عند غياب اليقين .. كيف يتخذ المستثمرون قراراتهم؟

زمن القراءة: 10 دقائق

في الساعات الأولى من صباح الرابع والعشرين من شباط 2022، كانت الأسواق العالمية تستعد ليوم تداول عادي، حيث كان مديرو الصناديق يراجعون تقارير الشركات، والمتداولون يتابعون مؤشرات الاقتصاد، بينما كانت أسعار الطاقة والسلع تتحرك ضمن نطاقات معتادة.

لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلاً، فمع بزوغ الفجر في أوروبا، بدأت الأخبار العاجلة تتدفق: القوات الروسية بدأت هجوماً عسكرياً واسع النطاق على أوكرانيا، وخلال دقائق تحولت الأزمة من حدث جيوسياسي إلى صدمة اقتصادية عالمية.

وفي سوق مالية هائلة تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات، يمكن لأي صدمة مفاجئة أن تحرك هذه التريليونات خلال وقت قصير، وبالفعل استجابت الأسواق فورًا للأحداث، وقفزت أسعار النفط مع المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة الروسية.

وفي غضون أسابيع قليلة تخطى سعر خام برنت مستوى 130 دولاراً أمريكياً للبرميل في آذار 2022، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

في الوقت نفسه، اهتزت أسواق الغذاء، فروسيا وأوكرانيا كانتا تمثلان معًا قبل الحرب نحو 30% من صادرات القمح العالمية، مما أثار مخاوف من أزمة غذاء عالمية وارتفاع حاد في الأسعار.

كما قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 70% خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بينما ارتفعت أسعار القمح في الأسواق العالمية بنحو 60% مقارنة بمستوياتها قبل الغزو.

ولم تقتصر التداعيات على الطاقة والغذاء، إذ تراجعت القيمة السوقية للأسهم العالمية بأكثر من 3 تريليونات دولار أمريكي خلال الأيام الأولى من الغزو مع موجة بيع واسعة في الأسواق.

لكن وسط هذا الاضطراب، واجه المستثمرون معضلة أساسية، إذ لم يكن أحد يعرف كم ستستمر الحرب، أو كيف ستتطور، أو إلى أي مدى يمكن أن تمتد آثارها الاقتصادية، ومع ذلك، كان عليهم اتخاذ قرارات استثمارية بمليارات الدولارات.

ومع الضربات الأمريكية على إيران وما تبعها من توترات في المنطقة، شهدت الأسواق العالمية تأثيراً مماثلاً حيث ارتفعت أسعار النفط بسرعة وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية، خاصة مع التهديدات التي طالت حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وتأتي أهمية هذا الممر الملاحي في مرور نحو 20% من تجارة النفط العالمية عبره.

في مثل هذه اللحظات، لا تتحرك الأسواق وفق التوقعات التقليدية أو البيانات الاقتصادية فقط، بل وفق مزيج معقد من المخاطر والاحتمالات والتقديرات غير المؤكدة.

وهنا يبدأ ما يمكن وصفه بـ اقتصاد عدم اليقين؛ عندما تختفي الرؤية الواضحة، ويضطر المستثمرون إلى اتخاذ قراراتهم بناءً على الاحتمالات بدلًا من اليقين.

قراءة مؤشر الخوف في الأسواق

عندما يزداد عدم اليقين، يلجأ المستثمرون غالباً إلى مؤشرات التقلب باعتبارها إشارات فورية على مستوى التوتر في الأسواق، ويعد مؤشر فيكس للتقلبات (VIX)، الذي يُعرف أحياناً بـ”مؤشر الخوف في وول ستريت” من أكثر هذه المؤشرات متابعة.

ويقيس هذا المؤشر توقعات التقلبات في مؤشر إس آند بي 500 خلال الثلاثين يوماً المقبلة، وذلك بناءً على أسعار عقود الخيارات في السوق، وفي الظروف الطبيعية، يتراوح المؤشر عادة بين نحو 10 و20 نقطة، ما يعكس حالة من الاستقرار النسبي في توقعات المستثمرين.

