المالية منذ المراحل المبكرة من التعليم |
إذ يرى أكثر من نصف غير المستثمرين من جيل زد أنهم سيكونون أكثر استعدادًا للاستثمار إذا تعلموا ذلك في المرحلة الابتدائية. لكن التعلم لا يجب أن يتوقف عند هذا الحد، بل يجب أن يستمر مدى الحياة، نظراً لتغير طبيعة الاقتصاد وطول متوسط العمر، ما يجعل التعليم المالي المستمر عنصراً أساسياً للاستقرار الاقتصادي. |
|
إعادة تصميم طريقة التواصل مع المستثمرين الشباب |
فالمؤسسات المالية تحتاج إلى تحسين تجربة المستخدم في تطبيقاتها وخدماتها الرقمية لتصبح أكثر بساطة ووضوحاً، بما يتناسب مع توقعات جيل معتاد على السرعة والتخصيص، كما يمكن لهذه المؤسسات التعاون مع المؤثرين الموثوقين على منصات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مالية دقيقة وموثقة، خاصة أن أبرز المؤثرين الماليين لديهم جمهور يفوق أضعاف جمهور أكبر المؤسسات المالية عالميًا. |
في النهاية، تصبح الثقة العملة غير المرئية التي تحدد مستقبل الاستثمار في عصر تتداخل فيه التكنولوجيا مع القرارات المالية اليومية، جيل زد لا يرفض النظام المالي، لكنه يعيد تعريف شروطه، ويضع معايير جديدة للشفافية، وسهولة الوصول، والمصداقية.
وبينما تتسارع الأسواق وتزداد تعقيداً، يصبح التحدي الحقيقي أمام المؤسسات المالية ليس فقط جذب هذا الجيل، بل فهمه والتكيّف مع لغته الجديدة في عالم المال.
المصدر: أرقام- المنتدى الاقتصادي العالمي
