تكثف الهيئة العامة للمنافذ والجمارك جهودها لإعادة تأهيل المنافذ الحدودية السورية مع الدول المجاورة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة فيها، ورفع كفاءة الأداء، ولا سيما في المنافذ البرية التي سجلت خلال العام الماضي 2025 أعلى معدل حركة قياساً بالسنوات الأخيرة، بلغ نحو 11 مليون مسافر بين قادم ومغادر، وفقاً لإحصائيات الهيئة، وذلك بهدف تسهيل حركة عبور المسافرين والبضائع.
وقبل أيام، تفقد رئيس الهيئة قتيبة بدوي واقع العمل وأعمال الصيانة والتأهيل الجارية في منافذ جسر قمار والدبوسية والعريضة الحدودية مع لبنان، ولا سيما أن الاحتلال الإسرائيلي استهدف عدة معابر على طول الحدود السورية – اللبنانية في كانون الثاني الماضي، كما استهدف عدداً من المعابر التي تربط بين البلدين خلال العامين الماضيين، ومنها معبرا العريضة والدبوسية قبيل تنفيذ وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني في 27 تشرين الثاني 2024، ما أدى إلى خروجهما من الخدمة.
وأعادت الهيئة افتتاح معبر العريضة، الذي يصل شمال لبنان بجنوب غرب سوريا بين محافظتي طرطوس وطرابلس، بشكل جزئي في حزيران 2025، لتسهيل عودة السوريين إلى وطنهم. وخلال جولته الأخيرة، كشف بدوي عن خطط تعتزم الهيئة تنفيذها، تتضمن بدء مديرية المنشآت والصيانة بأعمال إنشاء جسر جديد في المنفذ الحدودي وفق المعايير الدولية خلال الفترة القريبة المقبلة، وذلك بعد اطلاعه على واقع الجسر الواصل بين ضفتي المنفذ، الذي يعاني من تصدعات وانهيارات كبيرة تجعله غير صالح حالياً لإعادة افتتاحه أمام حركة عبور السيارات.
ووفقاً لما ذكرته الهيئة في منشور على صفحتها في “فيسبوك”، فإن بدوي اطلع أيضاً خلال جولته في منفذ جسر قمار، في ريف حمص الغربي، على أعمال الصيانة والتأهيل القائمة، حيث تتواصل الأعمال الفنية والإنشائية تمهيداً لإعادة افتتاحه أمام حركة العبور، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن يدخل المنفذ الخدمة مع مطلع شهر نيسان المقبل.
وأضافت أن الجولة التفقدية شملت أيضاً منفذ الدبوسية الحدودي، موضحة أنه جرى الاطلاع على سير أعمال إنشاء الجسر الواصل بين ضفتي المنفذ، الذي يتم تشييده وفق المعايير الدولية المعتمدة، كما شملت الجولة متابعة أعمال تجهيز صالات المسافرين وأمانة الجمارك وباقي أقسام المنفذ، حيث من المتوقع افتتاحه ووضعه في الخدمة منتصف شهر حزيران المقبل.
ويعد هذا المنفذ، الذي افتتح عام 2007، ثاني أهم معبر بين سوريا ولبنان، إذ يربط بين قرية الدبوسية في محافظة حمص وقرية العبودية في محافظة عكار اللبنانية، وله دور مهم في نقل البضائع التجارية والمنتجات الزراعية والمواد الغذائية والمحروقات، إضافة إلى أنه يشكل ممراً رئيسياً لسكان المنطقتين للدراسة والعمل.
وكان رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قد بحث مع سفير لبنان لدى سوريا، هنري قسطون، في العاشر من آذار الجاري، عدداً من الملفات المشتركة المرتبطة بالمنافذ الحدودية بين البلدين، منها واقع العمل في المنافذ، وآليات تعزيز التنسيق المشترك بما يضمن انسيابية حركة عبور المسافرين، إلى جانب أوضاع المواطنين السوريين العائدين من لبنان، والإجراءات المتخذة لتسهيل عودتهم إلى وطنهم.