لكن في فترات الأزمات، قد يقفز المؤشر إلى مستويات استثنائية، فخلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ارتفع مؤشر فيكس إلى نحو 80 نقطة بعد انهيار بنك ليمان براذرز، وهو ما عكس حالة الذعر التي اجتاحت الأسواق العالمية آنذاك.

وتكرر المشهد نفسه تقريبًا خلال انهيار الأسواق في آذار 2020 مع انتشار جائحة كورونا، حين صعد المؤشر مجدداً إلى مستويات تجاوزت 80 نقطة، في ظل حالة غير مسبوقة من الغموض بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

وتكشف هذه القفزات عن جانب مهم في سلوك المستثمرين: ففي غياب الإشارات الاقتصادية التقليدية، تتحول التقلبات نفسها إلى مصدر للمعلومات.

فالمستثمرون لا ينظرون إلى ارتفاع التقلبات باعتباره مؤشراً على الخوف فقط، بل أيضًا كدليل على وجود فرص محتملة في السوق؛ فبعض المستثمرين المؤسسيين — مثل صناديق التحوط والمتداولين الكميين — يفضلون فترات التقلب الشديد لأنها قد تخلق فرص تسعير غير دقيق للأصول يمكن الاستفادة منها.

في المقابل، تميل الصناديق التقاعدية ومديرو الأصول الكبار إلى تقليص المخاطر في محافظهم عندما ترتفع التقلبات بشكل حاد، في حين قد يتجه بعض المستثمرين الأفراد إلى زيادة نشاطهم المضاربي خلال هذه الفترات.

وبهذا المعنى، لا تعد مؤشرات التقلب أدوات للتنبؤ بالمستقبل بقدر ما هي أدوات لقياس مستوى عدم اليقين الذي تسعره الأسواق.

أين تتجه الأموال في أوقات الأزمات؟

عندما تتصاعد حالة عدم اليقين، يعيد المستثمرون عادةً توجيه رؤوس أموالهم نحو الأصول التي ينظر إليها على أنها أكثر أماناً أو قدرة على الصمود خلال الأزمات.

ومن أبرز هذه الأصول تاريخياً الذهب والسندات الحكومية والعملات الاحتياطية مثل الدولار الأمريكي.

وتوفر التوترات الجيوسياسية الأخيرة مثالاً واضحاً على هذا السلوك؛ فمع تصاعد الصراع في منطقة الخليج العربي والمخاوف من تعطّل حركة الشحن في المنطقة، ارتفعت أسعار النفط سريعاً نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية.

ونظرًا لأهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الذهب مع توجه المستثمرين نحوه باعتباره ملاذاً آمناً تقليدياً في أوقات التوترات الجيوسياسية والاضطرابات المالية.

وقد تكرر هذا النمط في العديد من الأزمات السابقة، فخلال أزمة النفط في عام 1973 أدى تقييد الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد وتسبب في ركود اقتصادي عالمي.

كما شهدت الأسواق تحركات مشابهة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، حين قفزت أسعار النفط والغاز الطبيعي وأعادت تشكيل خريطة الطاقة العالمية.

وبالنسبة للمستثمرين، تلعب السلع دورين رئيسيين خلال فترات عدم اليقين، فهي من جهة توفر وسيلة للتحوط ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية، ومن جهة أخرى تمنح المستثمرين فرصة للاستفادة من القطاعات التي قد تستفيد مباشرة من اضطرابات الإمدادات.

ومع ذلك، فإن الاستثمار في الملاذات الآمنة ليس خاليًا من المخاطر، إذ يمكن أن تتعرض أسعار الذهب والسلع أيضاً لتقلبات حادة عندما تعيد الأسواق تقييم مدى خطورة الأزمة أو مدتها.

