تشهد سوق العمل العالمية اليوم واحدة من أكثر لحظات التحول اضطراباً منذ جائحة كورونا، ففي عام 2025 وحده، خسر الاقتصاد الأميركي أكثر من 1.17 مليون وظيفة، في أكبر موجة تسريح منذ ذروة الجائحة.
لكن ما يبنى فوق هذا الركام مختلف تماماً عما كان قائماً، إذ يقود الذكاء الاصطناعي عملية إعادة تشكيل جذرية لقواعد التوظيف والعمل، بينما يحاول الجميع مواكبة التغيير وسط ضوضاء “موقع بناء” لا يهدأ.
عندما بدأ العالم يتعافى من الجائحة، سارعت الشركات إلى التوظيف بوتيرة غير مسبوقة لتلبية القفزة في الطلب على الخدمات الرقمية، لكن هذا الزخم لم يعمر طويلاً؛ إذ انفجرت الفقاعة سريعاً، لتشهد الشركات موجات تسريح واسعة أعادت خلط أوراق سوق العمل، بحسب ما ذكرته مجلة “Fortune”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وبينما كان الخبراء يتوقعون مرحلة طويلة من التجميد وخفض التكاليف، فاجأ الذكاء الاصطناعي الجميع بدخول كثيف إلى المؤسسات، ليهدم ما تبقى من هياكل العمل القديمة، ويطلق عملية بناء جديدة بالكامل.
ومع غياب “خوذات الحماية” – أي القواعد الواضحة – وجد الباحثون عن العمل أنفسهم أمام واقع تتغير فيه القواعد لحظة بلحظة، وتتشكل الممارسات الجديدة بالاعتماد على التجربة والخطأ وأدوات الأتمتة.
التغيير الحقيقي: ليس ما يفعله الذكاء الاصطناعي.. بل ما يتوقع منه
رغم الضجيج، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات ما زال أقل بكثير مما تصوره العناوين، فبحسب “غارتنر”، واحد فقط من كل 50 استثماراً في الذكاء الاصطناعي يحقق قيمة تحولية حقيقية، ومع ذلك، تعيد الشركات هيكلة فرقها وأنظمة التوظيف بناء على ما تتوقع أن يفعله الذكاء الاصطناعي مستقبلاً.
لتأتي النتيجة في صورة قفزة هائلة في المهارات المطلوبة، حيث تشير بيانات “ماكنزي” إلى ارتفاع متطلبات “الإلمام بالذكاء الاصطناعي” سبعة أضعاف خلال العامين الماضيين فقط.
ولم يعد الطلب مقتصراً على استخدام أدوات توليد النصوص، بل يمتد إلى القدرة على التوجيه الذكي للخوارزميات، وإدماج الذكاء الاصطناعي في سير العمل اليومية، وتقديم أمثلة مثبتة على تحسين الإنتاجية، ويجب أن تظهر هذه المهارات في السيرة الذاتية وصفحات التواصل المهني وخطاب التقديم والملفات العملية.
التوأم الرقمي يتقدم بطلب الوظيفة قبل أن تفعل أنت
يتجه التوظيف نحو مرحلة يصبح فيها اللقاء الأول بين نسخة رقمية للمرشح ونسخة رقمية للشركة، بالفعل، ابتكر مهندسون مثل تشارلي تشينغ “توأماً رقمياً” يمكن لمديري التوظيف التفاعل معه مباشرة.
في المقابل، تنشئ الشركات “صورة ذكاء اصطناعي” لكل متقدم من خلال مسح بصمته الرقمية: تاريخ “لينكد إن”، المحفظة المهنية، نشاطه العام على الإنترنت، والإشارات السلبية المحتملة مثل التعليقات المسيئة أو التقييمات السيئة، وهنا، تصبح الشفافية عبر إبراز الشهادات والكفاءات والمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أمراً أساسياً للظهور في نتائج الخوارزميات.
في المقابل، يتوقع بحلول 2027، أن تحتوي معظم عمليات التوظيف على اختبارات إلزامية لقياس كفاءة المرشحين في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التفكير النقدي والإبداع والتواصل والخبرة المتخصصة، اليوم، تتوفر بالفعل شهادات يمكن أن تقوي السيرة الذاتية، مثل “AWS Certified AI Practitioner” أو برامج الذكاء الاصطناعي المهنية من MIT.
لكن المشهد ليس وردياً، تشير الدراسات الحديثة إلى أن الاعتماد المكثف على الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل والتلخيص قد يؤدي إلى “إزاحة معرفية”؛ حيث تتراجع مهارات الذاكرة والتحليل والتفكير الإبداعي، وهي القدرات البشرية التي لا يمكن للخوارزميات تقليدها بالكامل، ولهذا، تتجه الشركات لجعل “رفع المهارات في الذكاء الاصطناعي” جزءاً سنوياً ثابتاً من تدريب الموظفين.
مساعد وظيفي يعمل معك على مدار الساعة
المرحلة المقبلة تتمثل في ظهور “مساعد مهني شخصي” يعمل بالذكاء الاصطناعي، يتابع مسيرة الفرد بشكل لحظي: يشخص المهارات، يقترح خطط التعلم، يرصد الفرص في السوق، ويساعد في اتخاذ القرارات المهنية اليومية – من تغيير المسار إلى التفاوض على الرواتب.
الوكلاء الشخصيون قد يحولوا إدارة المسار المهني من عملية ارتجالية إلى استراتيجية قائمة على البيانات والتوجيه المستمر.
وماذا عن الإنسان وسط هذا البناء؟
وسط هذه التحولات، تصبح فضيلة “العقل المنفتح” والمراقبة الدقيقة أهم أدوات البقاء، فالروتين القديم للبحث عن عمل لم يعد مجدياً في عالم ترفض فيه أنظمة التتبع 75% من السير الذاتية قبل أن تصل إلى أي موظف.
لكن الاتجاه العام واضح: من يستطيع الموازنة بين الأتمتة والحدس البشري، بين السرعة والعمق، وبين الكفاءة والصدقية، سيظل ذا قيمة مهما تطورت الأدوات.
فالذكاء الاصطناعي قادر على تغيير الأدوات والمهن، لكنه لا يستطيع كتابة “المعنى” أو صناعة “الثقة” أو تحمل “المسؤولية”، وهذه بالضبط هي المساحة التي سيظل فيها الإنسان حجر الأساس في موقع البناء الجديد لسوق العمل.
المصدر: العربية Business
