الطاقة في أسبوع: إغلاق مضيق هرمز يكشف مدى تشابك مشهد الطاقة مع الحياة اليومية

زمن القراءة: 12 دقائق

ملخص تنفيذي: تكشف أزمة إغلاق مضيق هرمز عن مدى تشابك مشهد الطاقة العالمي؛ فالهند لجأت إلى اجبار المصافي والمجمعات البتروكيماوية إلى استخدام اللقيم من البروبان والبيوتان والبروبيلين والبيوتينات لإنتاج الغاز النفطي المسال عوضاً عن انتاج البتروكيماويات بسبب ازمة غاز الطبخ التي تضرب الهند، ماقد يقلص من تخمة المعروض العالمي من البتروكيماويات.

وفي قطاع التأمين البحري، قررت العديد من نوادي الحماية والتعويض الى وقف تغطيتها التأمينية، او رفع أقساطها إلى مستويات قياسية، علماً أن تأمين مخاطر الحرب المكتتب قبل اندلاع النزاع لا يغطي هذه الظروف ويتطلب دفع أقساط إضافية، أما اصحاب الناقلات، فيتوقعون تحديات كبيرة حال اعادة افتتاح المضيق، ويتخوفون من وجود ألغام بحرية في قاع المضيق، أما على صعيد إنتاج النفط والغاز، فإغلاق الآبار لفترات طويلة قد يتسبب بأضرار تقنية مكلفة وسط شح الكوادر القادرة على معالجتها، وقد يؤدي ذلك إلى الإغلاق النهائي للآبار الهامشية، ما يعني فقدان جزء من الطاقة الإنتاجية.

الحكومة الهندية تجبر الشركات البتروكيماوية على استخدام اللقيم فقط لإنتاج الغاز المنزلي وسط ازمة الغاز المسال

هل يمكن أن تصبح الهند أكبر محرك للطلب العالمي على النفط بدلاً من الصين؟

تواجه الهند ندرة حدة في الغاز النفطي المسال (LPG)، او ما يعرف بغاز الطهي، وذلك بسبب غلق مضيق هرمز، حيث تستورد الهند أكثر من 60% من منطقة الخليج العربي، حيث تسيطر قطر والإمارات وعمان على معظم الامدادات، ويثير نقص الغاز أيضاً مخاوف تؤثر على مختلف القطاعات، حيث تواجه عدة شركات أغذية ومطاعم احتمال التوقف عن العمل بسبب محدودية الغاز.

وأمام هذا الوضع، أمرت الحكومة الهندية جميع شركات تكرير النفط المحلية والمجمعات البتروكيماوية، بزيادة إنتاج الغاز النفطي المسال لضمان توافره محلياً، حيث أمرت الحكومة الهندية المصافي أن تعمل على تحويل البروبان والبيوتان والبروبيلين والبيوتينات، نحو إنتاج الغاز النفطي المسال بدلاً من انتاج مواد بتروكيماوية، وسيتم توريد الغاز المنتج حصرياً للاستهلاك المنزلي.

وامام هذا الوضع، أشارت نشرية ICIS إلى أن هذه الخطوة ستقلل إنتاج البروبيلين ومشتقاته في الهند، مع احتمال حدوث المزيد من الاضطرابات في سلسلة توريد البولي بروبيلين في السوق المحلية والعالمية إذا استمر الوضع.

وأمام هذا الوضع، يبدي المشترون استعداد لدفع أسعار أعلى للحصول على شحنات البولي إيثيلين والبولي بروبيلين المتاحة فورياً أو خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بينما تظل الشحنات الأطول غير جذابة بسبب عدم اليقين في اللوجستيات والأسعار.

وفي ظل هذه الأوضاع، سيساهم الوضع الحالي في امتصاص الفائض في الطاقة الإنتاجية العالمية من البتروكيماويات، والتى اثرت على الأسعار، وسينعكس إيجاباً على الشركات السعودية المطلة على البحر الأحمر كاللجين وبترورابغ وينساب.