وأوضحت الهيئة، عبر قناتها على “تلغرام”، أن الجانبين بحثا أيضاً حركة نقل البضائع بين البلدين، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم عمليات الشحن وإجراءات المناقلة عبر المنافذ الحدودية، بما يسهم في تسهيل الحركة التجارية، وضمان انسياب البضائع وفق الأنظمة والإجراءات المعتمدة.
أهمية المنافذ الحدودية مع لبنان
يقول الباحث والأكاديمي الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن افتتاح أي معبر حدودي، سواء أكان مع لبنان أم مع أي دولة أخرى، يعد خطوة مهمة لتنشيط التجارة وحركة السفر وتقليل التكاليف، مشيراً إلى أن افتتاح المعابر الحدودية ينعش المناطق القريبة منها بشكل كبير، كما يجعل حركة مرور المسافرين والبضائع أكثر انسيابية.
وأضاف أن هذه المعابر تعزز من دور سوريا ممراً تجارياً، ولا سيما أنها تتمتع بموقع حساس يؤهلها لربط آسيا بإفريقيا عبر تركيا، مبيناً أن تعدد المعابر يسهل حركة المواطنين، ويخفف الضغط عن المعابر الأخرى، ويقلل من زمن العبور وكلفة السفر، إلى جانب أنه يعزز التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين البلدين وينشط التجارة البينية.
وتابع أن المعابر، سواء أكانت برية أم بحرية، تعد وسيلة أساسية لنقل البضائع بين البلدان، موضحاً أن إعادة افتتاح وتشغيل هذه المعابر ستزيد من الصادرات السورية إلى السوق اللبنانية، كما ستسهل دخول السلع اللبنانية إلى سوريا. وأشار إلى أن هناك جانباً مهماً يتعلق بمسألة العبور وتجارة الترانزيت التي تأتي من ميناء بيروت مروراً بالأراضي اللبنانية، لتدخل إلى سوريا ثم إلى دول الخليج، وقد تتجه أيضاً نحو العراق، ما يعني أن هذه المعابر تشكل منافذ ذات أهمية كبيرة إلى أسواق الترانزيت المهمة جداً، حيث تصبح هناك سلاسة في توريد البضائع إلى الداخل السوري، ولا سيما أن سوريا تعتمد على الاستيراد بشكل كبير.
وأكد الباحث شعبو أن المعابر تسهم في دعم الاقتصاد المحلي في المناطق الحدودية، لأنها تعمل على إيجاد وتنشيط البيئة الاقتصادية في المناطق التي تقع فيها والمحيطة بها.
ولفت إلى أنه من المعلوم أن المعابر على الحدود مع لبنان إما قائمة وتعمل، أو مدمرة جزئياً، أو يجري إعادة تأهيلها، لكنها في كل الأحوال تسهم في توفير فرص العمل وتنشيط حركة الأسواق المحلية والخدمات اللوجستية، مثل زيادة الطلب على الفنادق والمطاعم، وهو ما يعزز الحركة الاقتصادية إلى حد ما، ويزيد من إيرادات الدولة من خلال الرسوم الجمركية أو رسوم العبور أو رسوم الخدمات.
وكان وزير النقل الدكتور يعرب بدر قد بحث في تموز الماضي مع وفد من نقابة مالكي الشاحنات اللبنانية العاملة على خط الترانزيت، برئاسة أحمد الخير، سبل تسهيل حركة الشاحنات بين البلدين عبر المعابر الحدودية، وتذليل العقبات التي تعترض انسياب النقل البري، وذلك في إطار تعزيز التعاون الثنائي بين سوريا ولبنان، ولا سيما أن حركة الشاحنات والنقل البري بين البلدين تعد من الركائز الأساسية في دعم التبادل التجاري الإقليمي.
