بقلم: الدكتورة رانيا عقيل
منذ الاستقلال عام 1946، لم تكن الزراعة في سوريا قطاعاً اقتصادياً محضاً؛ بل شكّلت ساحة مركزية للحكم وإدارة المجتمع والموارد والشرعية السياسية، ففي مجتمع يغلب عليه الطابع الريفي، ارتبطت الأرض بالهوية والمياه بالبقاء والغذاء بالسيادة، ما جعل السياسات الزراعية أداة أساسية في بناء السلطة وإعادة إنتاجها.
في هذه الدراسة سننطلق من فرضية أن أزمة الزراعة السورية هي بالأساس أزمة حوكمة لا أزمة موارد أو إنتاج، إذ صُمّمت السياسات الزراعية لخدمة منطق الحكم أكثر من التنمية، وتحوّل الفساد إلى آلية مؤسسية لإدارة الريع والولاءات، وتعتمد الدراسة مقاربة تحليلية تدمج الاقتصاد السياسي الزراعي مع الحوكمة والمؤسسية التاريخية، لإعادة قراءة مسار السياسات الزراعية منذ الاستقلال بوصفه سلسلة من عقود زراعية غير مكتوبة بين الدولة والفلاح، تغيّر مضمونها بتغيّر طبيعة النظام السياسي.
الفصل الأول: الإطار النظري– الاقتصاد السياسي والحوكمة الزراعية
الاقتصاد السياسي الزراعي
ينظر الاقتصاد السياسي الزراعي إلى الزراعة بوصفها مجالًا تتقاطع فيه السلطة مع السوق والمجتمع والموارد الطبيعية، حيث تعكس سياسات الدعم والتسعير وتوزيع الأرض والمياه توازنات القوة بين الدولة والفلاحين والنخب، وفي الحالة السورية استُخدمت الزراعة كأداة لإدارة الريف سياسيًا عبر تحقيق ثلاث وظائف مترابطة: إنتاج الغذاء، ضبط المجتمع الريفي، وتوزيع الريع بما يخدم الاستقرار السياسي.
المؤسسية التاريخية
تفسّر المؤسسية التاريخية استمرار أنماط السياسات والمؤسسات عبر الزمن رغم ضعفها، انطلاقاً من أن الخيارات المبكرة في بناء الدولة تخلق مسارات يصعب تغييرها لاحقاً، في سوريا أدّت المركزية وغياب المساءلة إلى ترسيخ نمط مؤسسي أعاد إنتاج نفسه، ما جعل الإصلاحات اللاحقة محدودة أو شكلية وأحياناً مولّدة لاختلالات جديدة.
الحوكمة كعدسة تحليل
تُستخدم الحوكمة لفهم كيفية صنع القرار الزراعي وتنفيذه ومساءلته، وكشف من يملك السلطة ومن يستفيد ومن يُقصى، خاصة الفلاحين الصغار، وتتيح هذه المقاربة تفسير فشل السياسات المتكررة، وبناء إطار إصلاحي قائم على المشاركة والشفافية والمساءلة.
الفصل الثاني: منهج الدراسة.. العقد الزراعي المتحوّل
نعتمد في الدراسة مفهوم «العقد الزراعي المتحوّل» بوصفه تفاهمات ضمنية تنظّم العلاقة بين الدولة والفلاح، تحدد ما تقدّمه الدولة وما تطلبه بالمقابل، وكيف تُدار الموارد ومن يملك القرار، ويُوصف بالمتحوّل لتغيّره مع تحولات النظام وميزان القوى الريفية، ويُستخدم لتحليل ديناميات الحكم والشرعية في الزراعة السورية بعيداً عن الوصف السطحي للسياسات.
الفصل الثالث: عقد النخبة المالكة – ما بعد الاستقلال 1958-1946
شكّلت الزراعة عماد الاقتصاد السوري بعد الاستقلال، إذ ساهمت بنحو 45–55% من الدخل الوطني، بقيمة مضافة قُدّرت بـ 1–1.5 مليار دولار، بلغت الأراضي المزروعة 4.5–5 ملايين هكتار، معظمها بعلي (أكثر من 90%)، مقابل 200–250 ألف هكتار مروية فقط. تركز الإنتاج على القمح والشعير، مع القطن كمحصول نقدي، اتسمت الإنتاجية بالانخفاض (0.8–1 طن قمح/هكتار مقابل 1.1–1.3 عالمياً)، باستثناء القطن (0.4–0.6 طن ألياف/هكتار) وهي نسبة تقارب المتوسط العالمي.
في تلك المرحلة هيمنت النخبة المالكة على القرار الزراعي، مع تدخلٍ رسمي ضعيف من الدولة في إدارة القطاع وتنظيمه، ما أسهم في تعميق الفجوة الاجتماعية في الريف، وتهيئة الشروط التي مهّدت لاحقًا لتبنّي سياسات الإصلاح الزراعي.
