“الهجرة الدائرية”.. كيف توظف سوريا كفاءاتها المهاجرة؟

زمن القراءة: 8 دقائق

كان لافتاً دعوة السيد الرئيس أحمد الشرع -خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس- إلى إرساء نموذج “الهجرة الدائرية” كنموذج للتعاون بين سوريا وألمانيا، إذ اعتبر أن هذا النموذج “يتيح للكفاءات السورية في الخارج أن تساهم في إعادة إعمار وطنها ونقل خبراتها إليه، مع الحفاظ على استقرارها في ألمانيا لمن يرغب بالبقاء، وهو ما يعزز مبدأ الاستفادة المتبادلة بين البلدين من دون فرض خيار العودة النهائية”.

فما هي فرص نجاح هذا النموذج؟ وهل ثمة عقبات؟ وما المطلوب كي نضع قطار الهجرة الدائرية على السكة الصحيحة؟

تحول المهاجر من خسارة بشرية إلى مكسب

في هذا الشأن، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور فراس شعبو في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”: “الهجرة الدائرية هي مصطلح قديم، فكرته الأساسية تتركز على تعريف العلاقة بين الوطن والمغتربين، فبدلاً من أن ننتظر عودة المغتربين، يمكن الاستفادة من خبراتهم في دورة مستمرة من المعرفة والاستثمار والتنمية، حتى لو لم تكن هناك عودة نهائية إلى بلدهم، باختصار، هي ليست بديلاً عن العودة، ودعنا نقول إنها مرحلة انتقالية ذكية تحول المهاجر من خسارة بشرية إلى أصل اقتصادي عابر للحدود، وبدلاً من أن نخسر هذه الموارد البشرية، ونعتبرها أصلاً اقتصادياً خارج الحدود أو عابراً لها، يمكن الاستفادة منها في مشاريع أو استثمارات معينة”.

وأوضح الباحث أن الفكرة الأساسية للهجرة الدائرية تشبه حالة شخص سوري هاجر نتيجة القصف أو رغبة في تحسين وضعه، يمتلك خبرات ومهارات، ثم يعود من خلال مشروع معين مرتبط مع الدولة أو مع جهة حكومية معينة، ينفذ هذا المشروع، وينقل خبرته، ويحاول تقديم الفائدة للدولة السورية بما يمتلكه، ثم يعود إلى بلد الإقامة بشكل أو بآخر، وهو ما يمثل تدفقاً مستمراً للخبرات دون الحاجة إلى العودة النهائية.

ويضيف شعبو: “كثير من الدول فعلت هذا الأمر، وخاصة الهند، ولا سيما في قطاع الـ”آي تي”، حيث أبدعت الهند في هذا المجال بشكل كبير، واستطاعت أن تستقطب الكفاءات في هذا المجال، وأن تنقل خبرات وادي السيليكون إلى إحدى المدن الهندية، وشجعت على عودة مؤقتة للكفاءات العلمية الموجودة في الولايات المتحدة، وأمنت لأصحابها فرصاً وبيئة عمل مناسبة بشكل كبير، ونجحت الهند اليوم في مجال التكنولوجيا”.

ويتابع شعبو حديثه قائلاً: “أعتقد اليوم، بالنظر إلى واقع الشتات السوري وحالة الاحتياج الموجودة في سوريا وحالة نزيف العقول، فإن هذا النوع من الهجرة مناسب لسوريا، فهناك ملايين السوريين في أوروبا أو في الوطن العربي أو في تركيا اكتسبوا مهارات متقدمة فنية وأكاديمية ومؤسساتية، وهو ما يمثل رأس المال البشري الذي يمكن أن نستفيد منه في سوريا، بما يمتلكه من خبرات تقنية وإدارية، فهناك احتياج كبير لهذه الخبرات في البلاد، خاصة في مرحلة إعادة الإعمار وإعادة بناء الدولة، وبالتالي يمكن أن نحول الهجرة إلى مورد”.

خطوة تمهد للعودة النهائية

ويشير شعبو إلى أن وجود هكذا عمالة وخبرات يجذب الدول المستضيفة للاستثمار في هذه الموارد البشرية الموجودة لديها، لكونها تتفهم آلية العمل وتستوعب وسائل الإنتاج فيها، فعلى سبيل المثال، كثير من الشركات التركية، حين رأت أن هناك عمالاً سوريين سيعودون إلى حلب، افتتحت معامل لهم في حلب، وقالت لهم: اعملوا وأنتجوا في حلب وصدّروا إلى تركيا، وهو ما سرّع في البدء بمشاريع في سوريا، الأمر الذي يحفز الاستثمار، وخاصة في المشاريع الصغيرة، وهي خطوة ذكية تمهد للعودة النهائية، وهي صعبة حالياً، بسبب ضعف البيئة الاستثمارية ومخاطر الانتقال الدائم.