عودة مكثفة للسوريين من لبنان
وبفعل التوترات الإقليمية المتصاعدة جراء الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران منذ الثامن والعشرين من شباط الماضي، وردّ طهران بهجمات مضادة، تشهد المنافذ الحدودية بين سوريا ولبنان حركة عودة كثيفة للمواطنين السوريين. وفي هذا السياق، أشار مدير منفذ جوسية الحدودي عبد الكريم حربا، في الثالث من الشهر الجاري، إلى أن المنفذ شهد خلال اليومين الماضيين زيادة ملحوظة في أعداد السوريين المقيمين في لبنان والراغبين في العودة إلى البلاد، وعليه فقد جرى استنفار جميع الكوادر العاملة لتقديم مختلف الخدمات، بما في ذلك الرعاية الطبية وتأمين النقل داخل المنفذ، بما يضمن عودة كريمة وآمنة للعائدين، مبيناً أن عدد السوريين العائدين عبر المنفذ تجاوز خلال يومين ثمانية آلاف.
وفي تصريح لها في التاسع من الشهر الجاري، أعلنت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا، سيلين شميت، عبور أكثر من 80 ألف سوري الحدود من لبنان إلى سوريا منذ الثاني من آذار، مؤكدة أن المفوضية تعمل بشكل وثيق مع الحكومة السورية على المستويين المركزي والمحلي، بمن فيهم المسؤولون عن المنافذ الحدودية مع لبنان في جديدة يابوس وجوسية والعريضة، لتقديم كل الدعم اللازم.
وأشادت شميت بجهود الجهات المسؤولة عن المنافذ، التي قامت بافتتاح صالة جديدة للهجرة في منفذ جديدة يابوس وتجهيزها بموظفين إضافيين ومعدات وحواسيب لتسريع إجراءات استقبال الوافدين وتجنب الازدحام، بغية إدارة حركة العبور عبر الحدود بشكل جيد، مشيرة إلى أن المفوضية عززت حضورها في المنافذ لتقديم الدعم للسلطات في ظل الحركة المكثفة للعائدين.
وبيّن رئيس قسم العلاقات العامة في المنفذ، محمد القاسم، أن الجهات المعنية عملت فور وصول القادمين على تأمين الاحتياجات الأساسية لهم، بما في ذلك الإسعافات الأولية والخدمات اللوجستية، إضافة إلى إرسال حافلات وسيارات إلى معبر المصنع اللبناني لنقل المواطنين الذين وصلوا سيراً على الأقدام، إلى جانب فتح صالة إضافية وتنظيم حركة السيارات لاستيعاب الأعداد الكبيرة من السوريين العائدين إلى وطنهم.
وخلال العام الماضي، نُفذت أعمال إعادة تأهيل للمرافق الخدمية الخاصة بمعبر جديدة يابوس، إضافة إلى توفير كل التسهيلات من أجل تقديم أفضل الخدمات للمسافرين.
وضمن برنامج العودة الطوعية المنظمة الذي تنفذه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تم عبر معبر جديدة يابوس تسهيل إجراءات العودة الطوعية للسوريين اللاجئين المقيمين في لبنان، بموجب الوثائق والثبوتيات المتوفرة لديهم، إضافة إلى إعفاء السائقين والسيارات اللبنانية التي تنقل أثاثهم من الرسوم، بهدف تخفيف العبء عنهم.
واستقبل المعبر المذكور، في 29 تموز الماضي، الدفعة الأولى من العائدين ضمن البرنامج ذاته، والتي ضمت 72 لاجئاً عادوا من لبنان إلى محافظتي ريف دمشق وحمص، وفي الحادي عشر من أيلول الماضي وصلت عبر المعبر الدفعة الثانية المؤلفة من نحو 300 لاجئ عادوا إلى مناطق في محافظات إدلب وحماة وحمص.
وفي تشرين الأول 2025، عاد نحو 400 لاجئ سوري من لبنان عبر معبر جديدة يابوس ضمن القافلة الخامسة، فيما عادت قافلة تضم 400 مواطن من لبنان عبر معبر العريضة الحدودي في ريف طرطوس، ضمن القافلة الثانية من برنامج عودة اللاجئين الطوعية.