الفصل الرابع: عقد العدالة الثورية – الإصلاح الزراعي 1970-1958
فكك الإصلاح الزراعي علاقات الهيمنة دون بناء علاقات إنتاج حديثة، مستبدلاً تبعية المالك بتبعية الدولة المركزية، فقد تحسنت غلة القمح إلى 1.1–1.4 طن/هكتار (دون المتوسط العالمي 1.5–2)، وبلغ الإنتاج 1.5–2 مليون طن سنوياً بقيمة 180–250 مليون دولار (6–8% من الدخل الوطني)، وحقق القطن 0.6–0.8 طن ألياف/هكتار وإنتاجاً قدره 80–120 ألف طن ألياف بقيمة 120–200 مليون دولار (4–6% من الدخل الوطني)، ورغم ذلك لم تتجاوز مساهمة القمح والقطن معاً 10–14% من الدخل الوطني، وبقيت الزراعة منخفضة القيمة المضافة.
الفصل الخامس: عقد الدولة الراعية الريعية – 2000-1970
ترسّخ نموذج الدولة الراعية، حيث أصبحت الدولة المنتج والمسوّق والمسعّر مقابل الولاء، فقد ساهمت الزراعة بـ 25–30% من الناتج، وارتفعت قيمتها المضافة إلى 8–10 مليارات دولار أواخر التسعينيات دون تحوّل نوعي، وتوسعت المساحات المروية إلى 1.1–1.3 مليون هكتار، مع غلة قمح مروي 2–2.5 طن/هكتار (قريبة من العالمي)، وقطن عند المتوسط العالمي (0.55–0.6)، وبلغ إنتاج القمح 2.7–3 ملايين طن (280–390 مليون دولار)، والقطن 0.33–0.36 مليون طن ألياف (400–470 مليون دولار)، ولم تتجاوز مساهمتهما 4–5.5% من الناتج، وكان الضعف نتاج نموذج ريعي وفساد مؤسسي يخدم الاستقرار السياسي لا التطوير.
الفصل السادس: عقد السوق المختل – 2010-2000
اتسعت فجوة الإنتاجية مع بقاء معظم المساحة الزراعية بعلية (5–6 ملايين هكتار) ومحدودية الري الفعلي (0.4–0.5 مليون هكتار)، ولم تتجاوز غلة القمح 1–1.2 طن/هكتار مقابل 2.7–3 عالمياً، والقطن 0.4–0.5 طن ألياف/هكتار مقابل 0.7–0.8، وبلغ إنتاج القمح 3–4 ملايين طن بقيمة 450–700 مليون دولار، والقطن 0.3–0.35 مليون طن ألياف بقيمة 400–600 مليون دولار، مع مساهمة مشتركة لم تتجاوز 4–6% من الناتج المحلي (20–30 مليار دولار(.
جاء ذلك في سياق تبنّي «اقتصاد السوق الاجتماعي» كشعار إصلاحي استُخدم عملياً لإعادة تشكيل دور الدولة لا لتطويره؛ إذ جرى تفكيك أدوات دعم الإنتاج والتسعير والمؤسسات العامة التي كانت تؤمّن حداً من الحماية للفلاحين، دون بناء سوق تنافسي حقيقي أو أطر تنظيمية عادلة، وبذلك لم تنسحب الدولة لصالح السوق؛ بل أعادت تموضعها عبر شبكات امتياز وزبائنية، ما سمح باحتكار الوسطاء للمدخلات والتسويق، وأضعف موقع الفلاحين اقتصادياً.
وقد فاقم هذا المسار عاملان حادّان في أواخر العقد هما: موجات الجفاف المتتالية (2010-2006) ورفع أسعار المشتقات النفطية، ما رفع كلفة الري والنقل والإنتاج، وحوّل الاختلال الإنتاجي إلى تفكك اجتماعي واسع تمثّل في تراجع النشاط الزراعي وتسارع الهجرة الريفية.
الفصل السابع: عقد البقاء – مرحلة الثورة 2023-2011
أدّت الحرب إلى انهيار العقد الزراعي عبر تدمير البنية التحتية والتهجير وتجفيف الدعم واستخدام الغذاء والطاقة أدوات للسيطرة، ورغم ذلك استمرت الزراعة كاقتصاد بقاء، بمساهمة 13–15% من الناتج، وإنتاج قمح 1–2 مليون طن سنوياً (بعد ~4 ملايين قبل 2011)، مع غلة بعلية 0.7–1 طن/هكتار، وتحقق الصمود عبر تقليص المدخلات والعمل الأسري واستنزاف الموارد، مانعاً الانهيار الغذائي الكامل، لكنه بقي دفاعياً في ظل غياب الحوكمة وتحول الدولة إلى فاعل مُقوِّض لشروط العيش.
