تتزايد المخاوف من نقص حاد في الهيليوم، وهو منتج ثانوي للغاز الطبيعي، بعد انخفاض الإنتاج العالمي منذ بداية الحرب في منطقة الشرق الأوسط، حيث يمتد تأثير الصراع من أسواق الطاقة إلى سلاسل التوريد الحيوية الأخرى.
ومنطقة الخليج مُصدِّر رئيس للهيليوم، الذي يُعدّ ضرورياً لتصنيع الرقائق الإلكترونية الدقيقة – بما في ذلك الرقائق المُستخدمة في دعم طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية – فضلاً عن تشغيل بعض الأجهزة الطبية. وخلال الأسبوع الماضي، راسلت شركة تابعة لشركة «إير ليكيد» الفرنسية تعمل في الولايات المتحدة عملاءها، مُعلنةً حالة القوة القاهرة في عقود توريد الهيليوم، ومُحذرةً في المراسلات التي اطلعت عليها صحيفة «فاينانشال تايمز» من أنها قد لا تتمكن من تلبية الطلبات نتيجةً للصراع الدائر في الشرق الأوسط.
وقال ماثيو جيارد، من الشركة الأمريكية التابعة لـ«إير ليكيد»، والذي يُشرف على العمليات في الأمريكتين: «نشهد بالفعل تضييقاً كبيراً في سلسلة توريد الهيليوم العالمية. وتبحث فرقنا بجدية عن مصادر بديلة وتُعطي الأولوية للتطبيقات الحيوية».
وجاءت خطوة شركة «إير ليكيد» بعد أن أدى هجوم صاروخي إيراني إلى توقف الإنتاج في مجمع رأس لفان التابع لشركة «قطر للطاقة»، وهو أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، ومع إغلاق فعلي لمضيق هرمز يُعيق صادرات الغاز الطبيعي المسال من المنطقة.
ويُعدّ إنتاج الهيليوم نشاطاً ذا تركز عالٍ للغاية، إذ تُسهم قطر وحدها بنسبة 30 – 40 % من الإنتاج العالمي، وهي تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وتسعير الهيليوم نشاط غير شفاف، حيث تُجرى معظم الصفقات بشكل خاص بين المشترين والبائعين. وتشير بعض الدلائل إلى أن تكلفته قد ارتفعت بشكل كبير منذ توقف صادرات الدول الخليجية. وقال كليف كين، المدير التجاري في شركة التنقيب «بولسار هيليوم»، إنه على علم بعقد تم الاتفاق عليه الأسبوع الماضي بسعر 0.90 دولار للقدم المكعبة، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، وخاصة بعد أن تسابق المشترون لتأمين إمدادات قصيرة الأجل. وأضاف أن المستوردين في كوريا الجنوبية، وهي مركز رئيس لصناعة أشباه الموصلات، يبذلون قصارى جهدهم للحصول على الغاز.
ويلعب الهيليوم دوراً حيوياً في تصنيع أشباه الموصلات، حيث يُستخدم هذا الغاز عالي التوصيل الحراري لتبريد الرقائق أثناء حفر دوائرها. كما أنه ضروري في عدد من قطاعات الرعاية الصحية، حيث يُستخدم كمبرد للمغناطيسات الكهربائية القوية في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي.
وتستورد الشركة الفرنسية أكثر من 70 % من احتياجاتها من الهيليوم من قطر، وفقاً لفيل كورنبلث من شركة كورنبلث لاستشارات الهيليوم. ويتوقع أنيش كاباديا، مؤسس شركة أكاب للطاقة الاستشارية، أن تنخفض كميات الهيليوم من قطر بمقدار الثلث هذا العام مقارنةً بعام 2025، أي ما يعادل 11 % من الإمدادات العالمية للعام الماضي. وقال أحد مستشاري الصناعة إن بعض مصنعي أشباه الموصلات والإلكترونيات في الولايات المتحدة وأوروبا بدأوا بالبحث عن مصادر جديدة للهيليوم. وقال تاكايوشي أوراموتو، مدير شركة نيبون هيليوم اليابانية لاستيراد الهيليوم، إن الشركة تلقت سيلاً من الاستفسارات من مصنّعي أشباه الموصلات داخل اليابان وخارجها، والذين يبحثون عن مصادر بديلة. وأضاف إنه على الرغم من وفرة الإمدادات من الولايات المتحدة إلى اليابان حالياً، إلا أنه بعد شهرين «سيزداد الضغط تدريجياً، وسيصبح من الصعب التعامل معه».