ووفق ما أعلنته وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد في كانون الثاني الماضي، فقد عاد أكثر من نصف مليون لاجئ سوري إلى بلادهم خلال عام 2025 “بطريقة آمنة ومستدامة”، بحسب بيانات المديرية العامة للأمن العام.
الممر النفطي
في ذات السياق، أعلن مدير عام الشركة العامة للموانئ العراقية، فرحان الفرطوسي، يوم الخميس الماضي، توقف العمل تماما في الموانئ النفطية، مع استمرار العمل في الموانئ التجارية، وذلك بعد تعرض ناقلتي نفط لهجوم بزورق مفخخ في المياه الإقليمية العراقية، أعلن الجيش الإيراني في وقت لاحق مسؤوليته عنه، ما اضطر الحكومة العراقية إلى البحث عن مسارات جديدة لتصدير نفطها بعيدا عن موانئ جنوب البلاد.
وأفاد الفرطوسي بأن إحدى الناقلات المحملة بمواد نفطية، والمجهزة من قبل شركة سومو لصالح شركة الناقلات العراقية، تعرضت لحادث، مشيرا إلى أنها كانت تحمل خزانا لتجهيز الوقود العراقي في منطقة الـSDS. وأضاف أن ناقلة نفط صغيرة تحمل الجنسية المالطية تعرضت هي الأخرى لحادث انفجار، غير معروف ما إذا كان ناجما عن قصف مباشر أم زورق مفخخ، بينما كانت الناقلتان تبعدان عن اليابسة العراقية بحدود 30 ميلا.
وأعربت شركة “سومو” عن أسفها الشديد لحادث انفجار ناقلتي الوقود، مؤكدة أنه يؤثر سلبا في أمن البلاد واقتصادها، كما يمثل تهديدا لسلامة الملاحة البحرية والأنشطة النفطية في المياه الإقليمية العراقية، في الوقت الذي تعطل فيه إيران معظم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يشكل الممر الرئيس لتصدير النفط والغاز المسال من منطقة الخليج العربي، مع مضي أسبوعين على بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وطهران من جهة أخرى.
بدورها، قالت وزارة النفط العراقية إن “أمن وسلامة الملاحة في الممرات البحرية الدولية وطرق إمدادات الطاقة يجب أن يبقيا بمنأى عن الصراعات والتجاذبات الإقليمية”، معربة عن قلقها إزاء التوتر المتصاعد في المنطقة، ولا سيما استهداف بعض ناقلات النفط في الممرات البحرية، ومحذرة من تداعيات ذلك على دول المنطقة، واستقرار الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة.
من جانبه، أوضح وزير النفط حيان عبد الغني أن توقف عملية تصدير النفط الخام من جنوب البلاد دفع الحكومة العراقية إلى وضع خطط محكمة لإدارة المرحلة الراهنة جراء الظروف المستجدة في مضيق هرمز، مشيرا إلى البحث عن بدائل ممكنة لتصدير النفط.
وتابع أنه تم “تفعيل خطة لتصريف 200 ألف برميل يوميا من خلال صهاريج النقل عبر تركيا وسوريا والأردن”، مبينا أن “تصدير النفط يشكل 90% من واردات العراق، وأن الوزارة قررت الاستمرار بإنتاج النفط الخام بمستوى 1.4 مليون برميل يوميا”، كما كشف أيضا عن “قرب توقيع اتفاقية بخصوص تصدير النفط عن طريق خط جيهان التركي”.
وكان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قد أكد، خلال منتدى بغداد الدولي للطاقة الذي عقد في أيلول 2025، أن إعادة تفعيل خط التصدير العراقي-السوري، الذي جرت محادثات بشأنه مع سوريا، تسهم في تنويع خيارات منافذ التصدير العراقية، مع توفير مرونة في قدرات نقل النفط الخام.
