تعكس الأرقام الأخيرة حول سوق العمل في سوريا أزمة تواجه الشباب الباحث عن فرص عمل، إذ أظهرت دراسة ميدانية حديثة لمعدلات البطالة تفاوتاً بين 24 بالمئة و60 بالمئة، مع معاناة شريحة كبيرة من صعوبة الوصول إلى وظائف مناسبة وعدم توافق المهارات مع احتياجات السوق.
وفي ظل هذه التحديات، تبدو الكفاءات السورية في الداخل والخارج مورداً حيوياً يمكن أن يسهم في دعم التعافي الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة، إذا ما أحسن توظيفها ضمن سياسات تشغيلية واضحة ومبادرات اقتصادية مدروسة.
إشكاليات هيكلية
أظهرت الدراسة التي أعدتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع مكاتب التشغيل الخاصة والعامة، وأُعلن عنها خلال ورشة عمل أقامتها المنظمة مؤخراً في دمشق، أن شريحة الشباب الباحثين عن عمل تواجه تحديات جسيمة في سوق العمل السوري. وأظهرت النتائج أن 100 بالمئة من الشباب يعانون من قلة فرص العمل المناسبة، فيما يواجه 90 بالمئة صعوبات كبيرة في التنقل والوصول إلى أماكن العمل المحتملة.
كما أظهرت الدراسة أن 72 بالمئة من الباحثين عن عمل تفتقر سيرهم الذاتية للخبرة العملية المطلوبة، بينما يعاني 54 بالمئة من عدم توافق مهاراتهم مع احتياجات السوق الفعلية، في حين تواجه 27 بالمئة منهم عوائق اجتماعية واقتصادية تحد من إمكانية حصولهم على فرص العمل.
وفي تحليله لهذه الأرقام، أوضح مدير غرفة تجارة دمشق الدكتور عامر خربوطلي، أن هذه النتائج تعكس مشاكل عميقة ومركبة في عرض العمل والطلب عليه، تبدأ من عدم مواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع متطلبات سوق العمل الفعلية، مروراً بحالة ركود الأعمال وغياب المشاريع الكبرى الإنتاجية والخدمية.
وأضاف خربوطلي لصحيفة “الثورة السورية”: “ما يطمح إليه الاقتصاد السوري الجديد بعد استعادة عافيته يتطلب كسر حواجز البيروقراطية والانكفاء والضبابية، والانطلاق نحو أفق واسع من حرية الأعمال والتفاعل مع الاقتصاد العالمي تجارياً واستثمارياً ومالياً”.
استراتيجية التشغيل
أشار خربوطلي إلى أن أحد أبرز المعوقات يتمثل في تأخر وضع استراتيجية وطنية واضحة المعالم للتشغيل والعمالة، تكون مؤطرة عبر خارطة وطنية لفرص العمل وإمكانيات المناطق، تهدف إلى خلق فرص جديدة ضمن مشاريع متناهية الصغر أو صغيرة، قادرة على استيعاب “جيش العاطلين عن العمل” الذين يضطرون للانتقال إلى المدن الكبرى للعمل في مهن هامشية مؤقتة وغير إنتاجية.
وحذر خربوطلي من أن فرص العمل لا تزال قليلة مقارنة بتزايد أعداد طالبيها، مؤكداً أن هذه المشكلة تتطلب تدخلاً عاجلاً على جميع المستويات لاستيعاب هذه الأعداد وتحويل هذا التحدي إلى فرصة للنجاح وبناء سوريا الجديدة.
ولذلك، دعا إلى ضرورة تضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص ومنظمات المجتمع الدولي لوضع حلول جذرية ومستدامة لأزمة البطالة، التي تمثل تهديداً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
الكفاءات السورية في المغترب
دعا رجل الأعمال السوري المغترب في الولايات المتحدة، فيصل البراك، إلى إشراك الكفاءات السورية في الخارج بشكل فاعل في عملية التعافي الاقتصادي لسوريا، معتبرًا أن الشباب السوري المغترب يشكل ثروة حقيقية قادرة على دفع عجلة الإنتاج والتنمية في المرحلة المقبلة.
وأوضح البراك، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن السوريين في الخارج اكتسبوا خبرات نوعية في مجالات حيوية متنوعة، إضافة إلى بناء علاقات اقتصادية دولية واسعة يمكن توظيفها لجذب الاستثمارات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات السورية.
وأشار إلى أن التعافي الاقتصادي لا يعتمد فقط على الحكومات، بل يشمل أيضًا المبادرات الفردية ورجال الأعمال والشباب الذين يمتلكون الخبرة والطموح، مؤكدًا أن إشراك الكفاءات السورية المغتربة في إعادة بناء الاقتصاد سيكون عاملاً رئيسياً لدعم الاستقرار وخلق فرص عمل وتحريك عجلة الإنتاج في البلاد.
كما أوضح أن الاستفادة من هذه الكفاءات، خاصة في المجالات التكنولوجية والصناعية المتطورة، تمثل ركيزة أساسية لأي خطة اقتصادية طموحة تهدف إلى إعادة بناء البنى التحتية والاقتصادية واستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل.
عبد الحميد غانم
المصدر: الثورة السورية