مخاطر الحرب تُجمّد سوق التأمين البحري في الشرق الأوسط وأقساط الخليج ترتفع خمسة أضعاف

وكالة: انتعاش حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز مع انحسار المخاطر الأمنية

مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، قررت عدة شركات تأمين بحري أن المخاطر أصبحت مرتفعة جداً لدرجة تمنع تقديم تأمين مخاطر الحرب أو حتى الأقساط الإضافية، فأوقفت التغطية بالكامل، خاصة بعد إعلان إيران إغلاق المضيق، وعلّقت بالفعل عدة جمعيات التأمين للحماية والتعويض (P&I) او ما يعرف ب (Multiple profit and indemnity – P&I) تأمين مخاطر الحرب لمالكي السفن في المنطقة.

أما الشركات التي لا تزال تقدم التأمين، فقد رفعت أسعارها بشكل كبير، إلى حد أن بعض مالكي السفن أصبحوا غير قادرين على دفع هذه الأقساط، وفق تقرير لوكالة أرغوس ميديا، وتشير مصادر في السوق إلى أن بعض مالكي السفن يحاولون حالياً التفاوض لإعادة تفعيل تأمين مخاطر الحرب.

وينقسم تأمين السفن عادة إلى قسمين: تأمين هيكل السفينة والآلات، وتأمين مخاطر الحرب. يغطي تأمين الهيكل والآلات الأضرار المادية التي تلحق بالسفينة أو معداتها، وعادة ما تكون هذه الأضرار عرضية. أما تأمين مخاطر الحرب، فهو يتيح لمالك السفينة المطالبة بتعويض عن أضرار ناتجة عن النزاعات، بما يشمل هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة، الألغام البحرية، وأعمال الإرهاب أو القرصنة، حسب بنود عقد التأمين، ولا يغطي الحروب بحد ذاتها.

ويُشترط تطبيق تأمين مخاطر الحرب على السفن التي تمر عبر مناطق محددة تعرف باسم “المناطق المدرجة”، وتحددها لجنة الحرب المشتركة التابعة لجمعية الاكتتاب الدولية في لندن وسوق تأمين لويدز. وتشمل هذه المناطق أجزاء من البحر الأسود، الشرق الأوسط، أفريقيا وأمريكا الجنوبية.

كما تطلب شركات التأمين بمدفوعات إضافية تُعرف باسم الأقساط الإضافية لمخاطر الحرب (Additional War Risk Premiums – AWRPs) للسفن التي تمر عبر مناطق عالية الخطورة، مثل مضيق باب المندب والمناطق الروسية والأوكرانية في البحر الأسود، ومضيق هرمز حالياً، وتُحسب هذه الأقساط غالباً كنسبة مئوية من قيمة هيكل السفينة والآلات، قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، كانت الأقساط في الخليج بين 0.15 و0.2 في المئة من قيمة الهيكل والآلات، أما الآن فقد ارتفعت إلى نحو 1 في المئة.

وتُعد جمعيات الحماية والتعويض (P&I) نوعاً خاصاً من التأمين البحري يعمل بنظام تعاوني يملكه ملاك السفن أنفسهم، حيث توفر تغطية للمسؤوليات القانونية التي قد يتحملها مالك السفينة تجاه الغير، مثل الأضرار البيئية وإصابات الطاقم وتلف البضائع، وهي مخاطر لا يشملها عادة تأمين هيكل السفينة والآلات، وتختلف هذه الجمعيات او النوادي عن شركات إعادة التأمين، التي تقدم بدورها غطاءً لشركات التأمين الأصلية بهدف توزيع المخاطر الكبيرة والحد من الخسائر المحتملة.