وحول تصدير النفط الخام برا، أوضح رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي خالد الجابري، لموقع عراقي إلكتروني، أن العراق يمتلك قدرة نقل ليست بسيطة، إذ يقدر عدد الصهاريج النفطية بنحو 20 ألف حوضية “صهريج نقل”، مبينا أن سعة الحوضية الواحدة تتراوح بين 30 و40 ألف لتر، أي ما يقارب 200 برميل من النفط في المتوسط، ما يعني أن القدرة النظرية للنقل قد تصل إلى نحو 4 ملايين برميل في الدورة الواحدة.
لكن الجابري أضاف أن النقل البري لا يعمل بنظام التدفق المستمر مثل الأنابيب أو الناقلات البحرية، إذ تتطلب كل حوضية دورة كاملة تشمل التحميل والنقل والتفريغ والعودة، ما قد يستغرق عدة أيام، مشيرا إلى أن القدرة الفعلية للنقل، في أفضل الظروف اللوجستية، قد لا تتجاوز مليون برميل يوميا.
تداعيات الحرب وإغلاق هرمز على العراق
وفق الباحث الاقتصادي في جامعة البصرة، نبيل المرسومي، فإن العراق يعد من أكثر الدول التي خفضت إنتاج النفط في العالم بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز، موضحا أن الإنتاج انخفض بنحو 2.9 مليون برميل يوميا، مشيرا إلى أن إجمالي صادرات العراق الحالية لا يتجاوز 50 ألف برميل يوميا بعد احتساب الكميات المصدرة إلى الأردن، والتي تبلغ نحو 10 آلاف برميل يوميا.
وكان المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، قد حذر في الثالث من آذار الجاري من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى انخفاض إيرادات العراق من النفط من 7 مليارات دولار شهريا إلى مليار دولار فقط، ولا سيما أن بغداد تعتمد على هذا الممر البحري لتصدير 94% من نفط البلاد عبر موانئ الجنوب، وأن إغلاقه قد يخفض الصادرات من 3.4 مليون برميل يوميا إلى أقل من 250 ألف برميل يوميا.
من جانبه، أعلن مرصد “إيكو عراق” أن البلاد تخسر نحو 128 مليون دولار يوميا نتيجة توقف إنتاج النفط في حقل الرميلة جنوب البلاد وحقول إقليم كردستان، بإجمالي إنتاج متوقف يقدر بنحو 1.6 مليون برميل يوميا، على أساس سعر 80 دولارا للبرميل.
وتوقع المرصد أن تصل الخسائر إلى نحو 900 مليون دولار خلال أسبوع واحد، وقد تتجاوز 3.8 مليارات دولار خلال شهر إذا استمر التوقف، ما يشكل ضغطا مباشرا على موازنة تعتمد بأكثر من 90% على الإيرادات النفطية.
وبالنظر إلى هذه الخسائر الكبيرة، ولأن العراق يعتمد بشكل رئيسي على إيرادات صادرات النفط لتمويل الواردات والإنفاق الحكومي، فإن خيار النقل البري إلى كل من سوريا وتركيا والأردن يجعله الخيار الأقل كلفة والأكثر أمانا في الوقت الحالي، في ظل تعذر إيجاد ممر آمن يسمح بمرور ناقلات النفط، أو صعوبة مرافقة قوات بحرية لهذه الناقلات لتقليل المخاطر المحتملة.
نقل النفط الخام براً عبر سوريا
يقول عامر ديب، المستشار والخبير الاقتصادي لصحيفة “الثورة السورية”، إن تفعيل “خطة الحوضيات” لنقل 200 ألف برميل يوميا يمثل طوق نجاة تكتيكيا لبغداد، لكنه يحمل أبعادا استراتيجية لدمشق، تتمثل أولها في عائدات الترانزيت، فتاريخيا كانت سوريا تحصل على رسوم مرور مجزية عن كل برميل.
وأوضح أنه في ظل النقل البري الحالي، تستفيد سوريا من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، لكن الفائدة الكبرى تكمن في “إعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، الذي تبلغ طاقته التصميمية التاريخية نحو 300 ألف برميل يوميا، والذي قد يدر مئات الملايين من الدولارات سنويا كرسوم ثابتة إذا ما تم تجاوز العقبات التقنية والقانونية”.
وأضاف أن من الفوائد المترقبة أيضا تنشيط قطاع الخدمات، إذ إن تشغيل مئات الصهاريج يوميا عبر الأراضي السورية ينعش اقتصاد الطرق ومحطات الاستراحة، ويوفر فرص عمل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة به.
وتابع أنه يمكن تلخيص تأثير النقل البري للنفط العراقي على الاقتصاد السوري، في ظل الأوضاع الحالية، بثلاث نقاط جوهرية: أولها تخفيف حدة أزمة الطاقة، حيث إن مرور هذا الكم من النفط يسهل على الحكومة السورية الحصول على “حصص عينية” أو شراء كميات بأسعار تفضيلية، خارج إطار التعقيدات الدولية أحيانا، مما يغذي محطات توليد الكهرباء والمصانع المحلية.
وأشار إلى أن النقطة الثانية هي استعادة الدور الجيوسياسي، فتحول سوريا مرة أخرى إلى “دولة ممر” يمنحها ثقلا في التوازنات الإقليمية، ويجعل من استقرارها مصلحة اقتصادية لدول الجوار، العراق والأردن، وللمشترين الدوليين في المتوسط.
أما النقطة الثالثة، وفق المستشار والخبير الاقتصادي ديب، فتتمحور حول إعادة تشغيل المصافي، معتبرا أن النفط العراقي الثقيل والخفيف يمكن أن يشكل “لقمة” مثالية لمصفاتي بانياس وحمص إذا ما جرى الاتفاق على تكرير جزء منه محليا لصالح العراق، مما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد السوري.
موقع الممر المحتمل
اختبار قاس لجدوى المسارات البديلة بدأ النقاش حولها منذ النصف الثاني من عام 2025 ثم دفعتها حرب المنطقة إلى الواجهة دفعة واحدة. فالهجوم الذي استهدف ناقلتي «سيف سي فيشنو» و«زيفيروس» قرب خور الزبير، وأدى إلى مقتل أحد أفراد الطاقم، جاء في سياق أوسع من التصعيد البحري الذي أصاب حركة الشحن في الخليج وشل جزءا كبيرا من الطاقة التصديرية للعراق، بعدما باتت مياهه الجنوبية ونقاط التحميل فيه مكشوفة أمام تهديد لا تردعه الجغرافيا العراقية ولا السيادة القانونية وحدهما.
هذا التحول يفسر سرعة الانتقال العراقي من لغة القلق إلى لغة الإدارة الطارئة؛ فوزارة النفط شددت على ضرورة إبقاء الممرات البحرية وإمدادات الطاقة خارج الصراعات، لكن الوقائع الميدانية فرضت ما هو أبعد من البيانات، إذ أكد وزير النفط حيان عبد الغني أن الإنتاج سيستقر عند نحو 1.4 مليون برميل يوميا، أي أقل من ثلث المستوى الذي سبق الحرب، مع تفعيل نقل نحو 200 ألف برميل يوميا بالشاحنات عبر تركيا وسوريا والأردن، والسعي في الوقت نفسه إلى اتفاق لتصدير كميات إضافية عبر جيهان التركي. بهذا المعنى، لم يعد السؤال في بغداد كيف تحافظ على انسياب الصادرات من الجنوب، بل كيف تمنع انهيار الدولة الريعية عندما يُغلق المنفذ الذي يمر عبره أكثر من تسعين في المئة من دخلها العام.
الأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في رقم المئتي ألف برميل وحده، لأن هذا الرقم لا يعوض الفاقد الكبير في الصادرات الجنوبية، بل في كونه يعكس تحولا في عقل الدولة العراقية من الاعتماد على منفذ بحري شبه أحادي إلى البحث القسري عن شبكة منافذ تتوزع بين البر والأنبوب والميناء. وكان هذا الميل قد ظهر قبل الأزمة الحالية، حين أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في أيلول 2025 بدء العمل لإحياء خط التصدير العراقي السوري ضمن سياسة تنويع المنافذ، ثم عاد ليتعزز في الشهر نفسه باتفاق بغداد وأربيل على استئناف التصدير عبر خط كركوك – جيهان بعد توقف دام أكثر من عامين. عودة جيهان إلى النقاش لا تلغي أهمية المسار السوري، بل تكشف تكامله معه؛ فالعراق لا يبحث عن بديل واحد يعوض الجنوب، وإنما عن سلة مخارج تتوزع مخاطرها بين الشمال والغرب، وبين الأنبوب والشاحنة، وبين المنفذ القائم والممر الذي يمكن ترميمه. وهذه المقاربة، إذا استقرت، ستجعل سوريا جزءا من أمن الطاقة العراقي، وهو تحول نوعي في هندسة المصالح بين البلدين.
في هذا السياق، المرور البري عبر سوريا حل، والعراق يحتاج إلى منفذ قريب ومتاح سياسيا وأمنيا يخفف اختناق الجنوب، وسوريا تحتاج إلى مورد عبور وخدمات وإلى فرصة تعيد إدراجها في خرائط الطاقة الإقليمية لذلك فإن «خطة الحوضيات» تقرأ من زاوية ما إذا كانت ستعيد تثبيت الممر العراقي السوري كمصلحة مشتركة قابلة للبناء عليها، تمهيدا لإحياء خط كركوك – بانياس أو لتطوير بدائل لوجستية ملازمة له.
استهداف جزيرة خرج
وبشأن تبعات استهداف جزيرة خرج على أسواق الطاقة، يقول المستشار والخبير الاقتصادي ديب إن إعلان استهداف “رئة إيران النفطية” هو “بجعة سوداء” في اقتصاد الطاقة، وتبعاته ستكون زلزالا عالميا.
وأضاف أنه ستحدث قفزة في الأسعار، موضحا أنه بما أن 90% من صادرات إيران، أي نحو 1.5 إلى 2 مليون برميل يوميا، تمر عبر الجزيرة المذكورة، فإن خروجها من الخدمة يعني فورا نقصا حادا في المعروض، لافتا إلى أن التوقعات تشير إلى ملامسة أسعار النفط حاجز 120 دولارا للبرميل بشكل سريع.
وتابع أن أي تهديد لجزيرة خرج يعني تحول مضيق هرمز إلى منطقة نزاع عسكري مباشر، مما يهدد 20% من استهلاك النفط العالمي الذي يمر عبره، مؤكدا أن ذلك سيؤدي إلى صعود البدائل البرية، وهنا تكمن أهمية “الخطة المحكمة” التي ذكرها الوزير العراقي، فالعراق يحاول استباق الانفجار في هرمز عبر تأمين مخارج سورية-تركية-أردنية تضمن له حدا أدنى من التدفقات المالية.
ويبين ديب أنه في الواقع فقد تم تصميم الخطوط التاريخية مثل “كركوك-بانياس” لنقل النفط الخام. ومع ذلك، فإن استراتيجية السوداني، الواردة في تصريحاته في أيلول 2025، تشير إلى أن الرؤية المستقبلية تشمل نقل “الخام والمشتقات”.
وأشار إلى أنه حاليا يتم نقل المشتقات، بنزين وديزل وزيت وقود، عبر الحوضيات “الصهاريج” حصرا، حيث يمتلك العراق فائضا من بعض المنتجات بعد تشغيل مصفى كربلاء ومصافي الشمال. لكن مستقبلا هناك حديث فني عن إمكانية تخصيص “أنابيب ثانوية” أو تحويل مسارات معينة لنقل المنتجات المكررة، غير أن ذلك يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية لم تكتمل بعد، ولذلك فإن الطريق البري حاليا هو “الأنبوب المتحرك” الوحيد للمشتقات.
أسماء الفريح
المصدر: الثورة السورية