الفصل الثامن: المياه والموارد – جوهر الحوكمة الغائبة
أزمة المياه في سوريا ليست تقنية بقدر ما هي أزمة إدارة وحوكمة؛ فقد أدّت مركزية القرار، وضعف الرقابة، وتسييس مشاريع الري، إلى استنزاف المياه الجوفية وتراجع الإنتاجية، كما أدى غياب مشاركة المزارعين في اتخاذ القرار إلى تحويل إدارة المياه إلى عملية فوقية، فحلّ الهدر محل الاستدامة، وأصبحت الموارد تُستهلك دون مسؤولية جماعية.
الفصل التاسع: مقارنات دولية
توضح المقارنات الدولية أن الفارق الأساسي بين التجارب الزراعية الناجحة والمتعثرة يكمن في طبيعة الحوكمة، فالنماذج المركزية -كما في مصر- أبقت القرار بيد الدولة وحدّت من مبادرات الفلاحين، ما انعكس ضعفاً في الإنتاجية رغم توفر الموارد، في المقابل اعتمد المغرب سياسات أكثر تشاركية عبر الزراعة التعاقدية وتنظيم الفاعلين، ما حسّن الكفاءة وربط الدعم العمومي بالأداء، أما فيتنام فقد مثّل تفكيك المركزية ومنح الفلاحين حقوق استخدام وحوافز اقتصادية واضحة نقطة التحول الأساسية في تطور قطاعها الزراعي.
الفصل العاشر: نحو عقد زراعي جديد
تؤكد معايير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن جوهر الإصلاح الزراعي يكمن في الإدارة الرشيدة للقطاع، ولا يقتصر ذلك على رفع الإنتاج، بل يشمل ضمان حقوق الفلاحين، وحماية صغار المنتجين، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية والاجتماعية، وفي سوريا لا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون إعادة بناء العقد الزراعي على أساس شراكة حقيقية بين الدولة والفلاح، تقوم على المشاركة في القرار، والشفافية في الدعم، والمساءلة بدل التحكم الإداري، بما يعزز استدامة القطاع وأدائه.
الفصل الحادي عشر: أسس الإصلاح الزراعي في مرحلة ما بعد التحرير
برزت لدى الحكومة الجديدة، في مرحلة ما بعد التحرير، محاولات أولية لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقطاع الزراعي، مستفيدة من دروس انهيار العقد الزراعي الذي حكم الريف السوري منذ الاستقلال، وتركّزت هذه المحاولات على استعادة دور الدولة بوصفها إطاراً ناظماً وداعماً، لا فاعلاً ريعياً، وذلك عبر إعادة تفعيل المؤسسات الزراعية العامة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، ولا سيما شبكات الري والخدمات الإرشادية.
سعت الحكومة إلى معالجة اختلالات السوق والاقتصاد الهش عبر إصلاح آليات الدعم وربطها بالإنتاج الفعلي، وتنظيم الأسواق الزراعية للحد من الاحتكار وتقليص دور الوسطاء، كما عملت على بناء منظومة تسويق أكثر شفافية تضمن قدراً من الاستقرار السعري للفلاحين، وفي هذا الإطار عززت التعاون مع المنظمات الدولية للاستفادة من المعايير العالمية في إدارة الموارد الزراعية، انطلاقاً من قناعة بأن رفع الإنتاجية يتطلب الاستثمار في البحث والتقنيات الحديثة وبناء قدرات الفلاحين كشركاء في التنمية.
غير أن هذه الخطوات لا تزال أولية وتواجه تحديات بنيوية، أبرزها محدودية الموارد، وتراكم التفكك المؤسسي، وغياب الثقة بين الدولة والفلاحين، ومن ثمّ فإن تحويلها إلى سياسات مستدامة يظل مرهوناً بإرساء حوكمة تقوم على الشفافية والمساءلة، وفصل الدعم الزراعي عن منطق الزبائنية، وإشراك الفلاحين في صنع القرار، فنجاح الإصلاح الزراعي لا يتوقف على إعادة الإعمار المادي فحسب؛ بل على إعادة بناء العقد الزراعي ذاته بوصفه علاقة إنتاج وعدالة وتنمية.
نحو حوكمة رشيدة للزراعة السورية
إن الزراعة في سوريا كانت عبر تاريخها الحديث انعكاساً لطبيعة الحكم أكثر من كونها قطاعاً تنموياً مستقلاً، فقد أُديرت بوصفها أداة للضبط السياسي وتوزيع الريع، وتغلغل فيها الفساد كآلية حكم، لا كحالة استثنائية، وتالياً فإن مستقبلها مرهون بالانتقال من منطق الإدارة السلطوية إلى الحوكمة التشاركية، ومن علاقة تبعية إلى علاقة شراكة بين الدولة والفلاح، بحيث يصبح الفلاح فاعلاً في التنمية لا مجرد منفّذ للسياسات، فالزراعة لا تنهض بكثرة الموارد فقط؛ بل بحسن إدارتها، والحوكمة الرشيدة ليست خياراً تقنياً، بل شرطاً تأسيسياً لأي نهضة زراعية وتنموية مستدامة.