مشغّل ناقلات نفط: تدفقات النفط عبر هرمز قد لا تعود سريعاً حتى بعد انتهاء الحرب

صادرات إيران النفطية عبر مضيق هرمز تتجاوز مستويات ما قبل الحرب

حذّر مشغّل ناقلات النفط دأميكو D’Amico من أن قطاع الشحن العالمي قد يواجه تحديات كبيرة حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في الخليج واحتمال بقاء ألغام بحرية في المضيق، حسب تقرير لوكالة ارغوس ميديا.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة كارلوس باليسترا دي موتولا: إن نحو 19 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات المكررة كانت تمر عبر المضيق، ما يعادل نحو 18 بالمئة من الإمدادات النفطية العالمية و25 بالمئة من التجارة النفطية المنقولة بحراً.

وأضاف أن عودة التدفقات إلى مستوياتها السابقة قد لا تحدث بسرعة حتى بعد انتهاء الحرب، مشيراً إلى أن حجم الأضرار التي لحقت بالمصافي ومحطات التصدير في المنطقة لا يزال غير واضح.

وأوضح أن تقدير الأضرار الفعلية لن يكون ممكناً إلا بعد هدوء الأوضاع، في ظل تقارير متواصلة عن استهداف منشآت نفطية وبنية تحتية للتصدير.

كما أشار إلى أن الألغام البحرية المشتبه بوجودها في قاع المضيق تمثل أحد أكبر مصادر القلق لشركات الشحن والتأمين، إذ إن إعادة فتح المضيق بالكامل تتطلب التأكد من إزالة هذه الألغام، وهي عملية قد تستغرق وقتاً طويلاً.

ولفت إلى أن أياً من ناقلات الشركة البالغ عددها 21 ناقلة متوسطة المدى و6 ناقلات طويلة المدى لم يكن عالقاً داخل الخليج، إلا أن الشركة اضطرت إلى إلغاء عقد شحن واحد بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

ماذا يحدث لآبار النفط حين تتوقف عن العمل؟

مع إغلاق مضيق هرمز وإعلان حالة القوة القاهرة جراء توقف التصدير، وما نجم عن ذلك من امتلاء وحدات التخزين البرية والبحرية، لجأت كثير من الشركات إلى إغلاق آبارها أو الاكتفاء بإنتاج ما يُغطي الطلب المحلي، غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في توقف الضخ بحد ذاته، بل فيما ينتظر الشركات حين تنتهي الحرب وتسعى إلى إعادة تشغيل تلك الآبار.

وبحسب ما رصدته “أرقام” من معلومات تقنية استقتها من نخبة خبراء في القطاع النفطي، فإن عملية الإغلاق تُفضي إلى جملة من المشاكل التقنية المكلفة، وقد تنتهي بالإغلاق النهائي لما يسمى بالآبار محدودة الجدوى الاقتصادية، وهي آبار شائعة في الحقول الناضجة والمتقدمة في العمر.

ففي آبار النفط، يتسبب توقف المضخات الكهربائية تحت السطحية في تراكم سريع للرمال والرواسب فوقها، مما يجعل إعادة تشغيلها مستحيلة دون تدخل مكلف قد يصل إلى استبدالها بالكامل، وفي حالات أخرى، يُفضي ارتفاع الضغط الداخلي إلى مشكلات في سلامة البئر ذاته.

أما آبار الغاز، فمعاناتها مختلفة ومركّبة. إذ تتعرض لظاهرة “التحميل السائل” (Liquid Loading)، حيث يتراكم الماء داخل عمود البئر مشكّلاً سداداً طبيعياً يُعيق استئناف الإنتاج. ويُضاف إلى ذلك ترسبات الملح الصخري التي تسدّ الممرات الداخلية للآبار.

ولا تقتصر الأضرار على الآبار وحدها، بل تمتد إلى المنشآت السطحية والمعدات التي تتآكل بوتيرة متسارعة خلال فترات الإغلاق المطوّلة، لا سيما في البيئات البحرية والرطبة، كما تتراكم ترسبات الشمع والبارافين داخل خطوط الأنابيب حين يتوقف تدفق النفط، مما يستوجب عمليات تنظيف وصيانة مكلفة قبل استئناف التشغيل.

