وسط التحديات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، تبرز المشروعات الأسرية كقوة صامتة تسهم في التنمية المستدامة وتوفير فرص عمل للأسر، لكنها تواجه عقبات تنظيمية وقانونية تحدّ من انتشارها ونموها.
من الزراعة المنزلية إلى التصنيع الغذائي البسيط، تسعى هذه المشروعات لتثبيت وجودها في السوق المحلي وفتح أبواب التصدير، متطلعة إلى دعم رسمي يضمن استمراريتها ويعزز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
ورداً على استفسارات صحيفة “الثورة السورية” حول دور هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، طلبت الهيئة تأجيل الإجابة دون توضيح الأسباب.
تحديات جوهرية
يؤكد الخبير التنموي أكرم العفيف، أن المشروعات الأسرية تتميز بتكاليفها البسيطة وإمكانياتها العالية للبدء، مستعرضاً مثالاً لمشروع تحضير الحمصية، الذي لا تتجاوز تكلفته الأولية 5,000 ليرة (500,000 ليرة قديمة)، ويمكن أن ينتج يومياً ما يقارب 250 كيلوغراماً، مما يدر دخلاً جيداً للأسر الفقيرة.
ومع ذلك، يواجه هذا النوع من المشروعات تحدياً جوهرياً يتمثل في غياب الهوية الإنتاجية، ومدة الصلاحية، والموافقات الرسمية، والتواقيع اللازمة التي تضمن سلامة المنتج وتداوله.
ويشير العفيف إلى أن المشكلة لا تكمن في جودة المنتج أو قابليته للاستهلاك، فالمستهلك السوري يتقبل المنتجات ذات الجودة والسعر المناسبين، حتى لو لم تكن مطابقة للمواصفات العالمية الصارمة، لكن المشكلة تتمثل في “التوقيع” أو “التبني” الرسمي الذي يمنح المنتج الشرعية القانونية للتداول.
ويستعرض العفيف أمثلة حية لتوضيح هذه المعضلة. فمنتج الثوم البلدي، رغم طعمه المميز، يفتقر إلى الشكل الجذاب للمنتج المستورد، لكن تجفيفه وطحنه وتحويله إلى مسحوق ثوم مجفف في عبوات أنيقة يمكن أن يحقق أرباحاً كبيرة. وبالمثل، فإن منتج مخلل اللفت، الذي يمكن إنتاجه بتكلفة معقولة وبيعه بضعف سعره، يواجه نفس العقبة التنظيمية. يتساءل العفيف: لماذا يفضل المستهلك شراء سندويش فلافل جاهز بسعر مرتفع، بينما يمكن إنتاج مأكولات منزلية صحية واقتصادية إذا ما تم تجاوز عقبة “التوقيع”؟
وتمتد هذه التحديات لتشمل إلى جانب المنتجات الغذائية التقليدية، مشاريع أخرى واعدة مثل مشاريع تربية طيور “الفري” أو إنتاج المكسرات. فمشروع إنتاج بيض “الفري” يمكن أن يوفر فرصاً كبيرة، إلا أن إدخال المنتج إلى السوق يتطلب موافقات وتراخيص معقدة، وفق العفيف. وكذلك الحال بالنسبة لمكسرات الأسر المنتجة، التي يمنع بيعها في المحلات اليوم، رغم أن هذه المنتجات منافسة للمستورد.
ويشير العفيف إلى الإمكانيات الهائلة للقطاع الزراعي والطبي في سوريا، حيث يوجد حوالي 3600 نوع نباتي قابل للامتياز.
ويمكن لهذه الموارد أن تخلق ملايين فرص العمل في مجالات الزراعة، واستخلاص المواد الفعالة، وتطوير منتجات طبية وتجميلية وصحية. ومع ذلك، تمنع قوانين وزارة الصحة استخدام هذه المنتجات المحلية، رغم تفوقها على المنتجات المستوردة من حيث الجودة والنظافة. هنا أيضاً، تكمن المشكلة في “التوقيع” أو غياب الإطار القانوني الداعم.
وأضاف العفيف أن حتى المنتجات الحيوانية المحلية مثل الزبدة والقريشة واللبنة والجبن من حليب الماعز، التي يمكن إنتاجها في المناطق الجبلية وتوفير فرص عمل للأسر، تواجه عقبات تتعلق بالتراخيص والموافقات والعقود المعقدة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تأسست “مبادرة المشروعات الأسرية” بهدف إيجاد حلول لهذه المشروعات. تضم المبادرة جهات رسمية تتمثل في الحكومة وهيئات مثل هيئة تنمية المشروعات والبحوث العلمية الزراعية، وأكاديميين (55 دكتوراً جامعياً)، إضافة إلى جهات أهلية ومخترعين وإعلاميين ومدراء شركات وجمعيات تسويقية وأصحاب معارض.