وفي هذا الصدد، يشير الخبير الاقتصادي سعود الرحبي، وهو مستشار في الأسواق المالية والبورصات العالمية، في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن طرح مفهوم الهجرة الدائرية في هذا التوقيت، كما أشار إليه السيد الرئيس أحمد الشرع، يمثل نقلة نوعية في عقلية إدارة الموارد البشرية والخبرات الوطنية المهاجرة، فنحن اليوم لا نتحدث عن خيار أحادي (إما البقاء في الخارج أو العودة النهائية)، بل نتحدث عن نموذج مرن يسمح للسوري المبدع في المغترب بأن يكون شريكاً حقيقياً في نهضة بلده، وهو في مكان عمله العالمي.

ويضيف الرحبي: “يتلخص مفهوم الهجرة الدائرية بثلاث نقاط أساسية: أولاً نقل التكنولوجيا والمعرفة والخبرات إلى سوريا، مما يسمح بتدفق الخبرات التقنية والإدارية التي اكتسبها السوريون في كبرى المؤسسات الدولية إلى الداخل السوري. ثانياً تحفيز الاستثمار الجريء، فعندما تشعر الكوادر السورية في الخارج بأنها مرتبطة بوطنها تشريعياً واقتصادياً من دون قيود الإقامة الدائمة، سيتحولون من مغتربين يرسلون حوالات إلى مستثمرين يفتتحون مشاريع أو يشرفون على حاضنات أعمال تنقل الخبرة للشباب السوري في الداخل، وثالث هذه النقاط يتمثل في دعم عملية إعادة الإعمار، فالخبرات السورية التي احتكت بالأنظمة المالية والقانونية في أوروبا ودول العالم هي الأقدر على جسر الهوة بين الاقتصاد المحلي والأسواق العالمية”.

ويلفت الرحبي إلى أنه لتحقيق نجاح الهجرة الدائرية، نحتاج إلى عمل متوازٍ على محورين: يتمثل المحور الأول في تحديث البيئة القانونية، إذ لا بد من مراجعة القوانين الناظمة للعمل والاستثمار لتصبح أكثر ديناميكية، وتسمح بالعمل عن بُعد، وبالشراكات العابرة للحدود بسهولة، ويتمثل المحور الثاني في التحول الرقمي، من خلال تبسيط الإجراءات الحكومية لتقليل الاحتكاك البيروقراطي، الأمر الذي يشجع الخبير السوري على نقل تجربته دون الدخول في دوامة المعاملات الورقية المعقدة”.

ويشدد الرحبي على أن “البيئة القانونية تمثل اليوم أولوية”، مضيفاً: “لاحظت في الفترة الماضية أن كثيراً ممن أعرفهم ويعملون في مجال الأسواق المالية العالمية، ومنهم موظفون وأصحاب مناصب إدارية ورجال أعمال، قد تعرضوا للظلم بسبب بعض القوانين القديمة حين عادوا إلى سوريا لتأسيس مشاريع فيها، لكنهم أحجموا عن ذلك لعدم وجود قوانين متطورة، ومنهم من واجهته دعاوى ومشكلات قانونية وقضايا باطلة، علماً أنهم عادوا بهدف إنتاج خدمات جديدة نوعاً ما في سوريا، ولكن لم يجدوا قوانين حاكمة لها داخل البلاد، وبالتالي إذا لم يتم إصلاح وتطوير القوانين، لن يتم إصلاح البلاد”.

من جهته، رأى عبيدة الثائر، وهو طبيب مقيم في ألمانيا، أن الزيارات المؤقتة إلى سوريا يمكن أن تكون فعّالة جداً، سواء عبر إجراء عمليات نوعية، أو تدريب الكوادر المحلية، أو إدخال بروتوكولات علاج حديثة، معتبراً أن هذا النموذج يتيح نقل المعرفة بشكل مباشر دون الارتباط بقرار العودة النهائية، خاصة أن كثيراً من الأطباء استقروا مهنياً وعائلياً في الخارج.

وأضاف الثائر في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “لا تزال هناك العديد من التحديات التي يتعرض لها الأطباء السوريون الراغبون بالعودة، وهي الاعتراف بشهاداتهم، والتراخيص المؤقتة للعمل داخل البلاد، إضافة إلى ضعف البنية التحتية في بعض المناطق، ما قد يحد من القدرة على تطبيق الخبرات المكتسبة في الخارج، كما أن عامل الوقت والالتزامات المهنية في ألمانيا يشكل أيضاً عائقاً أمام الزيارات المتكررة”.

وختم: “سوريا بحاجة إلى بيئة عمل منظمة ومحفزة، تشمل تسهيلات قانونية للأطباء القادمين مؤقتاً، وضمانات لسلامة العمل، إضافة إلى توفير تجهيزات طبية حديثة”، مؤكداً أن وجود برامج واضحة للتعاون بين الداخل والخارج سيشجع الكفاءات على الانخراط، لأن الكثير من الأطباء لديهم الرغبة في المساهمة، لكنهم يحتاجون إلى إطار عملي وواضح.

بسام الرحال

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار