في عالم تتغير فيه خرائط الطاقة بسرعة، لم تعد خطوط النفط والغاز مجرد مشاريع اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى أدوات نفوذ جيوسياسي ترسم ملامح التوازنات الدولية، ومع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الحيوية، وخصوصاً في مضيق هرمز، يعود الحديث مجدداً عن الحاجة إلى مسارات بديلة لنقل الطاقة، وهو ما يعيد تسليط الضوء على الموقع الجغرافي لسوريا كحلقة وصل محتملة بين الخليج العربي والبحر المتوسط.
يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور سلمان صبيحة أن أهمية البحث عن طرق بديلة لنقل الطاقة ترتبط بالدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية.
ويقول صبيحة في تصريح لـ”الحرية”: إن التقديرات الدولية تشير إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط تعبر مضيق هرمز يومياً، وهو ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، إضافة إلى مرور نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم عبر هذا الممر البحري، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة فيه قادراً على التأثير سريعاً في أسواق الطاقة الدولية.”
ويضيف: إن التوترات الجيوسياسية في المنطقة تدفع الدول المنتجة للطاقة دائماً إلى التفكير في بدائل لنقل صادراتها، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الممرات البرية.
سوريا كممر محتمل للطاقة
ويرى صبيحة أن الموقع الجغرافي لسوريا بين الخليج العربي والبحر المتوسط يمنحها، من الناحية النظرية، فرصة للعب دور في نقل النفط والغاز نحو الأسواق الأوروبية.
موضحاً أن إنشاء خطوط لنقل الطاقة من الخليج أو العراق عبر الأراضي السورية باتجاه البحر المتوسط قد يوفر مساراً إضافياً لنقل النفط والغاز إلى أوروبا، خاصة في حال حدوث اضطرابات في بعض الممرات البحرية الحيوية.
ويشير إلى أن مثل هذه المشاريع قد تتيح لسوريا الاستفادة اقتصادياً من عدة جوانب، من بينها رسوم عبور خطوط الأنابيب، وتنشيط حركة الموانئ، إضافة إلى تطوير قطاع الخدمات اللوجستية المرتبط بالتجارة والطاقة.
الموانئ السورية ودورها المحتمل
ويمتلك الساحل السوري عدداً من المرافئ التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في حركة التجارة والطاقة في المنطقة، من أبرزها: ميناء اللاذقية وميناء طرطوس ومصب بانياس النفطي
ويرى صبيحة أن تطوير هذه المرافئ يمكن أن يعزز دور سوريا كمركز لوجستي إقليمي يربط بين طرق التجارة والطاقة في آسيا وأوروبا.
مشاريع إقليمية قد تعيد رسم خريطة الطاقة
ويربط صبيحة بين هذه الإمكانات الجغرافية وعدد من المشاريع الاقتصادية التي يجري الحديث عنها في المنطقة، مثل: مبادرة الحزام والطريق، ومشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، إضافة الى خط الغاز العربي، ومشروع خط أنابيب كركوك– بانياس.
ويشير إلى أن مثل هذه المشاريع يمكن أن تعزز موقع سوريا كمحور لوجستي في حال توفرت البنية التحتية والاستثمارات اللازمة.
تجربة تاريخية خط التابلاين
ويستشهد صبيحة بتجربة خط الأنابيب المعروف باسم خط التابلاين، الذي أنشئ بين عامي 1947 و1950 لنقل النفط من السعودية إلى البحر المتوسط مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى لبنان.
وبلغ طول هذا الخط نحو 1664 كيلومتراً، فيما وصلت طاقته الاستيعابية لاحقاً إلى نحو 500 ألف برميل يومياً، وكان يعد آنذاك أحد أكبر مشاريع الطاقة في العالم.
ويرى صبيحة أن هذه التجربة تؤكد أن فكرة نقل الطاقة عبر الممرات البرية في المنطقة ليست جديدة، لكنها تحتاج اليوم إلى استثمارات وتقنيات حديثة لإعادة إحيائها.
تحديات البنية التحتية
ورغم هذه الإمكانات، يؤكد صبيحة أن تحويل سوريا إلى ممر رئيسي للطاقة يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية، من أبرزها: إعادة تأهيل خطوط الأنابيب القديمة وتطوير الموانئ والمنشآت النفطية، وتحديث شبكات الطرق والسكك الحديدية وإنشاء منظومة لوجستية متكاملة لنقل الطاقة والبضائع.
كما يشير الخبير الاقتصادي إلى أن إنشاء خطوط أنابيب حديثة يعد الخيار الأكثر جدوى اقتصادياً لنقل النفط والغاز لمسافات طويلة مقارنة بالنقل البري التقليدي.
بين الجغرافيا والاقتصاد
في ظل التحولات المتسارعة في خريطة الطاقة العالمية، قد تعود الممرات البرية وخطوط الأنابيب إلى الواجهة كبدائل استراتيجية لنقل النفط والغاز.
وفي هذا الإطار يرى الدكتور سلمان صبيحة أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة اقتصادية مهمة إذا ما جرى استثماره ضمن رؤية استراتيجية تقوم على تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة وتعزيز الشراكات الاقتصادية الإقليمية.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع سوريا في المرحلة المقبلة تحويل موقعها الجيوسياسي إلى ممر اقتصادي يعيد رسم طرق الطاقة بين الخليج العربي والبحر المتوسط؟
نهلة أبو تك
المصدر: الحرية