وتتمثل مهمة هذه المجموعة في تحقيق الجودة وإيجاد حلول لدعم المشروعات الأسرية.
دور محوري
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف، لصحيفة “الثورة السورية”، أن المشروعات الأسرية، أو ما تُعرف بالمشروعات المتناهية الصغر، تؤدي دوراً محورياً في اقتصادات دول عدة حول العالم، مستشهداً بتجربة الصين التي تعتمد عليها بشكل كبير، وبالتحول الذي شهدته بنغلاديش من دولة مثقلة بالديون إلى دولة تحقق دخلاً سنوياً يتجاوز 10 مليارات دولار نتيجة الاعتماد على هذه المشروعات، لا سيما في مجالات الألبسة والحرف اليدوية والفلكلورية.
وأوضح يوسف أن هذه المشروعات تبقى خارج التصنيف الرسمي بسبب ما تواجهه من معوقات تحدّ من قدرتها على النمو، أبرزها عدم توفر حوامل الطاقة، خاصة الكهرباء بشكل مستمر، وصعوبات التسويق، وضعف القدرة الشرائية لدى الفئات المستهدفة، إضافة إلى غياب الدعم الحكومي الفعّال.
وفي بعض الأحيان، تتحول متطلبات الحصول على التراخيص والسجلات التجارية والصناعية إلى عائق إضافي أمام تطورها.
وأشار إلى أن المشروعات المتناهية الصغر غالباً ما تكون خارج أولويات الحكومات، ما يؤدي إلى تراجعها وذوبانها تحت ضغط ضعف التمويل وتراجع الطلب وارتفاع تكاليف الإنتاج، فتتحول من مشاريع واعدة إلى مشاريع مستنزفة لرأس المال.
وحول تعزيز ثقة المستهلك، رأى يوسف أن الإشكالية تبدأ من مراحل ما قبل التسويق، لا سيما في تأمين مستلزمات الإنتاج وضمان استمراريته.
وفي ما يتعلق بالدعم المطلوب، أكد أن هذه المشروعات بحاجة ماسة إلى قروض طويلة الأجل، وتأمين مستلزمات الإنتاج، ودعم عمليات التسويق، وفتح أسواق خارجية، وتقديم تسهيلات تصديرية عبر إعفاءات على استيراد المواد الأولية، مشيراً إلى أن هذه المقومات غير متوفرة بالشكل الكافي في الوقت الراهن.
مقاربة شاملة
يفرّق العفيف بين النظرة الاقتصادية الضيقة التي ترى الفقر عبئاً، والنظرة التنموية التي ترى فيه فرصة للعمل والابتكار. فالسوريون، رغم معاناتهم، يمتلكون منتجات فريدة في الريف يجب تحويلها إلى منتجات قابلة للتصدير.
وشدد العفيف على أن عملية الارتقاء بالمنتج الوطني السوري تتطلب مقاربة شاملة تبدأ من صانع القرار، فالتزام الجهات المعنية بتبني مواصفات المنتج الوطني وتسويقه بفعالية خطوة جوهرية، أسوة بالدول التي تدعم منتجاتها الوطنية.
وأشار إلى ضرورة النظر بعين ناقدة إلى جودة بعض المنتجات المستوردة، محذراً من مخاطرها البيئية، مثل التلوث الناجم عن المواد البلاستيكية التي تتطلب مئات السنين للتحلل، وقد تشكل عبئاً بيئياً كبيراً. وهذا يؤكد أن التحدي يكمن في الارتقاء بالمنتج السوري لينافس بقوة، وليس في كونه “رديئاً”.
واقترح العفيف لتحقيق هذا الهدف محاور أساسية عدة: أولاً، “مأسسة” المشروعات الوطنية لضمان استدامتها؛ ثانياً، “إعطاء هوية للمنتج” من خلال تطوير علامات تجارية مميزة؛ ثالثاً، “وضعها في قالب جاهز للتصدير” للسوقين المحلي والخارجي مع الاهتمام بالمعايير المطلوبة.
كما شدد على أهمية “إيجاد أسواق داخلية وخارجية لمنتجاتنا” عبر جهود تسويقية مكثفة وأخيراً ضرورة “استغلال الموارد وإدارتها بشكل جيد” لتعزيز الإنتاجية والقيمة المضافة.
وفاء فرج
المصدر: الثورة السورية