ولهذا يظل المستثمرون مضطرين إلى تحقيق توازن بين الدفاع عن محافظهم الاستثمارية والاحتفاظ بقدر من المرونة يسمح لهم بالتكيف مع المعلومات الجديدة.

الاحتمالات والتنويع والانحيازات السلوكية

عندما يصبح التنبؤ بالمستقبل شبه مستحيل، يتحول المستثمرون تدريجيًا إلى التفكير الاحتمالي بدلاً من محاولة التنبؤ الدقيق بما سيحدث.

ويبدأ المستثمرون بطرح سؤال أساسي: “ما السيناريوهات المحتملة؟” ثم يحاولون تقدير احتمالات كل سيناريو.

وتعتمد المؤسسات الاستثمارية الكبرى غالبًا على ما يعرف بتحليل السيناريوهات، حيث تبنى المحافظ الاستثمارية بحيث تكون قادرة على الصمود في عدة احتمالات مختلفة.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 60% من مديري الأصول العالميين يعتمدون على استراتيجيات التنويع بين فئات الأصول المختلفة باعتبارها الوسيلة الأساسية لتقليل المخاطر في أوقات عدم اليقين.

ومن خلال توزيع الاستثمارات بين الأسهم والسندات والسلع والأصول البديلة، يستطيع المستثمر تقليل المخاطر الناتجة عن أي صدمة مفاجئة.

كما يلعب التنويع الجغرافي دوراً مهماً، لأن الأزمات الاقتصادية لا تؤثر على جميع المناطق بنفس الدرجة.

ففي كثير من الحالات قد تظهر قطاعات أو أسواق قادرة على الصمود رغم الاضطرابات العالمية.

إلى جانب ذلك، تؤثر العوامل النفسية بشكل كبير في قرارات المستثمرين خلال فترات عدم اليقين، فالخوف وسلوك القطيع قد يدفعان المستثمرين إلى بيع أصولهم في أوقات الانخفاض الحاد، ما يؤدي إلى تثبيت الخسائر وتعميق التقلبات.

وخلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فقدت أسواق الأسهم العالمية أكثر من نصف قيمتها بين عامي 2007 و2009، لكن المستثمرين الذين اشتروا الأسهم خلال تلك الفترة استفادوا لاحقًا من واحدة من أطول موجات الصعود في تاريخ الأسواق.

وهنا يظهر أحد أكبر التناقضات في عالم الاستثمار: اللحظات التي تبدو فيها الأسواق الأكثر خطورة قد تكون في الواقع أكثر اللحظات التي تخلق فرصًا استثمارية استثنائية.

لم تعد الأسواق المالية تتعامل مع فترات عدم اليقين باعتبارها حالة استثنائية بل كجزء دائم من طبيعتها، ومن الأزمات المالية إلى الصراعات الجيوسياسية، يواجه المستثمرون باستمرار فترات تختفي فيها الرؤية الواضحة.

وتُظهر التجارب التاريخية أن تلك الفترات لا تعيد تشكيل استراتيجيات الاستثمار فحسب، بل تكشف أيضاً عن نقاط الضعف الكامنة في الاقتصاد العالمي.

وفي النهاية، يعلمنا اقتصاد عدم اليقين درساً مهماً: النجاح في الاستثمار لا يعتمد فقط على القدرة على التنبؤ بالمستقبل بدقة، بل على القدرة على إدارة المخاطر والتكيف مع الظروف المتغيرة والحفاظ على الانضباط عندما تختفي الرؤية.

المصادر: أرقام- رويترز- وكالة أسوشيتد برس- تقرير أليانز للأبحاث الاقتصادية- إنفستوبيديا- منظمة سيفما للأسواق المالية- موقع ماكرو تريندز- شركة صن لايف للاستثمارات العالمية- موقع إنفستينغ- منصة أوف إكس للتحليلات المالية

آخر الأخبار