لماذا تتراجع الليرة مجدداً بعد استقرار نسبي؟

زمن القراءة: 7 دقائق

بعد استقرار نسبي، شهد سعر صرف الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً في الأيام الأخيرة، خاصة بعد عيد الفطر، ليسجل الدولار قفزة في السوق الموازية حيث وصل إلى نحو 125 ليرة جديدة (12,500 ليرة قديمة).

ورغم تحسن سعر الصرف بأكثر من 30 بالمئة مقارنة بما قبل التحرير، إلا أن الليرة تواصل منذ أشهر التأرجح بين 110 و120 ليرة جديدة (11,000–12,000) للدولار، قبل أن تنخفض إلى ما دون هذه المستويات خلال الأيام الأخيرة.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، قال في تصريح سابق، إن السياسة النقدية المشددة التي اعتمدها المصرف المركزي، التي لم تشمل تمويل عجز الموازنة لأول مرة في تاريخ البلاد، أسهمت في تحقيق استقرار نسبي بسعر الصرف خلال السنة الأولى من الإصلاحات الاقتصادية.

ومنذ آذار 2025، اتخذ المصرف المركزي إجراءات عدة لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، شملت التعويم المدار، وتوحيد أسعار الصرف، وهوامش التسعير.

وعمل مصرف سوريا المركزي على إجراء تعويم مدار لسعر صرف الليرة، معتمداً على آليات العرض والطلب، بحسب ما قال الحصرية، في تصريح سابق.

والتعويم المدار هو نظام لسعر الصرف يُسمح فيه للعملة بالتحرك وفق آليات العرض والطلب في السوق، لكن مع تدخل البنك المركزي عند الحاجة للحد من التقلبات الحادة.

ووحّد المصرف المركزي في آذار 2025 جميع نشرات سعر الصرف في نشرة واحدة باسم “النشرة الرسمية” تُطبّق على مختلف المعاملات، كما حدّد سعر الصرف فيها (شراء ومبيعاً ووسطياً) وفق معطيات السوق، مع قابليته للتعديل بحسب العرض والطلب. ومنح المصارف وشركات الصرافة مرونة التسعير ضمن هامش حركة يومي يحدده المركزي، يسمح لها بالتسعير أعلى أو أدنى من السعر الرسمي ضمن نسبة محددة (5 بالمئة ثم رفعها في آب إلى 7 بالمئة).

الدولار.. ملاذ آمن

رغم وجود أسباب محلية تدعم تراجع الليرة، مثل ضعف الإنتاج، إلا أن المحللين يربطون الانخفاض الحالي بشكل أساسي بالوضع الإقليمي والعالمي الناتج عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ويقول المحلل الاقتصادي حسام عايش، لصحيفة “الثورة السورية”: “الدولار الآن يلعب دور الملاذ الآمن العالمي كبديل للملاذات الاستراتيجية الأخرى، سواء على مستوى العملات مثل الفرنك، الجنيه الإسترليني، الين الياباني، واليورو، أو على صعيد الأصول الأخرى كالذهب والمعادن والفضة، وفي بعض الحالات حتى السندات”.

وأضاف: “بالتالي، يتفوق الدولار على هذه الأصول من حيث اعتباره ملاذاً آمناً، لأسباب مختلفة، أهمها ارتفاع أسعار الطاقة والسلع وزيادة كلفة الشحن والتأمين. وكل ذلك يحتاج إلى الدولار لأنه يُسعر به في معظم هذه المعاملات، ما زاد الطلب على العملة الأميركية وأدى إلى ارتفاع قيمتها”.

ويؤكد عايش أن مؤشر الدولار مقابل العملات الرئيسة الست الأخرى يرتفع بنسبة تتراوح بين 3 و5 في المئة، وربما أكثر، وهذا مرتبط بالسيولة في ظروف عدم اليقين، حيث يفضل الناس الاحتفاظ بالسيولة.

وفي هذه الحالة، تُعد السيولة العالمية والمحلية الوسيلة الأفضل للحفاظ على القيمة أو لاستخدامها سريعاً، ويأتي الدولار في مقدمتها. وعليه، باع معظم أصحاب الأصول ما لديهم من ذهب أو فضة، وحولوها إما إلى استثمارات في السندات أو الدولار، أو احتفظوا بها كسائلة.

وإلى جانب الدولار، تشمل العملات الرئيسة: اليورو، الين الياباني، الجنيه الإسترليني، الفرنك السويسري، الدولار الكندي، والدولار الأسترالي.