وقال كوون سيوك جون، الأستاذ بجامعة سونغ كيونكوان في سيئول، إنه في حين أن حرباً قصيرة قد ترفع تكلفة الرقائق الإلكترونية، فإن نزاعاً يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر قد يبدأ تقييد إنتاج الرقائق كلياً. وأضاف إنه إذا تسببت صدمة في قطاع الطاقة في ركود اقتصادي، «فقد تصل دورة نمو سوق الذاكرة الأوسع إلى ذروتها مبكراً».
ووفقاً لكارل جاكسون، مؤسس شركة «إس إس أو تي» للاستشارات في سنغافورة، فإن مصانع الرقائق عادةً ما تحتفظ بمخزون يكفي لمدة أسبوعين إلى أربعة أسابيع فقط في مواقعها، نظراً لقصر مدة صلاحية الهيليوم السائل، محذراً من أن اضطرابات الإمداد قد تجعل بعض المشترين غير قادرين على تأمين عمليات التسليم. وأوضح أن «الالتزام التعاقدي لا يعني بالضرورة وصول المنتج إلى بابك، لأنه إذا لم تصل الحاويات، يصبح العقد بلا جدوى».
وبالنسبة للقطاع الطبي، فقد صرّح مارك جونسون من كلية الطب بجامعة ميسوري بأن بعض أنظمة التصوير الطبي قد تُجبر على التوقف عن العمل إذا كانت انقطاعات الإمداد حادة ومطولة. ومع ذلك، قالت شركة «بريمير»، التي تُورّد إمدادات الهيليوم للمستشفيات في الولايات المتحدة، إنه على الرغم من أن النزاع يُؤدي إلى ارتفاع الأسعار، إلا أن القطاع لم يتأثر بشكل كبير بعد. وأضاف: «ما نُراقبه هو التكلفة والتوقيت، وليس إمكانية الوصول».
من جانبها، صرّحت شركة «سيمنز هيلثينيرز» المُصنّعة لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، بأنها «وضعت استراتيجية فعّالة للتخفيف من الآثار السلبية، ونجحت في إدارة مواقف مماثلة في الماضي».
وأفاد العديد من المحللين الذين تواصلت معهم صحيفة فاينانشال تايمز بأن صناعات أشباه الموصلات والطبية ستحظى على الأرجح بالأولوية في عمليات التسليم، نظراً لأهميتها البالغة. وأشار البعض إلى أن الأزمة تبقى أقل حدة مما كان متوقعاً نظراً لوجود فائض في العرض وضعف في الطلب في السوق قبل الحرب. وقال ماثيو جيارد من شركة إير ليكيد: «الأسواق متوازنة بشكل عام حتى الآن لأنها كانت تشهد فائضاً قبل أسابيع قليلة».
وأفادت شركة إير برودكتس، منتجة الهيليوم، في أحدث تقارير أرباحها في يناير، بأن الطلب في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025 كان أقل من العام السابق، وكانت هناك معوقات في القطاع. وقال المحللون إن شركتي إير برودكتس ومجموعة ليندي للغازات الصناعية في وضع جيد للاستفادة من الأزمة، ويعود ذلك جزئياً إلى امتلاك الشركتين مرافق تخزين في الولايات المتحدة.
وعموماً، يبرز الوضع الحالي هشاشة سلسلة التوريد. وبالنسبة لكليف كين من شركة بولسار هيليوم، يُمثل التركز العالي بالسوق خطراً هيكلياً. وأوضح: يقول المشترون إنهم نوّعوا مصادر الإمداد بين موزعَين مختلفَين، لكن إذا كان كلاهما يستورد الهيليوم من قطر، فهذا ليس تنويعاً حقيقياً؟
وقال بو سيرز، الرئيس التنفيذي لشركة هيليكس إكسبلوريشن، إن السوق ليست كبيرة أو متنوعة بما يكفي لاستيعاب هذه الاضطرابات بسهولة، حيث يتركز إمداد الهيليوم العالمي لدى عدد قليل جداً من المصادر، وسلسلة التوريد تكاد تخلو من أي احتياطي. لذلك، عندما يتوقف أي مصدر رئيس عن العمل، تكون العواقب فورية وملموسة.
المصدر: فايننشال تايمز