وحتى في أفضل السيناريوهات، لا تعود الآبار إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة فور إعادة التشغيل، فقد تستغرق العملية أسابيع في الحالات البسيطة، وأشهراً في تلك التي تستلزم ما يُعرف بعمليات Workover أو Well Intervention، أي إعادة فتح البئر بالكامل وإنزال معدات ثقيلة إلى أعماقه لاستبدال المضخات التالفة أو إزالة الرواسب أو معالجة الأعطال الداخلية، وهي عمليات لا تختلف في تعقيدها عن إجراء جراحة دقيقة داخل أنبوب ضيق على عمق آلاف الأمتار تحت سطح الأرض. وقد تمتد المدة أكثر من ذلك في الآبار العميقة أو ذات التكوينات الجيولوجية المعقدة.

 وأكبر تحدي تواجهه هذه العمليات هو غياب الكوادر البشرية والإمكانات التقنية اللازمة لهذه التدخلات شحيحة، مما يعني أن إعادة التشغيل ستسير بخطى متدرجة وبطيئة، حتى لو فُتح المضيق غداً.

ويزيد المشهد تعقيداً أن كثيراً من هذه المشكلات لا تتكشّف إلا في لحظة محاولة إعادة التشغيل، فبعض الآبار يحتاج إلى ما يُعرف بالرفع الاصطناعي (Artificial Lift)؛ إذ يفقد البئر بعد توقف مطوّل قدرته على دفع السوائل إلى السطح تلقائياً، فتتراكم فيه الرواسب والسوائل كسدٍّ داخلي، وعندها لا يكفي مجرد إعادة تشغيله، بل يضطر المهندسون إلى إنزال معدات ضخ متخصصة في أعماقه لكسر هذا الحاجز قسراً، وهي عملية مكلفة تأخذ وقتها وتستلزم معدات وفرقاً متخصصة نادراً ما تتوفر بالقدر الكافي في أوقات الأزمات.

وتكشف آبار أخرى عن خلل في سلامة البئر ذاته (Well Integrity)، سواء في الغلاف أو الإسمنت أو صمامات الأمان، وهي عيوب كانت كامنة قبيل الإغلاق لكنها تتفاقم مع انقطاع الضغط والتدفق. بمعنى آخر، لن تتضح الفاتورة الحقيقية لهذه الأزمة إلا حين تشرع الشركات فعلاً في محاولة النهوض من جديد.

وإذا كانت بعض الابار يمكن إعادة تشغيلها بعد صيانتها بتكلفة عالية نظراً لأن جدواها الاقتصادية تسمح بذلك، فان ما يعرف بالآبار الهامشية قد تغلق نهائياً نظراً لعدم الجدوى الاقتصادية من تصليحها، وهي كثيرة في الحقول المتقدمة في العمر، فحين تتخطى تكلفة إصلاح البئر عائدَه المتوقع، يغيب الحافز الاقتصادي لإعادة تشغيله، تماماً كسيارة عطّلها الإهمال الطويل وباتت تحتاج إلى بطارية وإطارات وقطع متآكلة، لكن قيمتها لا تُبرر الإصلاح، هذه الآبار ستُغلق نهائياً، وما يعنيه ذلك خسارة طاقة إنتاجية لا يُعوَّض.

ماذا يعني هذا للسوق؟

يعني أن أي تسوية دبلوماسية وإعادة فتح للمضيق لن تُفضيا تلقائياً إلى عودة الإمدادات إلى مستوياتها السابقة، إذ ستواجه السوق نقصاً هيكلياً ممتداً حتى بعد انقضاء الأزمة السياسية، مما يدفع المحللين إلى التساؤل: من سيملأ هذا الفراغ؟ وبأي ثمن؟​​​​​​​​​​​​​​​​

المصدر: أرقام

آخر الأخبار