كما يرى المحلل الاقتصادي أن ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية (3.75 بالمئة) تعد من أبرز أسباب ارتفاع الدولار، إذ لم يقم الاحتياطي الفيدرالي بخفض هذه الفائدة، ما يعني استمرار السياسة الحالية التي تمثل رفعاً نسبيّاً للفائدة. وعندما ترتفع أسعار الفائدة، يتحول المستثمرون إلى الملاذات الآمنة أو إلى استثمارات بالدولار، إذ يمكن أن يحققوا عائداً من الفائدة، على عكس الذهب والفضة وغيرها من الأصول التي لا تدر فائدة مباشرة، وإنما يعتمد المستثمرون فيها على المراهنة على ارتفاع الأسعار أو قيمة هذه الأصول مستقبلاً.

وبالتالي، وفقاً لعايش، فإن شهية المخاطرة لدى المستثمرين تراجعت لصالح الملاذات الآمنة التي يمثلها الدولار في مختلف دول العالم، بما فيها سوريا والأردن. ونتيجة لهذه الأسباب وغيرها، يزداد الطلب على الدولار، ما يؤدي إلى ارتفاع قيمته وانعكاس ذلك على أسعار العملة المحلية.

ما بعد طرح العملة الجديدة

في تعليقه على تأثير طرح العملة الجديدة، يرى عايش أن حذف صفرين من الليرة السورية قد يؤدي إلى تذبذب، مع ارتفاع وهبوط محدودين في سعرها أمام الدولار.

وضمن الظروف غير اليقينية، بما في ذلك التطورات غير المحسوبة التي قد تؤثر في المنطقة، وكذلك تأثيرها المحتمل على سلاسل الإمداد وحركة النقل والتزود بالسلع وغيرها، تتزايد الحاجة إلى وجود عملة أجنبية رئيسة يمكن اللجوء إليها للاستثمار عند الحاجة أو في حال وقوع المخاطر.

وهذه العملة، في ظل الظروف السائدة في سوريا وغيرها من الدول، هي الدولار، ما يعني أن الدولة تصبح أكثر حرصاً على الاحتفاظ بالدولار، وبالتالي تقلل من عرضه في السوق، ما يؤدي إلى ارتفاع سعره وتراجع العملة المحلية.

إضافة إلى ذلك، يفضل المواطنون الذين يحتفظون بسيولة، في مثل هذه الظروف، أن تكون هذه السيولة بعملة يمكن استخدامها في كل الأوقات وفي جميع الأماكن، وهي الدولار.

وهذا يعني أن الطلب على العملة المحلية يتراجع بشكل كبير، كما هو الحال في سوريا ومصر والأردن ولبنان، وكذلك في الدول الناشئة أو النامية. ويترتب على ذلك ارتفاع الدولار في هذه الدول، وارتفاع أسعار الفائدة عليه، ما يؤدي إلى زيادة كلفة الدين وخدمة الديون، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والاستيراد، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على ميزان المدفوعات لدى هذه الدول، ويؤدي إلى مزيد من استنزاف احتياطياتها من العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار.

ويشير إلى أن هناك العديد من العوامل التي تدفع إما إلى الاحتفاظ بالدولار أو إلى تقليل عرضه في السوق لاستخدامه في احتياجات أكثر ضرورة وحيوية.

كما أن حوالات المغتربين تنخفض في ظل ظروف الحرب السائدة حالياً، إذ يفضلون الاحتفاظ بسيولة لديهم لمواجهة أي تطورات خطيرة، كما هو الحال لدى المغتربين في دول الخليج.

ويؤكد أنه، مرة أخرى، يتبين أن الدولار ما زال اللاعب الأساسي في المنظومة المالية والنقدية العالمية، بما في ذلك منظومة التجارة وغيرها. وبالتالي، في ظل ظروف عدم اليقين، يرتفع سعر الدولار وتنخفض العملات الأخرى، سواء المحلية أو العالمية، مع الأخذ في الاعتبار أن الذهب حالياً لم يلعب الدور الذي يُفترض أن يؤديه في ظل الحروب والأزمات، إذ يشهد هو الآخر تراجعاً.

ويتابع: “هذه واحدة ربما من الألغاز الاقتصادية، فالذهب كان يُفترض أن يلعب دوراً كبيراً في هذه الأزمات، لكن التضخم المتوقع نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وعودة أسعار الفائدة إلى الارتفاع جعلا الذهب أيضاً ضحية من ضحايا الدولار”.

عزة شتيوي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار