في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، لم تعد المنافسة تدور فقط حول من يبتكر أولاً، بل حول من يستطيع الوصول إلى الابتكار بأسرع وأرخص الطرق.
وبينما تضخ شركات التكنولوجيا الأمريكية مليارات الدولارات لتطوير نماذجها المتقدمة، تتهم هذه الشركات منافسيها في الصين باتباع طريق مختصر: تقليد النماذج الأمريكية والتعلّم منها بشكل غير مشروع.
ومع اقتراب إطلاق نموذج جديد من شركة “ديب سيك” الصينية، يتصاعد القلق في وادي السيليكون، حيث يرى مسؤولون وشركات أمريكية أن ما يجري ليس مجرد منافسة تقنية، بل معركة على أكثر الأصول قيمة في العصر الرقمي: المعرفة التي تقف خلف نماذج الذكاء الاصطناعي.

تقليد عدواني
تقول أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة إن منافسيها الصينيين يلجؤون إلى تقليد عدواني لنماذجها. ففي هذا الشهر، كشفت شركتا “أنثروبك و”أوبن إيه آي” عن أدلة تشير إلى أن مختبرات صينية رائدة استخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية بشكل غير مشروع لتدريب أنظمتها الخاصة.
تتهم الشركتان باحثين صينيين باستخدام أسلوب يُعرف باسم “التقطير”، حيث يتم إدخال آلاف الأسئلة أو التعليمات إلى روبوتات الدردشة الأمريكية، ثم تحليل إجاباتها لتقليد طريقة تفكيرها وبناء نماذج مشابهة لها.
ويقول كريس ماكغوير من مجلس العلاقات الخارجية، وهو مركز أبحاث أمريكي: “الصين تسرق فعلياً الأوزان الرقمية لأفضل نماذج الذكاء الاصطناعي لدينا.. هذه الأوزان تُعد من بين أكثر الأصول قيمة على وجه الأرض”.
ليست هذه الاتهامات جديدة فقد اتهمت “أوبن إيه آي” شركة “ديب سيك” بسلوك مشابه في أوائل العام الماضي، بعد أن فاجأت الشركة الصينية وادي السيليكون بإطلاق نموذجها “ديب سيك آر 1”.
نماذج منافسة
منذ ذلك الحين، كشفت شركات صينية عن نماذج ذكاء اصطناعي تنافس نظيراتها الأمريكية في بعض المؤشرات، وغالباً بعد أسابيع قليلة فقط من ظهور النماذج الأمريكية، مع تكلفة تدريب وتشغيل أقل بكثير.
ويرى خبراء أن إعلان “أنثروبك” في 23 فبراير/شباط بأن ثلاث شركات صينية حاولت تقليد روبوت الدردشة الخاص بها يفسر كيف تمكنت هذه الشركات من اللحاق بسرعة بالمنافسة.
وتقول المختبرات الأمريكية إن المنافسين الصينيين يستخدمون ما يسمى “هجمات التقطير” للقفز سريعاً نحو حدود التطوير المتقدم للنماذج، وبكلفة لا تمثل سوى جزء بسيط مما تنفقه الشركات الأمريكية.
وقد راقبت مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية عن كثب محاولات منافسيها التدريب على منتجاتها خلال الأشهر الماضية. ويأتي كشف أنثروبك في وقت يترقب فيه القطاع إطلاق نموذج جديد من “ديب سيك”، قد يظهر في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.

رقائق “إنفيديا بلاكويل”
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، تعتقد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الشركة الصينية درّبت النظام الجديد في منشأة تقع في منغوليا الداخلية باستخدام رقائق “إنفيديا بلاكويل” المتقدمة، في انتهاك لضوابط التصدير الأمريكية.
وتشير التقارير إلى أن” ديب سيك” تخطط لإخفاء استخدامها لهذه الرقائق، وربما تسويق إطلاق النموذج على أنه انتصار لجهود الصين في توطين سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي. لكن الحكومة الأمريكية ترى أن القدرات المتقدمة للنموذج على الأرجح تعتمد بشكل كبير على تقنية التقطير.
ومن اللافت أن الشركات الأمريكية نفسها تستخدم هذه الأساليب أحياناً لتدريب نماذج أقل تقدماً بتكلفة منخفضة، خاصة في الأنظمة ذات الأوزان المفتوحة. غير أن “أنثروبك” تقول إن استخدام منتجاتها لتدريب نموذج منافس يمثل انتهاكاً واضحاً لشروط الاستخدام.
حسابات مزيفة
تتهم الشركة ثلاث شركات صينية — “ديب سيك” و”مون شوت” و”ميني ماكس” بمحاولة القيام بذلك. ووفقاً لادعاءات الشركة، أنشأت هذه الجهات مجتمعة نحو 24 ألف حساب مزيف، استُخدمت للتفاعل مع نماذجها أكثر من 16 مليون مرة.
ولم تصدر الشركات المتهمة أي رد علني حتى الآن. كما أفادت “غوغل ديب مايند” بأنها رصدت “سرقة للملكية الفكرية” من أنظمتها في تقرير نشرته في وقت سابق من هذا الشهر، دون أن تحدد الجهة المسؤولة.
وتقول المختبرات الأمريكية إن محاولات التقطير أصبحت أكثر شيوعاً خلال العام الماضي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن هذه التقنية أصبحت أكثر قوة وفاعلية.
حتى وقت قريب، كانت مختبرات الذكاء الاصطناعي تطور نماذجها عبر تغذيتها بكميات هائلة من النصوص المأخوذة من الإنترنت. وكلما قرأ النموذج أكثر، أصبح أكثر ذكاءً.
لكن حدود التطوير تغيرت الآن. فالنماذج المتقدمة اليوم تتعلم عبر التجربة والخطأ، إذ تحاول تنفيذ مهام متعددة مرات عديدة، ويتم تعزيز الأساليب التي تنجح فقط. غير أن هذه العملية تستهلك قدرة حوسبية هائلة، وهو ما يمثل مشكلة للشركات الصينية التي تواجه قيوداً على الوصول إلى الرقائق المتقدمة.
“البيانات الاصطناعية”
وهنا يأتي دور التقطير. فمن خلال استخدام نماذج الآخرين لإنتاج ما يعرف بـ”البيانات الاصطناعية”، يمكن للشركات توليد مواد تدريبية جاهزة، بينما تكرّس قدراتها الحاسوبية المحدودة لعمليات التدريب الأساسية.
لكن المشكلة أن الشركات الأمريكية تنفق مليارات الدولارات لإنتاج هذه البيانات في المقام الأول. فهي توظف خبراء بشريين — مثل علماء الرياضيات — لكتابة حلول مفصلة خطوة بخطوة لمسائل معقدة، ما يوفر أمثلة تدريبية عالية الجودة لنماذجها.
وعلى عكس المعرفة العامة المنتشرة على الإنترنت، فإن المهارات المطلوبة لإتمام مهمة محددة — مثل حل مسألة رياضية أو حجز رحلة طيران — تعد معرفة دقيقة يمكن استخراجها بسهولة. ولذلك يستطيع المقلدون ببساطة أن يطلبوا من النماذج تنفيذ المهام، ثم يجمعوا حلولها دون الحاجة إلى خوض كل مراحل التجربة والخطأ المكلفة.
مراهنات باهظة
وتقوم المختبرات الأمريكية بمراهنات باهظة على تقنيات تدريب جديدة، كثير منها يفشل. فقد تصل تكلفة عملية تدريب واحدة إلى مليارات الدولارات. وتشير تقديرات بنك “جيه بي مورغان” إلى أن الشركات التكنولوجية التزمت باستثمارات في مراكز البيانات تصل إلى نحو 5 تريليونات دولار بين الآن وعام 2030.
لكن هذه الاستثمارات الضخمة تواجه تحدياً متزايداً من منافسين يقدمون نماذج تكاد تضاهيها في الأداء، لكن بتكلفة أقل بكثير. فمنذ إطلاق “ديب سيك آر 1” ارتفعت حصة الصين العالمية في سوق النماذج المفتوحة المصدر بسرعة، متجاوزة الولايات المتحدة، وفقاً لباحثين في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في بوسطن.
منع عمليات التقطير
ويحذر مسؤولو المختبرات الأمريكية من أن اكتشاف ومنع عمليات التقطير أمر بالغ الصعوبة تقنياً، خاصة مع تزايد تعقيد الأساليب المستخدمة. وتشمل هذه الأساليب تمرير حركة الإنترنت عبر مسارات معقدة لإخفاء مصدرها، أو تقسيم المهام بين آلاف الحسابات المختلفة.
ويقول مسؤول أمريكي تحدث إلى ذي إيكونوميست إن “صناعة كاملة من الشركات الصغيرة” نشأت داخل الصين لتقديم خدمات التقطير المنسق، مع إخفاء هوية العملاء الحقيقيين. ويضيف: “لا يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على ريادتها في الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر إذا لم تعالج هذه المشكلة”.
في المقابل، يشير بعض الباحثين الصينيين في مجال الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت إلى أنه من التناقض أن تشتكي الشركات التي دربت نماذجها أساساً على ملكية فكرية للآخرين من مسألة التقليد.
إجراءات حازمة
ومع ذلك، تدعو شركات أنثروبك و”أوبن إيه آي” و”غوغل ديب مايند” إلى اتخاذ إجراءات حازمة، فقد تطلب الحكومة الأمريكية من القيادة الصينية اتخاذ إجراءات ضد هذه الممارسات، ربما خلال زيارة مرتقبة للرئيس ترامب إلى بكين.
لكن احتمالات استجابة حكومة شي جينغ بنغ تبدو ضئيلة. وبدلاً من ذلك، يقترح كريس ماكغوير أن تعاقب الولايات المتحدة الشركات الصينية المتورطة في عمليات التقطير، عبر منعها من استخدام خدمات الحوسبة السحابية الأمريكية أو تشديد القيود على تصدير الرقائق.
غير أن الرئيس ترامب يبدو غير مستعد حالياً لاتخاذ خطوات قد تعكر أجواء التهدئة القائمة بين واشنطن وبكين. وفي الوقت الراهن، قد يتعين على المختبرات الرائدة في الذكاء الاصطناعي أن تعتاد واقعاً جديداً: منافسون يتعلمون بسرعة من أعمالها — وربما يقلدونها أيضاً.
المصدر: ذي إيكونوميست
